تأخذك إلى أعماق الفكر

هل الأذكياء أكثر سوداويّة؟

يُقال إنَّ أرسطو طرح في مرحلةٍ مبكِّرةٍ من تاريخ دراسة السوداوية سؤالًا تَصعُبُ الإجابة عليه دون أن يبدو السائل أنانيًا أو متعجرفًا، وهو: “لماذا كان الكثير ممَّن برزوا في مجالات الفلسفة أو الحنكة السّياسيّةِ أو الشِّعر أو في الفنون يتَّصفون بالسّوداويَّةِ؟“. واستشهد أرسطو دليلًا على ذلك بأفلاطون وسقراط وهرقل وأجاكس، فترسَّخت هذه العلاقة، وساد اعتقادٌ في العصور الوسطى أنَّ الأشخاص السَّوداويين قد ولدوا تحت بُرج كوكب زُحل الذّي كان آنذاك الكوكب الأبعد عن كوكب الأرض، وارتبط بالبرودة والظَّلام والموت، كما ارتبط أيضًا بالقدرة على الإلهام لتحقيقِ إنجازاتٍ استثنائيَّةٍ بالعقلِ والخيالِ. ومع الوقت، نمى شعورٌ بالفخر والوجاهة المرتبط بكون المرء سوداويًا، وبدا الأمر كأنَّه علامةٌ على قدرة الفرد على إدراك أمور لا طائل للأكثر سعادة ونشاطًا باستيعابها، فالحالة النّفسيّة المبتهجة قد تكون جذّابة أكثر، ولكنَّها على الأرجح تعتمدُ على الوهمِ والإنكارِ؛ أيْ إنّ السّوداويين يشعرون بالأسى لأنّهم “يعرفون”، ويتمتّعون بالشّجاعة للتّمسُّكِ بمأساةِ معرفتِهم المُتعمّقة بالأمور. 

وكان الأرستقراطيون الإنجليز الشّباب يكلِّفون الرّسامين بتصويرهم في هيئاتِ حزنٍ، مرتدين اللّون الذّي يرمز للسّوادويّة المميّز -أيْ الأسود- ومحدّقين في اللّانهائيّةِ بيأسٍ، ويتنهَّدون بسبب شعورهم بالنّقص والوحدة، متمسكِّين بالشّجاعةِ وذلك دعمًا لهويّتهم كسفراءَ للحزن والأسى.

لوحة إسحاق أوليفر، إدوارد هربرت، هربرت نبيل تشيربري الأول 1610.
لوحة الشاب بين الأزهار لويليام هيليارد، 1587.

وفي عام 1513م صوّر ألبيرخت دور السَّوداويّة كملاك حزينٍ وذكيّ للغايةِ، تحيط به عدد من الأدوات العلميّة والرّياضيّةِ المهمَلة، ووضع الرَّسام على أحد جانبيّ الملاك شكلًا مُتعدّدَ الأوجه، وهو واحدٌ من أكثر الأشكال الهندسيّةِ تعقيدًا وإنْ كان فنيًا الأكثرَ مثاليّة، وتقول الفكرة: إنّ الاكتئاب قد نال من الملاك نظرًا للتّناقُضِ بين حنينٍ يتميّزُ بالسُّمو والذّكاءِ، وللعقلانيّة والدّقة والجمال والنّظامِ من ناحيةٍ، وبين الظُّروفِ الواقعيّة لعالمٍ مُنغمسٍ في البؤس واللّامنطقيّةِ من ناحية أُخرى.

السوداوية لألبيرخت دورر 1514

فإذا أردنا أنْ نأخذ سؤال أرسطو على مَحمَلِ الجدِّ فما الذّي قد يلاحظه السّوداويون الأذكياء، والذّي قد يغيب عن العقول الأقل ذكاءً؟ وما الذّي قد ندركه حينما تكون أدمغتنا مُعرَّضةً للكآبة واليأس بنسبةٍ أعلى عن المُعدَّل؟ لكم تفتقد معظم المناسبات الاجتماعية للصّدق، ويا لها من فجوةٍ بين ما يقوله الآخرون وما يقصدونه، ويا لكمِّ المغاورة والخداع في وعود السّياسيين والمؤسّسات، ويا للعبثيّةِ المُطلقة في كلّ الجهود المبذولةِ نحو تحقيق الشُّهرة أو السُّمعة الطّيبة، ويا للوحدة التّي تخذلنا في أكثر العلاقات حميميّةً، ويا لإحباطاتِ الأمومة والأبوّة، وتنازلاتِ الصّداقةِ، ويا لبشاعة المدن وقِصر أعمارنا!.

