تأخذك إلى أعماق الفكر

الوجه المتخفي وراء التراث الثقافي

من الذي يملك الماضي؟

في كل خطوة نخطوها على أي بقعة في هذه الأرض نصبح جزءًا من التراث الثقافي التاريخي في المستقبَل، نبني تراث أحفادنا بأيدينا والذي سيشكّل هوياتهم كما شكّلَنا تاريخ أجدادنا، نندفع عادةً إلى التعرّف على أفضل الأماكن التراثية والمزارات التاريخية في بلداننا وكل بلد نسافر لها، وقد نذهب خصّيصًا من أجل رحلةٍ إلى الماضي. ولكن كم مرّة فكّرنا بجدية عن ما وراء فكرة التراث؟ وهل نملك وسائل حقيقية لتقدير تاريخنا غير زيارة الأماكن التراثية ومشاركة صورنا فيها؟

في هذا المقال الذي سيكون على جزئين، في أولهما سوف نتحدث بإسهاب عن التحرّكات العالمية والبحوث والحروب المتعلقة به، سنستعرض أحداث تدمير وتخريب بعض الأماكن، والاهتمام بأماكن على حساب أخرى، والنقاش حول الأسباب والدوافع والنتائج. أما الجزء الثاني فسيتضمن الجانب العملي لإعادة النظر في وسائلنا لتقدير التاريخ.

إحياء روح الموصل

مدينة الموصل هي مدينة قديمة تجتاحها أوضاع غير مستقرة، حيث تم تدمير جزء كبير من أكبر مدينة في العراق بسبب الحرب؛ بعد عامين من التحالف الدائر بين الحكومة العراقية والولايات المتحدة الأمريكية تم استعادتها من قبضة داعش، ولكن ما زالت آثار ندوب الحرب في المدينة بشكل ملحوظ، هرب العديد من السكان أو تم احتجازهم في أماكن أخرى من البلاد، أما بالنسبة إلى أولئك الذين عادوا فهم يعيشون وسط أنقاض منازلهم القديمة والأرواح الهشة، ولكن ما يجري بالفعل هو إعادة بناء التراث الثقافي.

عملت اليونسكو مع الحكومة العراقية للبدء في حملة تسمّى “إحياء روح الموصل” تركز على حفنة من المعالم التاريخية في المدينة.
تعهّدت الإمارات بمبلغ 50 مليون دولار لإعادة بناء مسجد النوري البالغ من العمر 850 عامًا والمئذنة التابعة له والمعروفة باسم “الهضبة” أو “الحدباء” وهي رمز للمدينة.

إن أكثر ما يلفت النظر حول هذه الحملة هي أنها تبدو غير مبالية بحياة الأشخاص الذين يطلقون على المدينة اسم المنزل “الوطن”.
أي نوع من إعادة الإعمار هذا؟ ومن الذي يستفيد منه؟ بالتأكيد ليس السكان. يشك الكثير من العراقيين في أن الحكومة الوطنية التي يقودها الشيعة تنتقم من الأغلبية السنية في المدينة. بدلًا من ذلك يبدو واضحًا أن المستفيدين الرئيسيين هم الحكومات الذين اكتسبوا مكانتهم وتفوقهم من خلال إطلاق وتمويل هذه الحملة.

إعلان

من أين بدأت فكرة الحفاظ على التراث الثقافي؟

حالات مثل الموصل تبرز لنا مفتاح الحقيقة عن التراث الثقافي؛ إنها لا تتعلق بالماضي بشكل أساسي كما يعتقده الحدس، بل عن الحاضر، إن التراث يسخّر قوة الماضي لتبرير العلاقات الاجتماعية الحالية، وخاصةً علاقات السلطة أو السيادة.
الحكومات تدوس على حياة واحتياجات الأفراد والمجتمعات، والأثرياء يحوّلون ثرواتهم المكتسبة إلى رأس مال ثقافي، كل ذلك باسم هذا التراث.

وفي قناعتنا اعتقاد بأنه يجب علينا حماية بقايا الماضي، غالبًا ما يتم إيقاع أغلبيتنا في هذا النوع من الحماس، حتى إننا لا نشك في فكرة التراث الثقافي الجديدة نسبيًا – وهي أن بقايا التاريخ يجب أن نعتز به بلا جدال كميراثنا من الماضي ويجب الحفاظ عليه في حالته الأصلية، أو ما يعتبر عادةً تراثًا ثقافيًا كالمباني والآثار التاريخية الكبرى التي يتم استغلالها كرموز مناسبة للأقوياء والعظماء.

لطالما كنا مهتمين بما تبقّى من الماضي، لكن طريقتنا الحالية في التفكير بالتراث بدأت تتشكل في القرن التاسع عشر؛ حيث بدأ الأوروبيون بالحفاظ على المباني التي يرجع عهدها إلى العصور الوسطى في المنازل.
أما في الشرق الأوسط فقد نما الاهتمام بالتراث الثقافي بالتزامن مع تهديد آثار الماضي القديم بالتحديث ومن جانب آخر التهديد بالسرقة.

