تأخذك إلى أعماق الفكر

ثلاثية “السائرون نيامًا” وانحلال القيم.. هرمان بروخ

“السائرون نيامًا” الجزء الثاني (الأناركي) – الفصل الثاني عشر

هل حيواتنا المشوهة هذه ما تزال واقعية؟ هل واقعنا السرطاني ذاك ما يزال على قيد الحياة؟ التوجه الميلودرامي لتحركِنا الجماعيِّ نحو الموتِ كتفًا بكتف، البشر يموتون ولا يعرفون لماذا، دون أي تمسكٍ بالواقع يقعون في اللامعنى، لكنهم محاصرون ومذبوحون بواقعٍ يخصهم، منذ أن أدركوا عِلتَه.

غير الواقعيِّ هو المُخالِف للمنطق، ويبدو أنَّ هذا العصرَ لديه القدرةُ حتى على تجاوز ذروة اللامنطق ومعاداته، كأن الواقعَ الوحشيَّ للحرب قد طمس واقع العالم. الفانتازيا أصبحت واقعًا منطقيًّا، لكن الواقعَ تطور بشدة بالأوهام المنطقية. عصرٌ أكثر ضعفًا وأكثر جبنًا من أي عصر سابق يختنق في موجات من الدم والغازات السامة، دول البنوك والأرباح يلقون بأنفسهم على الأسلاك الشائكة، المنظمات الإنسانية المنظمة لا تعمل على إعاقة أي شيء، لكنها تطلق على نفسها اسم الصليب الأحمر وتعد الأطراف الاصطناعية للضحايا، مدنٌ تجوع وتصرف المال بعيدًا عن سَغِبِها. المعلمون ذوو النظارات يقودون قوات العاصفة، سكان المدن يعيشون في الكهوف، عمال المصانع والمدنيُّون الآخرون يزحفون في مهمات الاستطلاع، وفي النهاية وبمجرد أن يعودوا إلى بر الأمان، يضعون أطرافًا اصطناعيةً ويعودون مرة أخرى للعمل من أجل المال. الضبابية تُحيط بجميع الأشكال، في شفقٍ من عدم اليقين اللامبالي الذي يدور حول عالمٍ شبحي، الإنسان مثل طفلٍ تائهٍ يتلمَّس طريقَه بمساعدة خيطٍ صغيرٍ وضعيفٍ من المنطق من خلال مشهد الحلم الذي يسميه الواقع وهو ليس سوى كابوسٍ له.

إن الاضطرابَ الميلودراميَّ الذي يميز هذا العصر بالجنون والحماسَ الميلودراميَّ الذي يصور بأنه عظيم، كلاهما يبررُه عدمُ الفهم المتفاخر وغير المنطقي للأحداث التي يبدو أنها تشكل واقعَهما.
على ما يبدو المجنون أو العظيم مصطلحاتٌ لا يمكن تطبيقُها أبدًا على العصر، ولكن فقط على المصير الفردي. فردانيتنا، مصائرنا، مع ذلك هي طبيعيَّةٌ كما كانت دائمًا في أي زمنٍ مضى. إن مصيرَنا المشترك هو مجموع حيواتنا الفردية، وكل حياةٍ من هذه الحيواتِ الفردية تتطورُ بشكل طبيعيٍّ تمامًا وفقًا لما كانت عليه، مع منطقها الخاص.
نشعر أن كلَّ شيءٍ مجنون، ولكن في كل حياةٍ واحدةٍ يُمكننا بسهولةٍ اكتشافُ دوافعَ إرشاديةٍ منطقية، هل نحن إذن مجانين لأننا لم نفقد صوابنا؟!

يبقى السؤال الأهم: كيف يُمكن للفرد الذي تم توجيه أفكاره بإخلاصٍ نحو أهدافٍ أخرى أن يفهم ويستوعب مضمونَ وواقعَ الموت؟

