تأخذك إلى أعماق الفكر

المزرعة الأبويَّة تحرث آخر حقل أنثويّ: سقوط المزارع الأخير (1)

(جزء 1)

يُعدُّ موضوع المرأة والتوغُّل فيه موضوعًا شائكًا ومُعقّدًا بالنسبة لأيّ زاوية نظرٍ ومنهجٍ يدرسه، سواء أكان ذلك فلسفيًّا أم أنثروبولوجيًّا أم بأيّ شكل من الأشكال، لكنْ ما من شكٍّ أنَّ الدّور الأكبر الذي أوَّل المرأة بل بلورها في زجاجة مُحكَّمة من الآراء والتشريعات والتعريفات كان الرجل، الشيء الذي فعلته الفلسفة منذ ما قبل سقراط* إلى ما بعده حيث أسقطوا مفاهيم ناقصة عن الأنثى تنمُّ عن الوعي السائد وقتها، والتحيّز والتأثُّر بالبيئة التي كانوا فيها مع تعدد الأسباب التي طرحها الباحثون حول دواعيهم.

كما أصبحت المرأة حبيسة الجنسانيّة التي قدَّمت تصوراتٍ عن طبيعة كلّ من الجنس والذكر وأدوارهما في الحياة، فتمَّ عمل فصل بين الجنسين كان لحساب الرجل في معظم الأحوال -و يرجى عدم غض النظر عن كلمة (معظم) أي تجنب الوصم المطلق، فإنّها كذلك كانت نتائجها وخيمة على الرجل-، لكن لا يعني هذا الأمر أنَّها كانت أشد بأسًا عليه أو أنّه لم ينتفع من تقسيم الأدوار هذا، فمعظم المغانم كانت من نصيبه كما أسلفنا الذكر.

“لا يصبح الجسد الأنثويّ ذا قيمة إيجابيّة رمزيّة إلا حين يؤدي وظيفته الطبيعيّة والثقافيّة المتمثلة في الإنجاب”.
رحال بوبريك (1)

-المرأة كجسد مُغرٍ فقط:

لقد أضحى الرجل -أو بأسلوبٍ أنسب- كان ولا يزال هو البطل (protagoniste) الذي يكتسب الدور الرئيسيّ أما المرأة فصاحبة الأدوار الثانوية الهامشيّة، أو ضد البطل (antagoniste)، هناك كُرِّس الجنس الطبقي حيث المتعالي هو/هو ، أيّ الرجل فقط، والمنبطح هي/هو، أيّ المرأة الرجل، التي لا تكتمل إلّا به.

كما لا يغيب عن فكرنا التقاط صورة المرأة التي تأتي من المعيار الفيزيولوجيّ والبيولوجيّ، أيّ جسدها المُنتَهك الذي يبني توصيفها كما يضفيه الرجل عليها، أيّ أنّ التمييز بين الجنسين بالشكل الطبقيّ قائمٌ على الجّسد كأول شأن، الأمر الذي يثير السطحيّة والفكر المُتسَّطِح، وكمثال للهضم فإنّ منع المرأة من الخروج من قبل بعض الآباء أو الأزواج، ولا ردود كافية على دواعي ذلك، تفيد موضوعات في متناول الحوار إذا ما فرضنا حاجتنا أصلا إلى تدخُّل الذكر، بل أهم منطلق على هذا الكبح هو الجسد حيث تُبنى عليه بعد ذلك تفاسير أو تبريرات متنوعة على إبعاده عن العالم والحيويّة، الجسد الأنثويّ الذي يُرى كطريق لشيوع الفحش والعري وتعويذة ماديّة تفتن الآخر؛ فهذا الجّسد المنعرج سواء أكان نحيفا أم مكتنزا يشارك في هذا التنقيص منها كما أنّه ليس ملك لها بل تتشاركه مع الرجل ليس بطريقة حميميّة بل استحواذيّة كجسد العبد في رؤية سيده، وهنا أطرح السؤال، ماذا لو كان جسد الأنثى مشابه لجسد الذكر مع استثناء للعضو التناسلي أو تحويره أو أيّا يكن؟ هل ستُعامل المرأة حقا كما عوملت ولا تزال؟ أو على الأقل على نحوٍ أقل عُنفًا؟ وهل ستكون امرأة حينها أم كائنًا آخر يعتلي الرجل أو يكون تحته أو متساويًا معه؟

