تأخذك إلى أعماق الفكر

النغزات و جائزة نوبل للاقتصاد

تابعنا في الأيام السابقة أسماء الحاصلين على جائزة نوبل في مختلف الفروع، وحصل ريتشارد ثالر صاحب كتاب النغزات على جائـزة نوبل في الإقتصاد والتي تعرف باسم جائزة سفيرجيس ريكسبانك Sveriges Riksbank والتي لم تكن من ضمن المجالات التي وضعها نوبل (الفيزياء – الكيمياء – الفسيولوجيا ( الطب ) – الأدب – السلام ) ولكن استحدثها البنك المركزي السويدي عام 1968 إحياءا لذكرى نوبل.

ريتشارد ثالر ومسيرته العلمية :

حصل ريتشارد ثالر على درجة البكالوريوس من جامعة كيس ويسترون ريزيرف في عام 1967 م ثم حصل على درجة الماجستير عام 1970 م من جامعة روتشستر ثم الدكتوراة في عام 1974 م ويعمل ثالر الآن أستاذًا للاقتصاد بجامعة شيكاجو منذ عام 1995 م لكنه قبل ذلك عمل كأستاذ زائر في الجامعة الكولومبية ومدرسة ” سلون للإدارة ” في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا ومؤسسة راسيل ساجا ومركز الدراسات المتقدمة في العلوم السلوكية في جامعة ستانفورد وتم إنتخابه في الأكاديمية الأمريكية للفنون والعلوم في عام 2000 م ، وفي عام 2015 م اختارت وكالة بلومرج ثالر ضمن أكثر 50 شخصية تأثيرًا في الناس كما شغل في العام نفسه منصب رئيس الجمعية الاقتصادية الأمريكية .
ظهر ريتشارد ثالر في مشاهد أحد الأفلام الأمريكية وهو فيلم The big short عام 2015 م جالسا بجانب سيلينا جوميز على طاولة للعب الورق .

لماذا حصل ريتشارد ثالر على نوبل ؟

يعتبر ريتشارد ثالر أبو الاقتصاد السلوكي، وقالت عنه الأكاديمية لدى الإعلان عن الجائزة إن اسهامات ثالر في المجمل بنت جسرا بين التحليلات الاقتصادية والتحليلات النفسية لصنع القرار وأضافت أن النتائج التجريبية والرؤى النظرية التي توصل لها أسهمت في تأسيس مجال الاقتصاد السلوكي الجديد والمتوسع بسرعة والذي كان له أثر واسع على الكثير من مجالات السياسة والبحوث الاقتصادية .

النغزات Nudges :

ألف ثالر العديد من الكتب وسنتحدث الآن عن أهم كتبه وشاركه في التأليف كاس سانستين Cass sunstein ويسمي النغزات Nudges والذي لاقى نجاحًا كبيرًا عندما عرض عام 2008 م، ومن خلال أفكار الكتاب سنتعرف عما يعنيه مصطلح الاقتصاد السلوكي وكيف قرب ثالر بين علم الاقتصاد وعلم النفس، وسنتعرف على أفكاره التي منحته نوبل كما سنستفيد من الكتاب في توجيه الكثير من قراراتنا، وفي معرفة أسباب القرارات الخاطئة في حياتنا، مثل الموافقة على وضع سيئ نعيشه ولا نسعى لتغييره

لكي نفهم ما هي النغزات Nudge التي يقصدها ثالر يجب أن نسمع رئيس هيئة نوبل وهو يقول عن ثالر أنه “أثبت كيف أن بعض الصفات البشرية مثل محدودية العقلانية والتفضيلات الاجتماعية تؤثر بشكل منهجي على القرارات الفردية وتوجهات السوق”. فالشائع أن كل شخص عندما يتعرض للاختيار الحر فإنه يختار الأفضل بالنسبة له، ولكن ثالر اكتشف أن هذا لا يحدث في الواقع، وقد يصل الأمر أن يختار ما يضره أحيانا كثيرة. ويقول أنه يوجد نظامان للاختيار لدي الأفراد وهما النظام التلقائي والنظام العقلاني.

