تأخذك إلى أعماق الفكر

قيامة العبرية وجنّة بني صهيون

القصّة طويلة جداً، في الحقيقة هي أطول من أن يستطيع أحد تحديد نقطة بدايتها، ولكنّنا سنرويها من مشهد “الشتات اليهوديّ” في بقاع مختلفة من العالم، حيث تتشظّى الهويّة اليهوديّة وتشارف اللغة العبرية على الموت. وقد لا تعجبك النّهاية، فالمشهد الأخير صهيونيّ بامتياز، ولكنّك لن تستطيع إنكار عظمة هذه القصّة أو الاستهانة بجهود أبطالها. وقد تنزعج وتقول في خاطرك: “كلا، لن نقبل بهذه النّهاية! سنصنع نهاية جميلة تليق بنا”. وإذا كان الأمر كذلك، فلا بدّ أنّك تعلم أنّ وقفة احتجاجيّة أو مظاهرة أو صرخة رفض على باب سفارة العدوّ لن تكفي، أنت تعلم أنّ النّصر يتطلّب خطّة محكمة تتكاتف وتترابط من أجل تحقيقها كلّ الجهود.

هنا، نحن -بلمحة خاطفة- نتناول القصّة من جانب واحد ساهم بشكل كبير في “انتصار” الصهيونيّة، وهو: إحياء اللغة العبرية.

  • المشهد (1): في البداية، لم تكن اللغة شيئاً مهمّاً، كلّ ما كان مهمّاً هو العيش:

نحن الآن في القرن الثامن عشر، يبدو كلّ شيء صعباً جدّاً، فحالة “الشتات” الدائمة للجماعات اليهوديّة حول العالم أدّت إلى موت اللغة العبرية (أو احتضارها) لمدّة تزيد عن الألفي سنة، فلا أحد يتكلّم الآن بالعبريّة ، ولكنّها بقيت لغة العهد القديم (النّصوص الدينيّة) ولغة الأدب عند البعض.

وها هو المجتمع الأوروبي يفرض على الجماعات اليهوديّة قوانين مقيّدة لحريّاتها ويشدّد عليها بالضّرائب الخاصّة ويميّزها عن باقي الأوروبيّين بالعلامة الصّفراء، إلا أنّنا نشهد -تدريجيّاً- انتشار أفكار حركة التنوير في أوروبا والتي تدعو إلى استخدام منطق العقل في جميع نواحي الحياة وإلى المساواة بين جميع المواطنين، ونسمع صخباً هناك: الثورة الفرنسيّة وفتوحات نابليون وانتشار المعرفة والتقدّم العلميّ في عصر النّهضة، ثمّ وبشقّ الأنفس: تحرّر كلّ الجماعات اليهوديّة بحلول سنة 1870.

وهنا، تنقسم الجماعات اليهوديّة في مواقفها: بما أنّنا أحرار الآن، هل نعتبر اليهوديّة ديناً فقط (وليس قوميّة) ونندمج مع المجتمع الأوروبي؟ أو أنّنا نستغلّ حقوقنا الجديدة ونحقّق نجاحاً في هذا المجتمع مع محافظتنا على ديننا وقوميّتنا وخصوصيّتنا؟

أولئك الذين يؤيّدون الاندماج يتّخذون وسيلتين لذلك: 1- يشجّعون الجماعات اليهوديّة على تعلّم لغات المجتمعات التي يعيشون معها من أجل التعرّف على ثقافتهم وأفكارهم ويرفضون تعليم الحيدر (تعليم دينيّ يشبه “الكتّاب” عند المسلمين)، كما أنّهم يترجمون -ولأوّل مرة- العهد القديم إلى الألمانيّة كخطوة أولى للاندماج، حتّى إنّهم يغيّرون نصوص الصّلاة ويحذفون منها كلّ ذكْر يتطلّع للعودة إلى فلسطين. 2- ويخلقون إنتاجاً أدبيّاً عبريّاً لينشروا الأفكار الحديثة بين الجماعات اليهوديّة وبالتالي يساهمون في إدماجهم بالمجتمعات الأوروبيّة.
نلاحظ هنا أنّ اللغة لم تكن إلا وسيلة للهروب من حقيقة كونهم “مختلفين وليسوا من أوروبا”.   

إعلان

وفي الوجه المقابل، يقول الدينيّون المحافظون: ماذا تفعلون؟! هذه هي اللغة التي خلقها الرّبّ وكتب بها العهد القديم، لا تعبثوا بها!

(صراع)

  • المشهد (2): لغة واحدة، شعب واحد

نحن الآن في القرن التاسع عشر، ويظهر على مسرح الأحداث تيّار قويّ يقول بأنّ كلّ ما سبق هو هراء. من هؤلاء؟

الصّهيونيّون

يقولون: سنبقى مضطهدين في أرض غيرنا! الحلّ الوحيد لمشكلتنا هو أن نتجمّع في بقعة واحدة من الأرض (فلسطين، لأنّ للجماعات اليهوديّة علاقة بها عبر التاريخ) نعيش فيها مستقلّين. ولكن، كيف نفعل ذلك؟ فنحن منتشرون في أراضٍ مختلفة ولا يربطنا شيء…. إلا… اللغة ربما!

يصبح إحياء اللغة العبرية بنداً أساسيّاً من بنود أيّ مشروع صهيونيّ.