تقول فرنسواز كولن*: “بالنسبة للنساء لا يقتصر جوهر الجنس على عضو واحد بل يمتدُّ بظلال أكثر أو أقلّ حساسيّة لجميع الأجزاء حتى لا تكون المرأة امراة في مكان واحد بل من كل الوجوه التي يمكن تبصرها بها، جميع فلاسفة التاريخ عندما يعالجون مسألة الجنس يتعرفون عليها ويحددونها مع النساء”. (2)
فهل من الصدفة إذن سقوط عدِّة ممنوعات في المجتمعات الشرقيّة على النساء عند بلوغهن من العمر عتيَّا مثل مخالطة الرجال والسفر وحيدات، أي عند انكماش الجسد وغياب الخصب والإغراءات والمنحنيات تلك، والبتوليّة التي كان يتوق إليها الآخر، تغير التعامل مع الكبيرة سنًّا يودي بنا إلى العجب عن معاملتها بنفس حجم معاملة الرجل، لكن طبعا وهي عجوز وجدَّة.
من هي المرأة إذن؟ هل هي امرأة في فترة زمنية محدّدة في الشّباب؟ و -لا امرأة- -رجل متحوّل- إذا صح تعبيري في شيخوختها؟ هل سنطلب من العالم أن يكف عن تنويعاته الوصفيّة للمرأة حسب كل مرحلة حياتيّة أو تغيرات جسديّة وحكمه عليها، بما يرتبط بذلك قبل أن نطالب بحقوقها واحترامها؟ هذا ما أراه عين الصواب، وكذلك نسويّة ما بعد الحداثة التي لم تهتم بحقوق المرأة فقط بل بذات وهويّة المرأة واختلافها، ومحاولة نقل العالم حسب ما تراه الأنثى لأوّل مرة وليس ما رآه الذكر طيلة تاريخه عبر اللّغة والفلسفة والأدب والفن على عكس نسويّة ما قبل الحداثة.

إعلان

في ظل كلّ الحساسيات التي جاءت نتيجة تكريس المرأة للوظائف البيولوجيّة الجامدة فقط وحصرها فيها فقد كانت نظرة النسويّات وقتها للأمومة والإنجاب تنم عن إنكار واحتقار، حيث أنّها مجرد عائق ووصمة مشوّهة للأنثى، لكن الأمر تغيّر في ظل ما بعد الحداثة، أين صارت النظرة إليها مختلفة عند البعض، فجوليا كريستيفيا* ترى أنّه من الخطأ معاملة الأمومة كما فعلت السابقات كردّة فعل، فالأمومة التي صُوِّرت لنا وكأنها أمرُ بيولوجيّ بحت وواجبٌ على المرأة فقط لأنها أنثى، هي أعمق من ذلك، فالأمومة تجمع شخصين في دائرة واحدة جسديًّا وشعوريًّا ولغويًّا، الأم والطفل، كما تعتبر من أكمل العلاقات في العالم وما يمكن أن تمنحه للاثنين معًا، الشيء الذي تجاهله التحليل الفرويدي الذي اهتم بالطفل فقط وأزاح الأم وكأنّ وجودها لا يهم على الإطلاق.
“فجوليا كريستيفا تحرص على إعادة رسم صورة المرأة/الأم ليس بطريقة أوديبية أو كلاسيكية كما تعودنا عليها، بل تغور في سراديب تجارب نفسيّة عميقة ومثيرة”. (3)

كما استعارت جوليا كريستيفا الأيقونة الأموميّة لمريم العذراء التي رأتها تجسِّد العلاقة الأموميّة الحقيقيّة التي همَّشها الذكر حيث تعبِّر عن النّقاء والأخلاقيّات والوجود مع الحميميّة التي تمنحها الأم للطفل.
وعلى الرغم من مجهودات كريستيفا التي حاولت فيها إعادة الاعتبار للأموميّ على نحوٍ مغاير تمامًا مستغلّة بذلك معرفتها الفائقة باللسانيّات والفلسفة والسيمياء، إلا أنّها انحازت إلى الأمومة على نحو مفرط حدّ قولها عن المرأة “كي تكوني امرأة هو أن تصبحي أمًّا”. (4)

