تأخذك إلى أعماق الفكر

الغرق في بحر الجهل وتأثير “دانِينغ كروجر”

عندما تكون جاهلًا بجهلك

عندما أخبرتْ عرّافةُ معبد دلفي الفيلسوفَ سُقراط بأنه أكثر الرجال حكمةً على وجه الأرض، أجابها قائلًا: “ما أعرفه على وجه اليقين هو أنني لا أعرف شيئًا على الإطلاق”، فهل كان يدّعي التواضع أم كان فعلًا يؤمن بذلك؟ تبيّنَ أنَّ جوابه نبع من صدق تفكيره. ويمكننا أن نستخلص من هذا النهج في التفكير ظاهرة تُعرف بتأثير “دانِينغ كروجر”.

ما هو تأثير “دانِينغ كروجر”؟

يُعرف تأثير “دانِينغ كروجر” بأنّه انحياز معرفي في تقدير الذات، يؤدي بمن يعانون منه إلى توهُّم استحقاقهم للتفوق على غيرهم على الرغم من ضعف قدراتهم. ولا تكمن المشكلة هنا في قدرتهم على تقدير المعرفة التي يمتلكونها؛ بل في عدم قدرتهم على تقدير المعرفة التي يفتقرون إليها. أما بالنسبة لقول سُقراط السابق، فإنه يعكس معرفته بوجود العديد من الأمور التي يجهلها لدرجة أنه كان واثقًا من حقيقة واحدة: أنّهُ في واقع الأمر لا يعرف شيئًا، فتَسليمه بهذه الحقيقة وتَعايشه معها أدّى إلى كونه أكثر الرجال حكمةً على وجه الأرض.

يشير تأثير “دانِينغ كروجر” إلى علاقة عكسية ما بين مقدار المعرفة التي نمتلكها ومقدار المعرفة التي نعتقد أننا نمتلكها؛ فكلما ازدادت ثقتك بأنك مُلِّمٌ في مجال ما، كلما قلَّت معرفتك الحقيقة في هذا المجال. وفي المقابل، كلما انخفضت ثقتك بإِلمامك في مجال ما، كلما امتلكت- في واقع الأمر- معلومات أكثر حولَه.

المعرفة

لماذا يُعاني واسِعو المعرفة من تأثير “دانِينغ كروجر”؟

يمكن الإجابة عن هذا السؤال من خلال مثال توضيحيٍّ بسيط: تخيلّ أنَّ المعرفة التي تمتلكها حول موضوع معيّن جزيرةٌ يحيط بها بحر، تخيل الآن أن هذا البحر هو جهلك حول ذات الموضوع، وأنَّ النقطة التي تلتقي فيها الجزيرة (معرفتك) بالبحر (جهلك) هي الشاطئ الذي يمثل إدراكك لِجهلك.

إعلان

التفكير

إذن فالعلاقة الطرديةُ بين حجم المعرفة التي تمتلكها وحجم جزيرتك واضحة كعين الشمس؛ كلّما ازدادت معرفتك كلّما ازداد حجم الجزيرة. ولكن ازدياد حجم الجزيرة يؤدي إلى ازدياد المساحة التي تحتلها من البحر المُحيطِ بها؛ أيّ تزداد مساحة المنطقة التي تلتقي فيها معرفتك بجهلك. كما وأنّ البحر لا نهاية له، لذلك فكلما ازداد حجم الجزيرة (المعرفة) كلما ازداد حجم الشاطئ (إدراك حجم المعرفة التي نجهلها). بعبارة أخرى، كلما ازداد حجم المعرفة التي نمتلكها كلما ازداد إدراكنا بوجود معلومات أكثر نجهلها حول المجال الذي نظن أننا خبراء فيه.

سُقراط

فكلُّ معلومة جديدة أو حلٍّ لمشكلة ما يفتح المجال للتساؤل حول مشكلتين جديدتين على الأقل، ويؤدي اكتشاف هذه الحقيقة من قِبل من يمتلك مهارة إدراك ما وراء المعرفة (أن يفكر الإنسان في تفكيره) إلى جعله متواضعًا؛ بسبب إدراكه أن جهله يفوق معرفته بمراحل. حيث يعتقد سُقراط أنَّه مهما ازدادت معرفتك حول موضوع ما، يجب أن تَثِقَ أنك لا تعرف شيئًا على الإطلاق، بسبب كمية المعلومات المخفية عنك.