يغيّر الأدباء والشّعراء من أسلوب كتابتهم، فلغة العهد القديم تنقصها الكثير من المفردات العلميّة ورغم أنّ أسلوبها بلاغيّ إلا أنّه يتجاهل حاجات الحياة اليوميّة، فيركّبون الألفاظ الجديدة ويستحدثون المعاني. وتُعقَد المؤتمرات الصّهيونية العالميّة وتنسِّق نشاطاتها وتعزّز جهودها، وتوحّد لغة التعليم (العبريّة) حتى أنها صارت لغة حيّة في المستوطنات.

لكن، ليس بعد، ليس هذا ما أرادوه:

يقول حاييم ويزمان: “إنّ إحياء اللغة العبريّة في المنفى ليس إلا شيئاً صناعيّاً، أمّا إحياؤها في أرض إسرائيل فهو أمر طبيعيّ جدّاً”.

ولا يمكننا هنا أن ننسى: الطبيب العيزر بن يهودا (يقال أنه محيي اللغة العبريّة، -لا يمكننا ادّعاء ذلك حقّاً فهناك من سبقه ومهّد له الطّريق- لأنهم يحاولون خلق شخصيّات أسطوريّة لتكون قدوة لهم) الذي لم يكن مهتمّاً بالعبريّة في بداية حياته حتى التقى بشخصيّات وباحثين وأناس يهود أخبروه أنهم خلال رحلاتهم إلى آسيا وأفريقيا كانوا يتواصلون مع اليهود هناك باللغة العبريّة! (يبتسم ابن يهودا، وتلمع في ذهنه فكرة ما) هناك أمل إذن! يصبح اليعازر صهيونيّاً متعصّباً… ويبدو أنّه يفكّر مليّاً ويخطّط كثيراً…  

عام 1881 يهاجر ابن يهودا إلى فلسطين ويطلب من اليهود التحدّث بالعبريّة فقط!

  • المشهد (3): هاجِر إلى إسرائيل، اترك لغتك الأم حال وصولك المطار، وابدأ حياتك بـ اللغة العبرية

هنا، يقف القدر إلى جانب المخططات الصّهيونيّة، فتتعرّض الجماعات اليهوديّة إلى المذابح في روسيا ويهربون من الأوضاع السيئة في بولندا ومن ظلم هتلر في ألمانيا، إلى أين؟

ست هجرات تمتدّ من عام 1882-1948 إلى فلسطين. ومع بداية الهجرات (عام 1882) ينجب ابن يهودا ابنه الأول ويلزم زوجته ونفسه بالتحدث معه باللغة العبريّة فقط لتكون لغته الأمّ. ويكرّس حياته من أجل اللغة: يؤسس لجنة اللغة ويصدر معجماً لغويّاً مختصراً ويستحدث ألفاظاً جديدة!

والمصائب لا تقف هنا، فالانتداب البريطانيّ -رقيق القلب- ويتعاطف مع الجماعات اليهوديّة ويعترف بالعبريّة لغة رسميّة في فلسطين عام 1922، ويمنحها الاستقلاليّة التامّة في تدبير شؤونها التربويّة والتعليميّة بينما يبقي التعليم العربيّ تحت سيطرته!

ومع موجات الهجرات المتتاليّة يصبح التعليم باللغة العبريّة النقطة الأهمّ في قائمة الأولويّات الصهيونيّة، حيث يستحدث ابن يهودا نظاماً تعليميّاً اسمه “تعلّم العبريّة بالعبرية” أي أنّه يشرح الألفاظ العبريّة بألفاظ عبريّة أسهل منها دون اللجوء إلى لغة أخرى.

كما يهتمّ اللغويّون العبريّون بالنّحو: كلّ ما نريده هو لغة سهلة وتغطّي جوانب الحياة المختلفة. فتنشط الترجمة والبحث في تاريخ اللغة وتأليف القواميس، ثم إنّهم ينقّحون لغتهم من الألفاظ الدّخيلة ويأسسون الجمعيّات اللغويّة في كلّ مكان.

  • المشهد الأخير: اللغة العربيّة في اللغة العبرية ؟

في القديم، أثّرت اللغة العربيّة في اللغة العبرية ، واستفاد اللغويّون العبريّون من مناهج اللغويين العرب ونحاتهم.

لا يهمّنا القديم بقدر الجديد… فذلك المشهد أغلقت عليه السّتائر وأكله الغبار…

الآن، في حرب اللغات هذه، تكون اللغة العربيّة -في فلسطين- هامشيّة، ولكنّنا لا نقول بانتصار اللغة العبرية بَعد، إذ كلّ شيء ممكن الحدوث، خصوصاً أمام ديناميكيّة أحداث المسرح العالميّ المرعبة، لا يمكننا التنبّؤ بشيء ولكنّنا نخاف على أمّة تفقد هويّتها رويداً رويداً أمام جماعات يهوديّة تتكتّل لتصبح قوماً يهوديّاً في إسرائيل وتتشبّث بهويّتها ولغتها وتبني جنّتها… وجحيمنا.

وأنا أخشى -وكلّ ما أخشاه- أن نموت أكثر، أن أستيقظ غداً وألقى صديقتي لتسلّم عليّ من بعيد بالعبريّة: “شلوم!”

فقط من باب “البرستيج”.

في حالة أعجبك المقال، ربما ستعجبك مقالات أخرى، نرشح لك

هل يمكن أن يتحدث العالم بلغة واحدة؟

اكتساب اللغة -لا تصدّق ما يقوله ماوكلي (فتى الأدغال)

عَقلية القَطيع .. تفسيرًا لِبعض تصرفاتنا الغير مبررة

إعلان

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.