تأخذك إلى أعماق الفكر

السردين ومتلازمة نقص المناعة الاجتماعية

بقلم: خوسِه أنتونيو مارينا

استمعتُ إلى زعيم حركة السردين، التي انطلقتْ في إيطاليا بهدف كبح اليمين المتطرف، وهو يقول إن من الضروري إيجاد أجسام مضادة في المجتمع. استدعى التصريحُ اهتمامي لأنني أتحدث منذ سنوات عن مرض سياسي يؤثر في المجتمع الإسباني. يتعلق الأمر بـ “متلازمة نقص المناعة الاجتماعية”.

دُرِسَ نقص المناعة عند الأفراد دراسةً جيدة: إنه فقدان القدرة على الدفاع عن النفس بمواجهة عامل مَرَضي. يمكن للمجتمع أيضًا أن يفقد تلك القدرة ويغدو غير قادر على عزل العناصر الضارة، أو محاربتها، أو تحييدها، أو طردها. لذلك، لم نكن قادرين على محاربة الفساد. التسامح مع التزييف والكذب هو مظهر آخر من مظاهر هذا المرض. فالإعلاء من شأن الرواية على حساب التاريخ، والثقة في شبكات التواصل الاجتماعي كمصدر للمعلومات، وتمجيد الآراء التي تدعو الى التخلي عن الحُجَج، تُشَكِّل جزءًا من العَرَض الجديد. وفقًا لآخر دراسة للبرنامج الدولي لتقييم الطلبة PISA، إن ٩٠ بالمائة من تلامذتنا لا يعلمون كيفية التمييز بين الحقيقة والرأي. كثير من وسائل الإعلام لا تستطيع ذلك أيضًا. مظهر آخر: قام دان كاهان Dan Kahan، من جامعة ييل Yale، بدراسة “المنطق المزيف الحامي  للهوية” بوصفه وباءً سياسيًّا. العلاج موجود، بطبيعة الحال.

لمتلازمة نقص المناعة الاجتماعية عَرَضَان اثنان هما: ١- عدم التعرف على مولِّدات الضدّ antigens، أي العوامل المَرَضية. ٢ – التعرف عليها، مع العجز عن إنتاج الأجسام المضادة للقضاء عليها. العوامل المَرَضية هي تلك التي تُحْدِث الاضطراب في الأداء الجيد للجسم، وتدمِّر سلامته، وقد تجلب له الموت. على سبيل المثال: العمى عن توقع الأخطار. الشيء نفسه تفعله مُولِّدات الضدّ (العوامل المرضية) الاجتماعية. يتساءل جارد دايموند Jared Diamond، في كتابه “الانهيار” “Collapse”، “لماذا تتخذ الأمم قرارات كارثية؟”، ويشير إلى ثلاثة أسباب: ١) عدم رؤية المشكلة قادمة. ٢) رؤية المشكلة قادمة لكن بدون وضع حلول. ٣) رؤية المشكلة قادمة والإخفاق في الحلول المقترحة. وفي كتابه المنشور مؤخرًا – Upheaval: How Nations Cope with Crisis and Change-  يعود إلى تكرار أن الشرط الأول هو “إدراك كونك في حالة أزمة”. إنه ما يسميه علماء الأعصاب “anosognosia” “عَمَه العاهة أو عمه إنكار العاهة”، وهو مرض يمنع المريض من التعرف على مرضه، حتى لو كان مرضًا شديد الوضوح كالعمى.