إعلان

فالنظام التلقائي هو الذي يستجيب مباشرة عند الوقوع في الاختيار مثل أن أسألك أتحب الشاي أم القهوة ؟ فتجيب مباشرة القهوة .
أما النظام العقلاني فهو دراسة الاختيارات جيدا. وتظهر المشكلة عند تغلب النظام التلقائي على النظام العقلاني عند الاختيار وخصوصا في القرارات الهامة، ويحدث ذلك توفيرا للوقت والجهد وها ما يحدث طوال الوقت عند معظم الناس. كما أنه في حالة الاختيار العقلاني أيضا تقع الناس في كثير من الأخطاء سنقوم بشرحها لاحقا.

الأبوية الليبرتارية

فكر ريتشارد ثالر في كيفية تصحيح هذه القرارات دون الحد من حرية خياره التي تعتبر من الحقوق الأساسية للإنسان، ووجد الحل مع القانوني من جامعة هارفارد كاس ساستين الذي شاركه في تأليف الكتاب بإبتكار طريقة النغزة Nudge، وهو أن تعطي الشخص تحفيزًا لكي يسلك طريقا معينا أو يأخذ قرارا عوضا عن طريق أو قرار آخر، وهو ما أطلق عليه مصطلح ” الأبوية الليبرتارية ” أو الوصاية التحررية Libertarian Paternalism. وهو ما يعني ببساطة أني سأدفعك في إتجاه مصلحتك ولكن سأترك لك الخيار، وجدير بالذكر هنا أن نعرف أن رئيس الوزراء البريطاني السابق ديفيد كاميرون استلهم هذه النظرية بهدف استخدام أموال دافعي الضرائب بشكل أفضل، وقامت “وحدة التحفيز” فريق “التحليل السلوكي” الذي تم تشكيله لهذا الهدف بتطبيق سياسة تهدف إلى تعديل سلوك البريطانيين في مجالات عدة من الضرائب حتى مكافحة التدخين.

أمثلة لبعض النغزات Nudges في حياتنا :

– ترتيب البضائع في السوبرماركت بطريقة معينة لاختيار سلعة معينة هو أحد أمثلة النغزات ، فقد وجدوا أن السلع التي توضع على الرف الموجود في مستوى نظر الإنسان أكثر مبيعا من السلع الموجودة في الأرفف الأعلى والاسفل.
– صفارة الإنذار في السيارة عندما لا ترتدي الحزام، فالطريق البديل أن يفرض عليك لبس الحزام عن طريق منعك من تخطي سرعة معينة إلا إذا ارتديت الحزام ولكن هذا ضد حرية الفرد.

– وضع صورة مريض بالسرطان أو عبارة التدخين يؤدي للموت على علبة السجائر.
– تصميم الريموت كونترول بحيث نجعل الأزرار الأكثر استخداما مثل أزرار تغيير القناة ورفع وخفض الصوت أكبر من غيرها، لأنهم وجدوا أنها عندما كانت متساوية كانت ترهق الناس في الاختيار.

لماذا اختياراتنا غير عقلانية ؟

توجد عدة أسباب نفسية تدفعنا للاختيارات الغير عقلانية وسنذكر بعضا منها وسنذكر معها النغزات Nudges التي تستخدم لمساعدتنا في اتخاذ القرار الصحيح وهي :

1 – الربط Anchoring

وهو ارتباط الناس أو تأثرهم برقم معين بدون منطق، والتمهيد Priming وهو تأثر الناس بالتركيز وتكرار فكرة ما . والتأطير Framing وهو وضع الاختيار في إطار معين ، فمثلا عندما تقرر عمل عملية والقرار لك فيقول لك الطبيب أن نسبة نجاح العملية 95 % أو فهذه النغزات تدفعك لقرار إجراء العملية، أما لو قال لك أنه من بين 10 أفراد يموت فرد بسبب العملية فهذه نغزة تدفعك لرفض العملية بالرغم من التشابه بين النسبتين