الأمر الذي خلق عدّة انتقادات لفلسفتها حول هذا الموضوع الذي رأت فيه النسويّات مجرد عباءة ذكوريّة جديدة لم تستطع جوليا التخلّص منها، على  الرغم من أنّها لم تقزِّم دور الأم، كما رفضت أي محاولة لمنح تعريف محدّد يقيِّد المرأة.
مقابل جسد الرجل الإلهيّ والقويّ الذي يماثل أول شكلٍ لأوّل إنسان في الأدبيات الإبراهيميّة، الجسد العقلانيّ الذي يملك زمام نفسه والحرّ، نرصد المرأة في هذه المعادلة تسلك طريقًا نراها فيها بوصفها جسدا مُغرٍ شيطانيّ وضعيف، جسد أهوائيّ لا يسيطر على نفسه وحيث هو مقيَّد لا يمثل إلا شكلًا ثانٍ لأجل الأوّل، لمَ ذلك؟ لأنّ كلّ هذه المعادلة قد خُطَّت لأوّل مرة من قِبَل الرجل.

“المهم فيها يبدو، هو أن تكون قناعتكم رائعة، ومن دون أيّ تردد محتمل بأنّه لا يمكن أن تخطئوا، وبأنّه لا وجود لأيّ التباس ممكن في الأمر، وبأنّ الثقافة تطمئنكم أو كانت تطمئنكم بأنّ التمييز الذي تقومون به مُنزَّه عن الخطأ”
لوس اريغاراي (5)

-المساواة والجسد:

إنَّ المساواة التي هي من مطالب النسويّة الأهم تُرفض بالشكل العام من قبل الرجل بكل بداهة على مرِّ التاريخ، وعلى أساس هذا الرفض الفوريّ من دون مناقشات لأيّ رفضٍ تاريخيّ قديم نابع من القدماء حتى الوصول إلى الطفل الأوّل أي المجتمعات الأنثولوجيّة*، يُصنع له عدّة أسباب لا تزال تُستحدث وتُبرَّر إلى الآن، حتى تكوّنت على المرأة بثقلها وكثرتها، ومن أهم هذه الأسباب مجدّدًا والتي سَلّطت الضوء عليها من دون الأخرى هو الشق الجسديّ، بين القويّ والضعيف، حيث -الجسد الإستقوائيّ- كما أصفه ، إنّ هذا الرفض على الأغلب تُمنَح له قصاصات ورقية من قبيل: الرجال أقوياء بنويًّا والنساء ضعيفات، إذن المساواة باطلة، أي ببساطة يُختصر القول: بكن قويّا أعطيك حقوقا، أو أنّ العدالة هي الأحق بدل المساواة وكأن العدالة هنا لا تُشترط فيها المساواة في المقام الأوّل، هنا ستمنح الحقوق على طريقة مبدأ الغاب للقويّ ، وكيف هو قويّ؟ قويّ في الجسد ببداهة بالتالي قوي في الأعصاب والاحتكام إلى العقل، ومن هو القويّ؟ الرجل حتى حين يكون في أشدِّ مراحل علله وأمراضه، مقابل الضعيف أيّ المرأة حتى حين تحوز على كل ميادليات حمل الأثقال، فجسدها فيه من الضعف ما يغطي حتى على قوّته أما جسّد الرجل فقويّ يغطي حتى على ضعفه، هنا يصبح (التمركز القضيبي) و -الجسد المسطّح- إذا شئنا وصفه هو الحاكم والذي يكون مبدأ مقارنة وحيد مع غيره من الأجساد الشاذة أي المرأة التي هي جسد أو أجساد أو عجينة من اللحم.