عمىً مُناظِر يمكن أن يحدث في المجتمعات، فيما يتعلق بقيم أخلاقية معينة مثلًا، ما يؤدي إلى القبول بالفساد، والظلم، والوحشية. الذكاء الإنساني مهدَّد دائمًا بخطر كبير: نتعود على كل شيء. ودفاعًا عن الذات، نفقد حساسيتنا بسهولة. وهذا ما يجعلنا نعد أمورًا عادية ما قد نعده في وقت آخر أمرًا مخيفًا. الكثير من السموم تكون قاتلة لأن الضحية لم يكتشفها. الشيء نفسه يحدث في كثير من الاعتقادات، ومن المناسب قرع ناقوس الخطر العام، فكلنا ضعفاء وقليلو الحصانة. المجتمعات يمكن أن تَنحطّ -وتوجد أمثلة عديدة في التاريخ– عندما تقبل بما هو غير لائق على أنه أمر عادي. إذا لم نكن واعين، فكلنا قد نكون متعاونين حتى لو لم نرد ذلك. ربما صرنا كذلك فعلًا.

أريد التركيز اليوم على الأهمية التي تكتسبها علاقة ثقافتنا بالحقيقة في ظهور متلازمة نقص المناعة الاجتماعية المكتسبة. تُعطَى أهمية كبيرة لقضية الأخبار الكاذبة، رغم أن الشائعات، والأكاذيب، والمعلومات المتلاعب بها، والتلقين، كانت موجودة دائمًا. لكن المهم هو ظهور سياسة تجاوز الحقائق Post-truth politics، وهو مفهوم تتلاقى عنده كثير من الاتجاهات التفكيكية للحقيقة: اتجاه المشككين، الذين يعتقدون بعدم إمكانية معرفة الحقيقة؛ اتجاه ما بعد الحداثيين الذين يخطروننا بأن الحقيقة مبنية لأن الواقع هو كذلك أيضًا؛ اتجاه المتلاعبين، الذين يدافعون عن عدم وجود حقيقة تاريخية، وإنما هي روايات؛ واتجاه الذين يستخدمون ما هو مجرد كائنات عقلية على أنها حقائق/وقائع. هذه المواقف تزيل كل إمكانية لتفكير نقدي، يقوم على مفهوم للحقيقة يرتبط بالمشقة والتواضع: التحقُّق.

إعلان

الحقيقة هي ذلك التصريح المُتَحَقق منه بما فيه الكفاية. لكن، هذا ممل جدًّا! الجديد هو أن كذبةَ تظل مقبولة مع العلم بكونها كذبة، وتُتخذ قرارات بناء عليها، إذ إن كونها كذلك لا يُعد أمرًا مهمًا. حدث ذلك في البريكست brexit ومع ترمب. فوفقًا لـ Politifact، إن حوالى 70 بالمائة من المزاعم بصدد أفعال دونالد ترمب في الحملة الانتخابية كانت كاذبة. لا يهم. يؤكد كريستوفر روبيتشود Christopher Robichaud، من كلية هارفارد كينيدي، أنه صحيح أن ترمب يكذب، لكنّ شيئًا كهذا في حقبة سياسة تجاوز الحقائق لا يبدو أنه شيء قابل للانتقاد.

“سيكون الأمر كانتقاد ممثل لقوله أشياء كاذبة”. ويؤكد نيتزان زيمرمان Neetzan Zimmerman، الذي عمل في Gawker  متخصصًا في “النقل السريع للقصص ذائعة الانتشار” (اسم مهنته ذو مغزى بالفعل): “في أيامنا هذه ليس مهمًا أن تكون القصة حقيقية. الشيء الوحيد المهم هو أن يقوم الناس بالضغط على الزر المؤدي إليها. الحقائق تم تجاوزها. إنها من مخلَّفات عصر الصحافة المكتوبة، عندما لم يكن بوسع القراء الاختيار”. ويكتب تيم هاريس Tim Harris، الخبير الذي عمل في Apple, Wikia, Apture, Google :”أستطيع ممارسة السيطرة على أجهزتي الرقمية، لكنني لا أستطيع نسيان أنه يوجد على الجانب الآخر من الشاشة عدد كبير من الأشخاص عملهم هو القضاء على أي أثر من مسؤولية قد يتبقى لي”.