2 – اللذة المرجئة

معظم البشر يستسلمون للإغراء عندما يكون هناك فارق زمني بين الفعل والمكسب، فمثلا إذا أكل شخص قطعة جاتو الآن فإنه سيستمتع في نفس اللحظة و لكن زيادة الوزن ومرض السكر يصيبه بعد فترة، فالاستمتاع بقطعة الجاتو لذة حالية أما الصحة فلذة مرجئة، والنغزات التي تستخدم هنا هو تقليل التعرض للمغريات.

3 – الإختيار بدون تفكير Mindless Choosin

البشر لا يفكرون دائمًا بصورة عقلانية كما ذكرنا سابقا، وكمثال نجد الشخص يوم الأجازة يقود سيارته جهة العمل وهو لا يدري، وللتوضيح أكثر نذكر تجربة من الكتاب عندما أعطوا ثلاثة أشخاص ثلاثة علب فشار سئ الطعم الأول علبة كبيرة والثاني متوسطة والثالث صغيرة وسمحوا لهم بدخول فيلم. وبعد الفيلم سألوهم عن طعم الفشار فأجابوهم جميعا بأنه غير جيد، ولكن وجدوا أن الثلاثة لاإراديا أكملوا نصف الكمية

من هنا نستنتج أن زيادة حجم المغريات حولك تزيد من استهلاكك، والنغزة التي ممكن القيام بها هنا إذا أردت تقليل وزنك مثلا أن تملأ المنزل بالطعام الصحي أو أن تقلل حجم الأطباق وهكذا، وكمثال آخر يوجد أشخاص لا يدفعون الضرائب فتضطر مصلحة الضرائب إرسال إنذار بدفع مبلغ 500 جنيه مثلًا عن كل يوم تأخير، وجدوا أن استجابة الناس بطيئة، وعندما لجأت مصلحة الضرائب إلى تغيير النغزة وكتبت أن الذي سيتأخر لمدة 3 شهور سيفقد سيارته ورسمت صورة سيارة على الخطاب وجدوا الاستجابة عالية، بالرغم من تشابه المبلغين الذي سيدفعهما كغرامة للتأخير . في الرسالة الأولى افترضت أن الناس عقلانية ستستجيب للعواقب ولكن هذا لم يحدث أما في الحالة الثانية تم حساب العواقب لهم فتمت الاستجابة .

4 – الانحياز لتوفر المعلومات Availability Bias

يخضع الكثير من الناس في قراراتهم للأخبار التي تتردد كثيرًا فمثلًا حوادث السيارات أعلى بكثير من حوادث الطائرات، ولكن بسبب تضخيم حوادث الطائرات فإن البشر يخافون منها أكثر.

5 – الانحياز للوضع الحالي Status que bias

تستصعب الناس التغيير وتستسلم لأوضاعهم الحالية حتى لو كانت أسوأ، وكمثال على ذلك تجربة في إحدى البلاد أرادت الحكومة زيادة عدد المتبرعين بالأعضاء بعد وفاتهم، فصممت استبيانا فيه خانة أريد التبرع وأعطته للمتقدمين لإستخراج رخص القيادة، ولكن نسبة الاستجابة كانت قليلة بالرغم من حملة التوعية المناسبة، فقامت الحكومة بعمل نغزة Nudge تعتمد على الانحياز للوضع الحالي وصممت استبيانا آخر وضعت فيه الاختيار على خانة أوافق ومن حق الشخص إزالة العلامة، وجدوا أن نسبة المتبرعين ارتفعت كثيرا