ورق البردي

وضعت مصر في عام 1835 والإمبراطورية العثمانية في عام 1869 قوانين لحماية الآثار والتحف من السرقة والدمار، ولكن تم تجاهل هذه القوانين على نطاق واسع من قبل الأوروبيين والأمريكيين.

الجميع قد قدم نصائح بدءًا من تجّار الآثار إلى موظفي الدليل السياحي حول كيفية شراء القطع الأثرية المنهوبة بطريقة غير قانونية في الشرق الأوسط أو إجراء عمليات التنقيب غير القانونية، أو لإزالة الآثار عن طريق رشْوِ موظفي الجمارك وضباط الشرطة.
حيث تحدث السيد واليس بودج رئيس الآثار المصرية في المتحف البريطاني علانية عن الحيل المعقدة التي تم استخدامها لتهريب البردي القديم من مصر: ” لم يمثل ورق البردي مجرد تراث فرعوني أصيل فقط، بل يعدّ رمزًا للحضارة المصرية القديمة”.
كان هذا هو الوضع في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين، في حين أن السنوات بين الحربين العالميتين شهدت ظاهريًا مزيدًا من التعاون الدولي عبر عصبة الأمم.

عندما استقل العراق قام بصياغة قانون آثار جديد في الثلاثينات من القرن الماضي، غضب علماء الآثار البريطانيون من انخفاض حصة الاكتشافات التي يمكنهم الحصول عليها من البلاد. لم يتغير الوضع حقًا إلا في أعقاب الحرب العالمية الثانية، حيث بدأت القوة البريطانية وغيرها من القوى الإمبريالية في التخلص من مستعمراتها بشكل جدي.

جاء في الاتفاقيات الدولية مثل اتفاقية لاهاي لعام 1954 واتفاقية اليونسكو لعام 1970 و 1972 تقنين يدعو لاحترام هذه الأمم الوليدة وتراثها، هذه الاتفاقيات متأصلة من مفاهيم السيادة الوطنية.
قد كرّسوا مبدأ أن التراث الثقافي ملك للأمة التي وُجدت في إقليمها، ويدعون إلى الاعتراف بالقوانين الوطنية للملكية الثقافية وإنفاذها.

تمثل هذه الاتفاقيات الخطوة الأخيرة في تحويل المواقف تجاه قوانين الآثار في البلدان النامية من حالة الفصل إلى حالة الاحترام. لكنها كرست وشجعت أيضًا استخدام الممتلكات الثقافية لأغراض قومية، وبالتالي فقد نظرت الحكومات بشكل متزايد إلى بقايا الماضي البعيد لتعزيز الهويات الوطنية والشعور بالعظمة، أو لتهميش المجموعات الأقلية المحرومة.

استخدمت قيادة الصين علم الآثار من أجل إظهار العظمة الوطنية في الماضي البعيد الذي يعد شبهًا أسطوريًا، واليوم عملت الحكومة الهندوسية الوطنية لرئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي على استخدام علم الآثار لإثبات أن الهندوس الحديثين يمكنهم تتبع انحدارهم من خلال أوائل سكان الهند، مع هذا التصريح والاستخدام القومي للتراث أصبح هناك رد فعل عدائي وعنيف، نهب وتخريب التراث الثقافي ينظر له كشكل من أشكال المقاومة الوطنية. وفي أشكالها الأشد تطرفًا، أسفرت هذه المقاومة عن حملات تدمير واسعة النطاق، جادل مؤرخ الشرق الأدنى كريستوفر جونز بشكل مقنع بأن: “الدافع الرئيسي لتدمير داعش للآثار في سوريا والعراق يعود إلى دور تلك الآثار كرموز للقومية العلمانية والوثنية”.

عزفت الدول الأوروبية عن الخضوع لنفس التدخلات التي اقترحتها لباقي العالم.

اتحدوا من أجل التراث

إلى جانب لغة القومية، تربط المنظمات الدولية التراث الثقافي بالقيم العالمية.

يجادلون بأن التراث الثقافي لا ينتمي فقط إلى أفراد الأمم وإنما للبشرية جمعاء، اليونسكو على سبيل المثال تروج لحملة شعبية في وسائل التواصل الاجتماعي تدعى “اتحدوا من أجل التراث” حيث تفترض قائمة التراث العالمي لليونسكو القيمة العالمية للتراث.

للوهلة الأولى يبدو الاتجاه العالمي وكأنه اتجاه جديد يتحدى مباشرة الأفكار القومية القديمة، ولكن في الواقع ليس جديدًا ولا يمثل تحديًا.

