العلم في القرن العشرين

غادرَنا القرنُ العشرون منذ أكثر من عقديْن، لكنه لم يغادر ذاكرةَ العلم ولا تاريخَه، لأن القرنَ العشرين أضاف إلى مسيرةِ البحث العلميِّ والاكتشافاتِ العلمية ما لم يضفْه أيُّ قرنٍ منذ بداية مسيرة الإنسانية المُوغلة في القدم.
فماذا أضاف القرن العشرون للعلم، وماذا غيَّر من مفاهيم العلم وبالتالي غيَّر من معيشة الإنسان؟

لم يَهلَّ القرن العشرون إلا والإنسانية تحمل تراكماتِ العلوم التي اكتسبتها عبر القرون الماضية بكل ما فيها من مفاهيمَ ونظرياتٍ وقوانينَ علميةٍ متداولةٍ بين العلماء أنفسهم أو العوام، فقد تم تثبيت قوانين الحركة النيوتنية (القوانين الثلاثة) وقانون الجاذبية وقوانين الدايناميكا الحرارية والأنتروبي (Entropy)، وتم اكتشاف الإلكترون في باطن الذرة، وتم التوحيد بين الكهرباء والمغناطيسية في معادلات ماكسويل الأربع الشهيرة، وفي علم الفلك كانت فكرة مركزية الأرض قد تم التخلي عنها بفضل ثورة كوبرنيكوس، وتكوَّنَ المفهوم المعروف عن الكواكبِ والمجموعةِ الشمسيةِ (لم تكن الكواكب المكتشفة حتى أوائل القرن العشرين تسعةً بل سبعة).

وأصبحت الجراثيم هي المسببةَ للأمراض وكان للميكروب وجود، وتم تقعيد نظرية التطور المشهورة لداروين (رغم الانتقادات التي حظيت بها بعد ذلك)، وكان علم الرياضيات قد خطا خطواتٍ واسعةً، فمن مسلمات إقليدس (Euclid) الخمسة (والتي تُدَرَّسُ اليوم في المدارس الابتدائية) إلى رياضيات ريمان (Riemann) اللاإقليدية مروراً بثورة التفاضل والتكامل والتحليل العددي وفضاء مينكوفسكي(Minkowski) المذهل وما تلاه من أفكار الجبر البولياني (Boolean algebra)، كل هذا غيَّر عالم الرياضيات من حولنا.

وبدأت تلوح في الأفق مفاهيمُ جديدةٌ ومعضلاتٌ طُرِحَت في أواخر القرن التاسع عشر مثل سرعة الضوء في الفراغ وطبيعته، ومفهوم التطور عند الكائنات الحية، والتركيب الداخلي للذرة، وإشعاع الجسم الأسود، ومفاهيم للوراثة المندلية – التي ظلت مختفيةً عن الأنظار حتى جاء القرن العشرون-. كل هذه الإرهاصاتِ قد بشَّرت بتطورٍ في العلوم في القرن العشرين.

وجاء القرن العشرون

بدخول القرن العشرين توالت عجلةُ التقدمِ العلميِّ في كلِّ العلوم تقريباً، وبدأت العلومُ نفسُها تلدُ علومًا أخرى، إما من العلم الأصليِّ نفسِه كفيزياء الجوامد وفيزياء الجسيمات من علم الفيزياء، أو من تلاقح أكثر من علمٍ في بوتقةٍ واحدةٍ كالفيزياء الفلكية والكيمياء الفيزيائية، أو ظهور علومٍ جديدةٍ بذاتها مثل كيمياء الفيمتو (Femtochemistry)، أو علم تكنولوجيا النانو (Nanotechnology)، كل هذا دليلٌ على ضخامة التراكم العلمي والمعرفي في القرن العشرين.

إعلان

في الفيزياء تم سَبْر أغوارِ الذرة وفلقُها في أربعينيات القرن العشرين، وأُنتِجَت الطاقةُ الذريةُ لأول مرةٍ في التاريخ (رغم الاستخدام السيئ لها في الحروب، لكن لها أوجه أخرى)، ولم يعد تركيبُ الذرة الاعتيادي هو المعوَّلَ عليه، بل اكتُشِفَت عوالمُ جديدةٌ داخل الذرة بل داخل البروتون والإلكترون كالكوارك (Quark) والفيرمونات (Fermions) والبوزونات (Bosons) …إلخ، وتطورت النظرية الذرية حتى وصلت إلى نظرية ميكانيكا الكم (Quantum mechanics) ونظرية الأوتار الفائقة (Superstring) وغيرهما، وظهرت النظرية النسبية (Relativity) بفرعيْها العامة والخاصة مغيِّرةً مفهومَنا التقليديَّ عن المكان والزمان والكون الذي نعيش فيه.

وصاحبَ ذلك ثورةً في عالم الرياضيات التي قدَّمت أفكارًا جديدةً كنظريات الفوضى (Chaos) والهندسة الكسيرية (Fractal Geometry) وغيرهما.
ولم يكن علم الفلك ببعيدٍ عن هذا التطور، فقد ظهرت نظرية الانفجار العظيم (Big bang) المفسرةُ لمولد الكون وما تلاها من تحسينات، وبدأت التلسكوبات بالخروج من جو الأرض (تلسكوب هابل Hubble خارج الغلاف الجوي منذ 1990م)، بل لقد خرج الإنسان نفسه من كوكب الأرض وثبَّتَ أقدامَه على القمر في أواخر 1969م، وبدأ يتطلَّع إلى كواكبَ قريبةٍ كالمريخ، وأرسل مركباته الفضائية تجوب أرجاء جديدة من الكون، فمركبة فويجر 1 وفويجر 2 اللتان أُطلِقَتا عام 1977م غادرَتا نظامَنا الشمسيَّ في منتصف التسعينات، والمركبة كاسيني التي أطلقت عام 1997م هي الأخرى على نفس الطريق إلى خارج نظامنا الشمسي.
لقد بدأ عصر الفضاء في القرن العشرين.