أما الشخصية المؤثرة في هذا العالم التقني B.J. Fogg، مؤسس “Persuasive Tech Lab” في جامعة ستانفورد، الذي ابتكر الـ “Captology”، علم الإقناع عبر الحواسيب؛ فإن عنوان كتابه الأكثر شهرة كاشف: “تقنية الإقناع: استخدام الحواسيب لتغيير ما نفكر فيه وما نفعله Persuasive Technology: Using Computers to Change What We Think and Do.” كذلك هو عنوان كتاب الخبير الآخر، Nir Eyal: “مدمنون: كيف نصنع منتجات مشكِّلة للعادات Hooked: How to Build Habit-Forming Products” ، أو “Dopamine Lab” اسم شركة العالِم الزائف Ramsay Brown. أهدافهم كانت واضحة: التمكن من جعل أي تطبيق قادرًا على الوصول بسرعة إلى القوة الإدمانية الخاصة التي حصل عليها فيسبوك وZynga وتطبيقات أخرى بعد إنفاق الملايين. يعلنون في مواقعهم وصفحاتهم الإلكترونية: “تقنيتنا تتوقع السلوك البشري وتشكِّله. نستخدم علم الأعصاب والذكاء الاصطناعي لشخصنة تطبيقها بالنسبة لكل مستخدم”. أن يكون ممكنًا القيام بهذا النوع من الدعاية فهذا عَرَضٌ من أعراض الحالة.

لا شيء من هذا يبدو أنه يهمنا. إنه ثمرة لمتلازمة نقص المناعة الاجتماعية، وهو يؤثر على النقاش السياسي لأن أيديولوجيا الأحزاب تمنعها من ممارسة عمل نقدي. تُظْهِرُ أبحاث عديدة أُنْجِزَتْ في السنوات العشرين الأخيرة حول “المنطق المدفوع بالسياسة” أن الايديولوجيات السياسية تستعمل المنطق في سبيل بناء مواقفها، وليس من أجل محاولة الوصول إلى معرفة حقيقية. يُتَّخَذُ الموقفُ أولًا، ثم تجري محاولة تبريره. الدفاع عن الهوية الخاصة لا يدفع إلى القبول إلا بالمنطق الذي يعززها. “السياسة تجعلنا أغبياء”، هي النتيجة التي يستخلصها عزرا كلي Ezra Klei، عند تعليقه على دراسات دان كاهان Dan Kahan، من جامعة ييل (Klei,E. “How politics makes us stupid”; Kahan,D.M: “Ideology, motivated reasoning, and cognitive reflection”).

بيَّن كاهان Kahan أن زيادة في العَرْض المعلوماتي لا تحسِّن الأحوال، لأن الفلتر الأيديولوجي يسمح فقط بأن تؤخذ في الاعتبار المعلومات التي تُعزِّز الحكم المسبق. والقبول بأن يكون ذلك شرًا مستوطنًا للسياسة، هو أيضًا أثر من آثار متلازمة نقص المناعة الاجتماعية. إذا كان شيئًا لا مفر منه، فمن أجل ماذا سيكون علي أن أحاول منعه؟ أعتقد أننا يجب أن نبادر إلى حملة  للـ “تأكيد على إمكانية معرفة الحقيقة” بوصفها ترياقًا لهذا المرض. وينبغي أن يشكِّل ذلك جزءًا من برنامج حزب وسط مثالي أرافع عنه، ما سيلزمه، بدوره، بإخضاع جميع المقترحات، من داخله ومن خارجه، للتفكير النقدي، وممارسة التربية اللازمة فيما يتعلق بالمجتمع المدني. ذلك أن أي تغيير يكون محالًا إذا لم يأخذ المجتمعُ بعمومه على محمل الجد الحاجةَ إلى الشفاء من متلازمة نقص المناعة الاجتماعية التي نعاني منها.

المصدر:

نرشح لك: متلازمة القلب المنكسر

إعلان

فريق الإعداد

ترجمة: زيـاد الأتاسي

تدقيق لغوي: ندى حمدي

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.