هذا يُفسر السبب وراء تواجد أكثرِ الأشخاص صخبًا وغطرسةً- حول معرفتهم- على قمة الغباء في منحنى “دانِينغ كروجر”؛ أي أنهم يمتلكون ثقة تامّة بلا أي خبراتٍ أو مهاراتٍ تُذكَر. أما أولئك الذين لا يتباهون بمعرفتهم هم من يحق لهم التعبير عن عمق المعلومات التي يمتلكونها، فالشَّكُ يشق طريقه في عقولهم؛ لأنهم يهابون أن يكونوا على خطأ، أو أن يظهروا بمظهر من ينتحل شخصية العالِم الذي يفقه كل شيء، وذلك لتأكدهم من كمّ المعلومات التي يجهلونها.

فالسؤال الذي يطرح نفسه في عقولهم هو: “من نحن لنُخبر العالم عن أي شيء يحدث على كوكب الأرض، أو لندعم فكرةً ما لم نتأكد بشكل كلّيٍّ من صحتها؟”، ومن أنا لأكتب هذا الكلام وأفرِضه على العالم من خلال مقالي هذا؟ هذه هي المشاكل الفِكرية التي يُعاني منها الخبراء المُخضرمون في مجالاتهم بشكل يوميّ غير قابل للزوال؛ فذو الفِكر المتواضع يتصرف قبل أن يُفكر، بينما يفرط واسع المعرفة بالتفكير دون أن يتصرف بتباهٍ. ولكن كيف يمكننا حلّ هذه المشكلة؟

الحل

أتحدثُ الآن من وجه نظر شخص يُعاني من متلازمة المُحتال– عندما يؤمن الشخص بعدم استحقاقه لكل ما حقّقه من إنجازات ونجاحات، ويعتقد أن إنجازاته ونجاحاته حدثت بالصدفة، أو نتيجة لخداعه لمن حوله-، وذلك لأن مقالي هذا موّجه لمن يعانون من المشاكل التي أُعاني منها أنا، ولِثقتي بأنني قد أكون مخطئًا بشأن الأفكار التي أستعرضُها في مقالي هذا. فكما قال Mark Manson، أن تُقِرَّ بأنك “مخطئٌ حول كل شيء طيلة الوقت” يساهم في تقدمك في مختلف جوانب الحياة ونجاحك فيها. فالحلُّ لا يكمنُ في التوقف عن التفكير لتصبح على قمة جبل الغباء في منحنى “دانِينغ كروجر”، بل  في اتباعك الاستراتيجية التالية: فكِّر أولًا، تصرف ثانيًا، ثمَّ قم بمراجعة نفسك ومعالجة أخطائك. على الرغم من أن هذا الحل لا يبدو مثاليًّا؛ نظرًا لأنه مبنيٌّ على توقع ما سيحدث، إلا أن معظم التصرفات التي نقوم بها مبنية على التوقعات. لذلك، اتَّبِع هذه الاستراتيجية وستجد أن توقعاتك ستكون صحيحة في مرحلة من مراحل حياتك.

فكما قال ونستون تشرشل: “على الرغم من أنَّ التخطيط خطوة جوهريّةٌ في طريق النجاح، إلا أنّ الخطة ذاتها قد تكون بلا أي فائدة تُذكر”.

ومن منظور تأثير “دانِينغ كروجر”، يمكننا أن نفسر هذا الاقتباس كالتالي: إنَّ عملية التفكير في مختلف مجالات الحياة عمليةٌ بالغة الأهمية، بينما الأفكار الناتجة عنها قد تكون عديمة النفع والفائدة؛ فيتَّضِحُ لنا أن معظم هذه  الأفكارِ كانت خاطئةً طوال الوقت.

خلاصة الأمر

كما قال Wayne Gretzky: “إن لم تحاول اغتنام الفرص المتاحة أمامك فأنت بذلك تخسر الكثير”.

ففي المرة القادمة التي تشعر فيها بعدم استحقاقك لنجاحِك وإنجازاتك، ذكِّر نفسك بأنّك قمت بتنفيذ كل ما هو مطلوب منك، وأنّك أعطيتَ الموضوع حقَّه في التفكير لمدة طويلة؛ مما يعني أنك تستحق كل ما أثمرت به جهودك من إنجازات ونجاحات. وفي اللحظة التي تعتقد فيها أنك مستعد لإطلاق العنان لأفكارك، قم بالتصرف بموجبها، وأعطِها الحرية لتجوبَ العالم خارج نطاق إرادتك؛ فهذه هي الطريقة الوحيدة التي تتجلى فيها أخطاؤك، وبالتالي يتأكد لك صحة المبدأ السُقراطي بأنك في واقع الأمر لا تعرف شيئًا على الإطلاق.

إعلان

مصدر https://medium.com/@brunoboksic/the-sea-of-ignorance-and-the-dunning-kruger-effect-37ee6f4d861b
فريق الإعداد

إعداد: راما ياسين المقوسي

تحرير/تنسيق: نهال أسامة

تدقيق لغوي: تسنيم محمد

تدقيق علمي: نهال أسامة

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.