مثال آخر لشخص صاحب محل لبيع السيارات ويقدم خدمات أخرى مثل التأمين على السيارة وإصلاح العيوب المستقبلية، وعندما عرض الخدمات على العملاء عند شراء السيارة يرفضونها، فقام بعمل نغزة وهو وضع نموذج به علامة الموافقة على الخدمات ويقوم المشتري بحذفها حسب رغيته فوجد أن كثير من المشترين يتركونها كما هي، وبعض الشركات تستغل هذه الصفة وتقوم بإعطائك شهر مجانا وبعد الشهر يجب عليك إلغاء الاشتراك إذا لم نرد وهذه تعتبر نغزة، ولكن نجد كثير من الناس يظلون على وضعهم ويكملون الاشتراك وخصوصا عندما يتم خصم الحساب من credit card ولا يحس بالقيمة التي يدفعها حاليا.

6 – التفاؤل والثقة الزائدة عن الحد

يرى معظم الناس أنهم مختلفون وأنهم لن يتعرضوا للمشاكل التي تصيب الآخرين، وهذا ما نراه مثلا عندما يشتري الأشخاص تذاكر اليانصيب بالرغم من احتمال موت الشخص وهو ذاهب لشراء التذكرة أكبر من إحتمال أن يكسب في اليانصيب، وكمثال على الثقة في النفس قاموا بعمل تجربة وسألوا أساتذة أحد الجامعات قيم نفسك فاختار 80 % منهم أنه فوق المتوسط، وهذا غير منطقي فطالما يوجد متوسط يجب أن يوجد 50 % فوق المتوسط فقط، وفي تجربة أخرى طلبوا من مجموعة من الناس تقييم أنفسهم في قيادة السيارات فكانت إجابة معظمهم أنهم فوق المتوسط .

7 – كره الناس للخسارة أكثر من حبهم للمكسب

ولفهم ذلك قاموا بعرض سلعة على مشاركين وطلبوا منهم تقييمها لكي يشتروها فوجدوا المتوسط 10 دولارات، وعندما أعطوهم سلعة أخرى وطلبوا منهم الاستغناء عنها مقابل مبلغ من المال وجدوا المتوسط ارتفع إلى 20 دولارا، وقال ثالر أن الناس يولون قيمة أكبر إلى شيء ما إذا كانوا يملكونه مما إذا كانوا لا يملكونه، وأنهم يخافون من الخسارة ضعف ما يحبون المكسب، وأنا أرى أن هذا الصفة هي سبب رفض الكثير من الناس تغيير أوضاعهم وذلك خوفا من أن يفقدوا وضع إجتماعي أو مكسب حالي ضعيف أكثر من حبيهم لمكسب الوضع الجديد.

8 – الاستسلام للقطيع Herd mentality

يستسلم معظم الناس للآراء الشائعة، فتجد شخص يقوم بمشروع والآخرين يقلدونه أو انتشار متابعة مسلسل معين أو اتباع الموضة، وفي تجربة قامت بها حكومة كاليفورنيا بإستخدام نغزة Nudge وهي وضع متوسط استهلاك الأفراد مع كل فاتورة فوجدوا أن المستهلكين فوق المتوسط قللوا استهلاكهم حتى يكونوا مثل البقية، ولذلك عندما تروج سلعة يجب أن تقول للناس أن كل الناس تفعلها أو تشتريها بدلا من أن تعدد مزايا هذه السلعة .

وأخيرا أن من مميزات نظام النغزات هو تلافي ما يسمى في علم النفس بطغيان الاختيار وأن الناس تخطئ عندما تضعهم في خيارات عدة، ووجدوا ذلك في تجربة قاموا بها عندما عرضوا على الناس أنظمة مختلفة للتأمينات الإجتماعية ووجدوا أن معظم الناس لا تختار النظام الأفضل لها، وذلك بسبب أن الاختيارات أحيانا تكون معقدة وحينها لن تستطيع الناس أن تترجم هذه الاختيارات لمصلحتها أو بسبب نقص المعلومات أو وجود معلومات مضللة .

إعلان

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.