إنّ المرأة حد هذه اللحظة مع جسدها هذا وفي شبابها عنوان للجهل والنقص والضعف والتشوّه والعاطفة فقط، ونسخة أدنى من الرجل، شكل ثانويّ للمذكر، حيث لا تشارك في الحياة باعتبارها فاعل رئيسيّ فيها بل مجرد رد فعل ومفعول به في كل مجال حتى لو شاركت و ضحّت وحاربت فعلًا حسبما سُمح لها.
تقول فرنسواز كولن:“هل تتطلب المساواة بين البشر تشابههم لا اختلافهم أم هي المساواة نفسها على حد تعبير سيمون دي بوفوار؛ المساواة في الاختلاف، السماح للاختلاف في المساواة بالبقاء”. (6)
أمّا نصر حامد ابو زيد*، فيقول: “المرأة حين تتساوي لأنّها تتساوى بالرجل، وحين يسمح لها بالمشاركة فإنّها تشارك الرجل، وفي كل الأحوال يصبح الرجل مركز الحركة وبؤرة الفاعليّة…وكأنّ كل فاعلية للمرأة في الحياة الاجتماعيّة والثقافيّة والسياسيّة فاعليّة هامشيّة”. (7)
هل كان التاريخ للرجال دومًا وكذلك العالم؟، ما من شكٍّ أنّه في مجتمعاتنا يبنى الشارع على أنّه مِلْكٌ للرجل، خروج المرأة فيه هو مجرد هجرة مؤقتة لعالم ليس ملكها، مجرد مشاركة يسمح لها الرجل بها ، فالشارع والمكان للرجل مثلما كانت ساحات الحرب والتاريخ له دوما.
فهل هذا يتوقف على جسدها؟، الجسد الذي يجب أن يكون في مكان واحد، البيت وخاصة المطبخ، حتّى البيت يجب أن يكون أحد أمكنة الأب والزوج، فأيّ مكانٍ للمرأة لا يجب أن يكون لها ببساطة، وأيُّ محاولةٍ للتحرر من مكان الأسرة نحو مكان لها فقط هو دعوة للانحلال.
حين سُئِل الفيلسوف جاك دريدا*، في أحد مقابلاته عمّا يجب أن يكون مكان المرأة قال: “لماذا يجب أن يكون هناك مكان للنساء؟ و لماذا واحد، كل/واحد ضروري؟”. (8)

إنّ جاك دريدا هنا يرفض حتى هذا النوع من الأسئلة، ليس في طرحه بل في ما يعنيه، إنّه يقطع كل السبل ويمزِّق كل الفرص لهذه الأفكار الاستفاهميّة التي تسجن أكثر ما تحرَّر، فبمجرد أن نمنح للرجل حق طرح هكذا أسئلة فإنّ ذلك يجعله الآمر والحاكم الذي سيفصل في الجواب بالتالي الذي يحدِّد ما هو الصحيح وما هو الخطأ، إنّ جاك دريدا باستفهامه ذاك حول المكان يرفض أيّ تقييد للمرأة في مكان محدّد، فالعالم للأنثى والذكر من دون أن يستولي عليه أحد الطرفين، وحين يكون العالم للمرأة كما للرجل فإنّ مشاركة المرأة في صنع الفكر والتاريخ مشاركة لازمة لا مفر منها وضروريّة وحق، وليست حتى مشاركة تابعة للرجل كما رأينا في إضاءة نصر حامد أبو زيد بل تماثله.
و عودة إلى الجسد الاستقوائيّ لكن في  التوازي مع التطور الحاصل الآن، فإذا ما أمسكنا حبل نقطة القوّة هذه التي تفجّر انعدام المساواة بين الجنسين وذهبنا بعيدًا وتساءلنا، سنجد هذه الأسئلة ولو أنّها تبدو غير مألوفة، هل الإنسان المسلّح امرأة كان أو رجلا أقوى من الرجل جسديًّا كما يزعم؟ بالتالي ما فائدة قوّة الجسد أمام التطور وصغره مقابل الآلة؟

إعلان

فريق الإعداد

إعداد: سارة عمري

تدقيق لغوي: بيسان صلاح

الصورة: The Eccentric Farmer by lLeah Saulnier

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.