في علوم الأحياء تم سبر أغوار الخلية الحية واكتُشِفَ في منتصف القرن العشرين شريطُ D.N.A المسؤول عن وراثة الصفات الحية، وظهرت الجينات الوراثية، بل ظهر علم جديد هو الهندسة الوراثية (Genetic engineering)، ثم جاء أضخم مشروعٍ في علوم الحياة وهو مشروع الجينوم البشري (Human genome Project)، الذي بدأ في 1990 م وانتهى في 2003 م، راسمًا الخريطةَ الجينيةَ للإنسان لأول مرةٍ في التاريخ.

ورافقَ ذلك ظهورَ الخلايا الجذعية (Stem cell): العلم الجديد في هذا الزمان، وكانت تقنية الاستنساخ (Cloning) أولَ طفرةٍ في موضوع التخليق مع النعجة دوللي عام 1997م.

استطاع الإنسان في أواخر القرن العشرين أن يصوِّرَ الجزيئاتِ الذريةَ أثناء تفكُّكِ روابطِها وإعادةِ تركيبِها في تراكيبَ جديدةٍ على يد العالم العربي الدكتور أحمد زويل الفائز بجائزة نوبل في الكيمياء لعام 1999م ليبدأ علم جديد هو علم كيمياء الفيمتو (Femtochemistry).
ولم يكن الطبُّ بعيدًا عن التطور، حيث تطورتِ الجراحةُ مع تقدمِ التقنية بظهور الليزر (Laser) وكذلك استخدامِ الأشعة السينية في تصوير الأعضاء ومن ثَمَّ المسح بالرنين المغناطيسي (Magnetic resonance) والنظائر المشعة في التشخيص، وظهرت جراحة نقل الأعضاء بعد معرفة أصنافِ زُمرِ الدم وغيرها من أمور الطب الحديثة.

إلى جانب ظهور تقنية العلاج الحديث الذي تخطى الكبسولات والشراب وغيرها من الأمور التقليدية إلى العلاج بعد الفحص الجيني (Genetic testing) على الخارطة الجينية.

التكنولوجيا لم تكن بعيدةً عن ذلك، فظهرت ثورةُ الموصِّلات الترانزستورية (Transistor) المعروفة بثورة السيلكون في أواخر الخمسينيَّات، ودخل الإنسان عصر الكمبيوتر وظهرت السماوات المفتوحة والبث اللاسلكي وثورة الاتصالات والإنترنت (Internet).

هذه الثورات المتلاحقة سواء في العلم أو التكنولوجيا أثَّرت على حياةِ الإنسان وعلى حضارتِه سواء إيجابًا أوسلبًا.

إيجابيتها في رفاهية الإنسان بمنتجاتِ التكنولوجيا الحديثة التي غزَت كل بيتٍ تقريبًا على أرجاء المعمورة؛ فطال متوسط عمر الإنسان إلى 75 عام في البلدان المتقدمة (مقارنة بـ 45 عام في أوائل القرن العشرين)، وانقرضت بعض الأمراض المستعصية مثل الجدري، وتقلَّصت أماكن الإصابة بالملاريا، وعلى النقيض ظهرت أمراض أخرى جديدة، ولعل الأيدز والسرطان يحتلان المراتب الأولى، وأصبحت تقنية «لمسة زر» هي السائدةَ في هذا العصر.

لكن على النقيض دمَّرتِ التكنولوجيا الحديثة -أو لِنقُل استخدامَ الإنسان السيئ لها- حياةَ الأمم والشعوب في تطور الأسلحة الفتاكة (القنابل النووية والهيدروجينية والصواريخ العابرة للقارات والقنابل الموجهة بالليزر)؛ فكانت الحربان العالميتان مَعلمًا سيِّئًا من معالم القرن العشرين (ذهب ضحيتُهما أكثرَ من سبعين مليون شخص)، وما تلتْها من حروبٍ إقليمية (الحرب الكورية وحرب فيتنام وحروب الخليج)، كل هذه الحروب طوَّرت من صناعة الأسلحة الفتاكة على كل الأصعدة، فكانت قنابل النابالم (Napalm) والقنابل الفسفورية واليورانيوم المنضَّب (Depleted Uranium) وطائرات الشبح U2 وغيرُها من معالم هذه الحروب.

ولم تَسلمِ البيئةُ هي الأخرى من تدمير الإنسان لها؛ فظهرت مشاكل ثقب الأوزون (Ozone hole) والاحتباس الحراري (Global Warming) في طليعة المشاكل البيئية التي أفرزتها حضارةُ القرن العشرين.
لم تغب شمس القرن العشرين إلا والإنسان على مشارف حضارة الألفية الثالثة العملاقة (بكل تناقضاتها)، والتي تراكمت خلال قرنٍ واحدٍ من الزمان لم يعرف له التاريخ مثيلًا في طفرتِه العلمية، إنه القرن العشرون.

إعلان

أفادك المقال؟ شاركنا رأيك في التعليقات.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.

اترك تعليقا