لكن قد يكون من التَّبسيط المُخلّ القولُ أنّ الأفكار الكئيبة وحدها قادرة على أن تجعل شخصًا ما ذكيًا، أو أن إيواء أي ملمح من الأمل يحكم على الشخص بالبلاهة. وإذ يمكننا الرّبط بين السّوداويّة والذكاء، فإن ذلك يرجع إلى أنّ الشّخصيّة السّوداوية تتجنّبُ خطأين مميّزيْن لدى من هم أقلُّ ذكاءً: الغضب من جهة والسّذاجة من جهة أخرى. وكما الكثير من السّاخطين، فالنّفس السّوداويّة تعرِف أنّ الأشياء ليست كما يجب أن تكون، لكنّها في ذات الوقت تقاوم الاستجابة للاستفزازات من خلال انفعاٍل أو انتقامٍ. فقد يسعى السّوداويّ للعدالة، إلّا أنّ الواقعية تمثل له حالة من التوازن طوال الوقت. فلا يصابون فجأةً بدهشة لما يحدث، ولن يثأروا منه بشراسة، فقد عرفوا الأبعاد الواسعة للواقع منذ البداية. أي أن السوداوية تقدم له شيئًا أكثر فائدة من مجرد الحزن أو الغضب، فهي تهدي للسوداويّ القدرة على أن يصبح مؤثرًا.

إعلان

في الوقت نفسه، تضع السوداوية الفرد في موقعٍ مثاليّ في علاقته بالأمل. فالسّوداوي لا يعلّق آمالًا على ترتيباتٍ كُبرى لحياةٍ من الكمال كما يفعل السُّذج، ولا يشارك في مراهنات الحبّ الرّومانسيّ أو النّجاح المهنيّ، إذ يعرف السّوداوي المصاعبَ التّي سيواجهها، حتّى في ظل علاقةٍ عاطفيّةٍ مُحتمَلةٍ، أو في إطار وظيفةٍ لا تصيب المرءَ إلّا أحيانًا بالغضب والجنون. إلّا أنّ هذا لا يعني بالضّرورة أنه غير قادر أبدًا على الابتسام، أو لا يقدّر ما هو جميل أو رقيق. بل يمكننا القول أنّ هذا الشّكل من أشكال الوعي بظلامٍ جوهريّ ينتصر في نهاية المطاف، هو ما يضفي عليه القدرة للاهتمام بشكلٍ خاصّ بتلك اللّحظات البهيجة التّي تضيءُ لحظات ما عبر امتداد حالك الظّلام؛ بل يشعر السّوداوي أحيانًا بالامتنان الشّديد والسّعادة الغامرة؛ فهو على علاقةٍ وطيدةٍ بالحزن الدّفين، وليس لأنّه لم يعانِ قط، فقد يتحمّس للرّقص -وإن كان رقصه سيئًا-، وأن يستفيد بقدرٍ كبير من يوم مشمس أو قطعة فاكهة رائعة، وبينما يضحك الطّفل لأن شيئًا ما أثار ضحكه، إلّا أن السّوداوي النّاضج يضحك بتعمّق أكبر؛ لأنّه يعرف أنّ الكثير من الأشياء لا تثير الضحك بالمرّة.

لا يعدُّ كون الفردِ مُحبطًا أو سعيدًا نوعًا من الإنجاز الفكريّ، فالإنجاز الحقيقيّ الذّي يدلّ على شخصيّةٍ قويّةٍ يكمنُ في السّيطرةِ على الغضب حتّى وإن كان المرء حزينًا، والمحافظة على الأمل حتّى إن كان كلّ شيءٍ يدلّ جليًا على التّعاسةِ، وبقدر ما قد يتّصف السّوداويّ بقدر أرفع من الذّكاء، فذلك لا يُعزى لقراءة الكثيرِ من الكتب، أو لارتداءِ اللّون الأسود بشكلٍ جذّاب، وإنّما يرجع السّبب في ذلك أن الشّخص السّوداوي قد نجح في إيجاد أفضل حلٍ وسط بين الإحباطات اللّانهائيّةِ للحياةِ من ناحية، وعجائبها العابرة من ناحية أخرى.

المصدر:
 https://www.theschooloflife.com/thebookoflife/are-intelligent-people-more-melancholic/

 

إعلان

فريق الإعداد

ترجمة: أبرار وهدان

تحرير/تنسيق: نهال أسامة

تدقيق لغوي: سارة إبراهيم

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.