تأخذك إلى أعماق الفكر

المنحى الهرمنيوطيقي وفلسفة اللغة في فيلم “Being there”

فيلم Being There هو فيلم أمريكي من إنتاج عام 1979 من إخراج هال اشبي (Hal Ashby) وبطولة بيتر سيليرس (Peter Sellers) وشيرلي ماكلاين (Shirley MacLain). تدور أحداث الفيلم في الولايات المتحدة الأمريكية عن قصة البطل “تشانس”، وهو رجل في العقد الرابع أو الخامس من عمره، ولد في منزل أحد الرجال الأثرياء الذي يعيش بمفرده في ذلك المنزل برفقة الخادمة. ويعمل تشانس كبستاني لحديقة المنزل. ويروي الفيلم قصة هذا الرجل الذي ولد داخل المنزل ولم يخرج طيلة حياته خارج جدرانه وتلقّى كل معرفتِه عن العالم عن طريق شاشة التلفزيون فقط. تبدأ أحداث الفيلم عندما يموت مالك المنزل الطاعن في العمر وتغادر الخادمة المنزل ثم يأتي المحامي ليقوم بالحجز على المنزل ليضطر تشانس مغادرته لأول مرة في حياته ليواجه العالم الحقيقي.

تبدأ أحداث فيلم Being There في الانطلاق بينما يقف تشانس منهمكًا في مشاهدة أحد شاشات التلفزيون كما اعتاد دومًا في واحدة من منافذ البيع الكائنة في أحد شوارع المدينة لتأتي سيارة وتصدمه صدمة خفيفة في قدمِه بدونِ قصد، وتخرج صاحبة السيارة -التي هي زوجة لأحد كبار رجال الأعمال في الولايات المتحدة الأمريكية- لتدعوه لقصرها حتى يفحصه طبيب العائلة كنوعٍ من تقديمِ الاعتذار، وتبدأ في التعرف عليه في السيارة، فتسأله عن اسمه، فيجيب (Chance the gardener) الذي كان يقصد به (تشانس البستاني)، وهذا كناية عن عمله.. لكن هي لم تفهم ذلك فاعتقدت أن هذا هو اسمه بالفعل.

بعد أن قام طبيب العائلة بفحص تشانس، طلب منه البقاء في القصر لبضعة أيام حتى يبقى تحت رعاية الطبيب إلى حين اكتمال شفائه، ويبدأ هذا المنحى الهرمنيوطيقي في البزوغ عندما يأتي رئيس الولايات المُتحدة الأمريكية للقصر حتى يُقابل صديقَه؛ أحدَ كبار رجال الاقتصاد في البلاد -وهو زوج السيدة التي قامت بصدم تشانس- ليتناقش معه بخصوص الوضع الاقتصادي المتردّي في البلاد، ويقدّم له الزوجُ تشانس على أنه صديقه الذي هو بالطبع رجل أعمال مثله.

في أثناء الحديث يسأل الرئيس تشانس عن رأيه بخصوص الوضع الاقتصادي، فيجيب تشانس بالشيء الوحيد الذي يعرفه عن العالم وهو رعاية الحدائق والنباتات، ويعرض له فكرة توالي فصول السنة الأربعة وأن ذلك يسبب بعض الضرر للنباتات في فصليّ الخريف والشتاء ثم تبدأ النباتات في التحسُّن مرة أخرى بقدوم فصليّ الربيع والصيف وأنه يجب على البستاني الجيد أن يقوم بتنظيف التربة من النباتات الميتة حتى يسمح بنمو نباتات جديدة. هذا الكلام الذي لا يمُت لموضوع المناقشة بصلة، لا من قريب ولا من بعيد، ولكن على نحو مغاير تمامًا، ينبهر الرئيس بتلك الفكرة البسيطة في عرضِها، العميقة في محتواها؛ ويسقطها على الوضع الاقتصادي الآنيّ في البلاد حتى أنه في اليوم التالي وفي أثناء لقاء صحفي تلفزيوني قام بعرض تلك الفكرة أمام الشعب الأمريكي وذكر صاحب الفكرة وهو (تشانس البستاني).

إعلان

ويصبح تشانس الذي لا يعرف ما تعنيه كلمة اقتصاد ولا حتى يعرف القراءة والكتابة -بحسب ما ذكرته الخادمة التي تولّت تربيته- بين ليلة وضحاها أحد أهم رجال الساسة في البلاد ومن الشخصيات المُقرّبة من الرئيس، لتنهال عليه عروض للقاءات صحفية وتلفزيونية ليعرض فكرته تلك ويصبح من أشهر رجال المجتمع.

المنحى الهرمنيوطيقي بين جادامير وفيتجنشتاين

كان الفيلسوف الألماني هانز جورج جادامير (Hans-Georg Gadamer) هو المؤسس الفعلي لمدرسة التأويلية المختصة بشكل وثيق بالهرمنيوطيقا. فيقدم لنا جادامير في أهم مؤلفاته “الحقيقة والمنهج” الخطوطَ الأساسية لنظرية التأويل، فيقول جادماير أنّ لعملية التأويل شقّين أساسيين، هما الشقّ الذاتي والشقّ الموضوع.