يمكن للمرء أن يجيب بأن الجمعَ البشريَّ لم يفعل شيئًا من هذا القبيل، وأُجبِر فقط على الموت. إجابةٌ ربما تكون صالحةً في أيام السقم هذه، ومع ذلك، كان هناك -وما يزال حتى يومنا هذا- حماسة حقيقية للحرب والذبح! يمكن للمرء أن يجيب بأن الإنسانَ العاديَّ الذي تتلخَّصُ حياته بين مائدته وسريره ليس لديه أيُّ أفكار، وبالتالي يقع فريسةً سهلةً لأيديولوجية الكراهية -وهو أمر واضح للعيان، سواء كانت متعلقةً بالكراهية الطبقية أو الكراهية الوطنية- وأنه من المؤكد أن هذه الأرواحَ الضيقةَ يُمكن أن تخدمَ أيَّ فكرةٍ شخصية أو حتى مدمرة، شريطة أن تتنكَّرَ على أنها ذاتُ قيمةٍ اجتماعية. حتى مع السماح لكل ذلك، لم يكن هذا العصر خاليًا من القيم الشخصية الفائقة الأخرى الأعلى التي كان الفرد مشاركًا فيها بالفعل على الرغم من متوسطه الضيق. كان هذا العصر يؤوي في مكان ما إلى السعيِ الجاد وراء الحقيقة، وإرادةٍ نزيهةٍ بالفن، وكان له بعد كل شيء شعورٌ اجتماعيٌّ واضحٌ للغاية، فكيف يمكن للبشر الذين خلقوا هذه القيم وشاركوا فيها “فهم” أيديولوجية الحرب وقبولها والموافقة عليها بدون مقاومة؟ كيف يمكن لرجل أن يأخذ مسدسًا في يده؟ كيف يُمكنه أن يسير في الخنادق، إما ليموت فيها أو يعود مرة أخرى لحياته وعمله المعتاد دون جنون؟ كيف يمكن هذا التكيف؟ كيف يمكن لأيديولوجية الحرب أن تجدَ أيَّ نوعٍ من الاستجابة لدى هؤلاء الرجال؟ كيف يتأتى لهم حتى فهمُ مثلِ هذه الأيديولوجية ومجالها الواقعي، وليس الحديث عن الترحيب بها بحماس، كما لم يكن من المفترض أن يكون هذا مُستحيلًا على الإطلاق؟ هل هم مجانين لأنهم لم يفقدوا صوابهم؟

إعلان

هل يُشار إلى ذلك على أنه مجردُ عدمِ اكتراثٍ بمعاناة الآخرين؟ إلى اللامبالاة التي تسمح للمواطن بالنوم على مقربةٍ من ساحة السجن التي يتم فيها شنقُ شخصٍ ما من رقبته أو على مقصلة؟ اللامبالاة التي تحتاج فقط إلى مُضاعفةٍ لإنتاج اللامبالاة العامة لواقع أن الآلافَ من الرجال يتم خوزقتهم على الأسلاك الشائكة؟ بالطبع هي نفس اللامبالاة، لكنها تذهب إلى أبعد من ذلك؛ لأننا لم يعد لدينا هُنا حقلان حصريان متبادلان للواقع: مجال القاتل من جهة والقتيل من جهة أخرى، بل نجدهما الآن مُتعايشان معًا في آنٍ واحد في نفس الفرد، مما يعني ضمنيًا أن مجالًا واحدًا يمكن أن يجمع بين أكثر العناصر غير المتجانسة، ومنها على أي حال، يتحرك الفرد بأكبر قدر من الطبيعيةِ والطمأنينة؛ فالتناقض ليس بين مؤيدي الحرب ومعارضيها، وليس هو انقسامًا أفقيًّا في حياة الفرد، على افتراض أنه بعد أربع سنوات من المجاعة “يتغير” إلى نوعٍ آخر ويقف على النقيض تمامًا من ذاته السابقة، إنه انقسامٌ في مجمل الحياة والخبرة، انقسامٌ أعمقُ بكثيرٍ من مجرد معارضة الأفراد، انقسامٌ ينجرف إلى الفردِ نفسه وإلى تكاملِ واقعه.

نحن نعلم جيدًا أننا منقسمون وممزقون، ومع ذلك لا يمكننا تفسير ذلك إذا حاولنا إلقاء المسؤولية على العصر الذي نعيشه؛ فإن العصرَ أكبرُ من اللازم على إدراكنا، ولذا فإننا نعود إلى وصفه بأنه مجنونٌ أو عظيم. نحن أنفسنا نعتقد أننا طبيعيُّون؛ لأنه على الرغم من الانقسام في أرواحنا فآلياتُنا الداخلية تبدو وكأنها تعمل وفقَ مبادئَ منطقية. ولكن إذا كان هناك إنسان تشكلت فيه جميع أحداث عصرنا، إنسان كان منطقه الشخصيُّ يُمثِّل أحداثَ عصرنا، فعندئذٍ سيتوقف هذا العصر عن الجنون.
من المفترض أن هذا هو السببُ في أننا نتوق إلى “زعيم”، حتى يتمكن من تزويدنا بالدافعِ والمعنى للأحداث التي يمكننا في غيابه وصفُها بأنها مجنونة.

رابط المصدر 
CHAPTER XII DISINTEGRATION OF VALUES (I) ص 426

إعلان

فريق الإعداد

ترجمة: كريم سعد

تحرير/تنسيق: نهال أسامة

تدقيق لغوي: عبد الرحمن سامح.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.