في القرن التاسع عشر تحدث الأوروبيون عن الآثار المصرية كما يشير إليوت كولا حيث جرى هذا الحديث بعيدًا عن المصالح السياسية والتجارية لدولهم – كما فعلوا مع الجوانب الأخرى من مصر، وإنما كان مدار هذا الحديث يرتكز على الحضارة بشكل عام. عندما سئل الفرنسي جان فرانسوا شامبليون 1820 فكاك الرموز الهيروغليفية عن خطته لاختراق النقوش المرسومة من مقبرة ملكية مصرية قديمة، فأجاب بأنه كان يفعل ذلك باعتباره عاشقًا حقيقيًا للعصور القديمة.

النخبة الفرنسية يرون أنفسهم بأنهم في مهمة حضارية تجاه أفريقيا البربرية، باعتبار أن وجودهم قائم على علاقة إيثار يعود بالنفع على البشرية، وقد حدث ذلك لتضمين الآثار المصرية القديمة والتحف كمكافأة لبلدهم. إذا تحولت أفريقيا من المرحلة البربرية إلى المرحلة الإنسانية وإذا ازدهرت الحضارة هناك على شواطئها حيث تقع آثار العظمة الرومانية، فإن وفقًا لأحد الكتّاب في عام 1836 “يجب أن يعود المجد إلى فرنسا”.

في القرن العشرين بدأت عصبة الأمم وخليفتها الأمم المتحدة حملات تراثية تركزت على الادعاء بأن التراث الثقافي لا ينتمي إلى دول فردية بل للجميع. عقدت منظمة اليونيسكو حملة عالمية لإنقاذ الآثار النوبية عندما اجتمعت عدة دول لإنقاذ الآثار المصرية من البحيرة التي شكّلها بناء السد العالي في أسوان، لكن بينما تمت صياغة هذا الاتفاق بلغة التعاون الدولي إلا أنه في الممارسة العملية كانت الأمور عبارة عن تدفق في اتجاه واحد في تحديد الخبرة ووضع المعايير من القوة الغربية إلى البلدان النامية. عزفت الدول الأوروبية عن الخضوع لنفس التدخلات التي اقترحتها لباقي العالم، حيث تستحضر المتاحف الوطنية في أوروبا الطابع الدولي والعالمي لتبرير التمسك بالتراث الثقافي لدول أخرى، مثل المتحف البريطاني مع منحوتات البارثينون.

منحوتات البارثينون

يدعو العلماء الغربيون اليونسكو إلى حماية المخطوطات الثمينة من الجماعات الدينية التي تمتلكها – والذين يقيدون وصول الغرب إليها، غالبًا ما يتم الاحتجاج بالتصريح الدولي في أمور غير دولية بالمرة، ليس لتشجيع المشاركة والتعاون بين الجميع ولكن حتى ينتصر أحد الطرفين على الآخر في معركة ذات اهتمامات خاصة.

والمُلاحظ يرى أن اللغة الدولية أو العالمية تخدم غرضًا مزدوجًا، في الجانب الأول تبرر حث العالم المتقدم على اكتساب التراث من الدول النامية، ومن الجهة الثانية يكرّس على تقديم الدول النامية كنموذج أقل استنارة. لكن هذا الوصف للدول النامية يتناقض مع التاريخ الفعلي.
في عام 1989 تساءل جون هنري ميرميان، أستاذ في القانون والفن بجامعة ستانفورد، “لا يزال إعطاء الاحترام والإذعان بشكل روتيني للمطالبات الدولية”.

في ذلك الوقت كانت القوى الأوروبية والأمريكية قد بدأت للتو بأخذ قوانين الآثار للدول النامية على محمل الجد. يحب العلماء الغربيون النقد والسخرية من صورة حسين على أنها نبوخذ نصر، ولكنها لا تختلف نوعيًا عن تصوير نابليون كإله أو بطل يوناني، هزيمة المماليك في مصر وإعادة الحضارة الى البلاد.
في أوروبا وأمريكا استخدام التراث القومي يتم تصويره على أنه انحراف، هذا ما يفعله الآخرون، نادرًا ما يحمل الغرب نفسه إلى المرآة نفسها.

ماذا عن سكّان المواقع التاريخية؟

لا تستخدم الأمم التراث فقط ضد الدول الأخرى، ولكن أيضًا ضد سكانها؛ إن المجتمعات وخاصة تلك المهمّشة التي لا تزال تعيش في المواقع التاريخية مهددة بشكل خاص.
في أواخر القرن التاسع عشر عقدت اليونان مسابقة في الولايات المتحدة وأوروبا لمعرفة من سيفوز في التنقيب بموقع دلفي القديم، كان على المتسابقين جمع الأموال لإزالة قرية كاستري الحديثة في وسط اليونان، وقد فاز الجانب الفرنسي.
في الانتداب الفرنسي على سوريا أيضًا، نقل الفرنسيون قسرًا القرى في تدمر وداخل القلعة الصليبية كراك دي شوفالييه حتى يتمكنوا من التنقيب أكثر والحفاظ على الآثار.

إعلان

مصدر مصدر الترجمة
فريق الإعداد

إعداد: عبد المهيمن الصديق

تدقيق لغوي: دعاء أبو عصبة

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.