أولًا: الشّق الذاتي

وهو الشّق الذي من خلاله تحدث عملية التأويل بناءً على الخلفيات الذاتية للنص، على سيبل المثال الحقبة التاريخية والوضع الاجتماعي والحالة الشخصية الخاصة بالمؤلف التي دفعته لإخراج ذلك النص، ونجد ذلك مُتمثّلًا في موقف الرئيس الأمريكي الذي لم يأخذ كلام تشانس بشكله البسيط لكنه ارتأى تأويله بناءً على وضع تشانس بكونه صديقًا لأحد أكبر رجال الأعمال في العالم، فمن غير المعقول الذهاب للقصد القريب الذي لا يمُت للموضوع بصلة ولكنه بالضرورة كان يقصد عملية الترميز التي تذهب للقصد البعيد المُتّصل بالموضوع، هنا يمكننا أن نرى الشق الذاتي في النظرية التأويلية لجادامير بمنتهى الوضوح.

ثانيًا: الشق الموضوعي

وهو إمكانية تأويل النص من خلال موضوعه بغض النظر عن أي خلفيات أخرى؛ فنرى ذلك أيضًا في ذات الموقف بين الرئيس وتشانس، فربما لو كان تشانس يعمل كساعي بريد على سبيل المثال وعرض على الرئيس عمله بين مكتب البريد ومنازل الناس وعملية توصيل الجوابات والطرود لم يكن في استطاعة الرئيس أن يجد أي وسيلة لتأويل ذلك النص وتقريبه وإسقاطه على الموضوع، وربما اتّهم تشانس بأنه يسخر منه أو أنه حتى مجنون!

من هنا يمكن الدخول مباشرة على فلسفة اللغة عند الفيلسوف النمساوي لودفيج فيتجنشتاين؛ فيقدّم لنا فيتجنشتاين أطروحته في كتابه الذي نُشر بعد وفاته “تحقيقات فلسفية” أنه عندما نتواصل مع شخص فإننا نستخدم مجموعة من الأساليب التي لقّبها فيتجنشتاين بالألعاب اللغوية، وهي قدرة الإنسان على فهم النص في قصده الأساسي أو الذاتي: فأنا عندما أقول على سبيل المثال «هذا الشخص ثرثار حقًا» ربما أقصد السخرية أو أقصد فقط المزاح أو أعني ما أقوله حقًا أو أُبالغ قليلًا، ولذلك فإنّ عملية التفهيم تلك تعتمد على مجموعة من القواعد التي أستخدمها، وتلك القواعد يجب على الآخر الإلمام بها بشكل كامل حتى يصل له داخل ذهنه المعنى الدقيق للكلام.

ويذهب فيتجنشتاين أن من الصعب، إن لم يكن من المستحيل، الإلمام بكل تلك القواعد التي يستخدمها منتج النص من خلال نقد فيتجنشتاين لفكرة الماهوية اللغوية؛ وهي أن لا يوجد ماهية واحدة ثابتة للغة أو لعمليات التواصل، ولكن ذلك يعتمد على مجموعة القواعد المستخدمة في الألعاب اللغوية السابق ذكرها.

وهذا أيضًا ما نراه متجلّيًا في الحالة المصنوعة داخل الفيلم، فتلك المكانة الكبيرة التي وصل لها تشانس كانت نتيجة لجهل الآخرين بالقواعد التي كان يتحرك تشانس في إطارها فكانت النتيجة ذهابهم لمعنى آخر لا يمُتّ لحقيقة النصّ بصلة ولا حتى يتقارب معه بأي شكل من الأشكال.

خاتمة:

وفي نهاية فيلم Being There نجد تشانس يمشي بجوار بحيرة من الماء، ثم يشرع في التوجّه نحو الماء ويستمر في المشي حتى نجده يمشي على الماء كما لو أنها أرض تحمله بمنتهى البساطة، في مشهدٍ يُذكرنا بالقصة الإنجيلية الخاصة بالمسيح عندما مشى على الماءِ حتى ينقذ بطرس من الغرق، ثم يقوم تشانس بإنزال مظلّته في الماء ليقيس مدى العمق من تحته فيجد المياه عميقة بالفعل ومع ذلك هو يظل ثابتًا على السطح وينتهي الفيلم حينها وتظهر الجملة الختامية للفيلم وهي (Life is a state of mind) أو «الحياة هي حالة ذهنية».

من خلال المشهد الأخير، ربما أراد المُخرج إيصال فكرة أنّ كَمْ من النّصوص التي ارتأى لها البشر التأويل من خلال وضعها في إطارٍ عمِيق ومغذى بعيدًا عن مغذاها البسيط السطحي، إذ يظلّ تشانس واقفًا على سطح البحيرة بمنتهى البساطة بينما يوجد الكثير من العمق من تحته.. وربما أراد التلميح للنصوص المقدسة من خلال استحضار ذلك المشهد الإنجيلي، وربما لا! وأنا لم أفهم جيدًا ما كان يقصده المخرج لعدم إلمامي بالقواعد اللغوية التي كان يستخدمها، هذا ما لا يُمكن القطع فيه أبدًا.

وفي النهاية تظل الحياة.. حالة ذهنية!

فريق الإعداد

إعداد: مايكل ماهر

تدقيق لغوي: ضحى حمد

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.
تعليقات
جاري التحميل...