تأخذك إلى أعماق الفكر

هل تزعزع الرواية الفلسفية الإيمان؟

في فلسطين، ومن فوق منبر الجامعة العبرية عام ١٩٢٧ تعالى النداء:

“إلى سبينوزا، اليهودي؛ نصيح من قمة جبل المشارف، من ملجئنا الجديد – ألغِيَ قرار الحَرْم! لقد أُلغي الخطأ الذي ارتكبه الدين اليهودي ضدّك، ومهما كان إثمك فإنه سيُغفر، فأنت أخونا، أنت أخونا.”

لم يشفع هذا التصريح للمرشح الأول للانتخابات الرئاسية الأولى المؤرخ جوزيف كلوانسر بعد إقامة إسرائيل، في إبطال الحرم والتكفير عن الخطيئة الشنيعة التي ارتكبها اليهود في القرن السابع عشر بطردهم سبينوزا.

لو تجاهلنا تصريحات بن غوريون أيضًا حول بطلان الحَرْم من أساسه، فلا قيمة للبطلان مالم يصدر عن الحاخامات، فمن حقنا أن نسأل، من هو سبينوزا الذي نفاه اليهود من طائفتهم؟ ولماذا يحرص عدد منهم الآن على تأكيد يهوديته؟ وما علاقة المنظّر الأيديولوجي للحزب النازي، ألفريد روزنبرغ بسبينوزا؟ ولماذا قامت الفرقة النازية المسؤولة عن مصادرة ممتلكات اليهود ERR التي يرأسها روزنبرغ بمصادرة مكتبة رنسبرخ سبينوزا في عام ١٩٤٢؟ وما هي مشكلة سبينوزا التي ورد ذكرها في وثائق محكمة نورمبرغ التي سعت فرقة ERR لحلها؟
هل حقًّا يستحق سبينوزا كل هذه الزوبعة التي تثار حوله؟

“caute” “كن حذرا”.. حذارِ.

تستحضِرني محادثاتي مع أحد الأصدقاء ممن يعشقون الفلسفة، والذي كان يحلف بأغلظ الأيمان بإله سبينوزا ليؤكّد لي صدق ما ذهب إليه. وحين أسأله عن إله سبينوزا يجيب بعبارة اينشتاين :

“أنا أؤمن بإله سبينوزا، الذي يُعرّف نفسه بأنه التناغم والتناسق الذي يحكم كل الموجودات من خلال قوانين الطبيعة..”

مقولة معقّدة لا أزعم يومها أنني قد فهمتها حق الفهم، كل ما أعرفه عن سبينوزا حينها هو أنه كان يرتدي خاتمًا نقش عليه شعاره باللغة اللاتينية الذي اتخذه نهجا لحياته “caute ”

إعلان

والذي يعني ” كن حذرًا”.. حذارِ.

تصميم لخاتم يشبه خاتم سبينوزا

بدأ الفضول يحثني على القراءة عن سبينوزا الذي قيل عنه: “إنه فيلسوف مقنع يقول نصف الحقيقة ويترك النصف الآخر للذكاء أو للتطور الطبيعي.”

فما الخطورة التي تكتنف فلسفته حتى تستوجب كل هذا الحذر ؟ ولماذا وصفه هيغل بقوله: “لا فلسفة من دون سبينوزا”؟

اقتنيت كتاب (الأخلاق) لسبينوزا، ويبدو أنني كنت أثق جدًا بنفسي لأبدأ بقراءة مثل هذا الكتاب الصعب، الذي كُتب بأسلوب هندسي، وما لا يُفهم منه أضعاف ما يُفهم بشهادة الكثيرين.

غلاف كتاب سبينوزا (علم الأخلاق)

فلغة سبينوزا الاستدلالية كانت بمثابة درع حماية له، فأفكاره الدينية والسياسية قد سبقت عصره. ولا يكفي أن يُنشر الكتاب من دون اسم مؤلف، وتحت اسم دار نشر وهمية، في مدن وهمية؛ بل عمد إلى استغلاق لغته عن فهم العامة ليتفادى غضب أهل عصره. لكن الكتاب نشره أصدقاء سبينوزا بعد موته في١٦٧٧.

وجدت ضالتي أخيرًا في رواية (مشكلة سبينوزا) للكاتب والمحلل النفسي الشهير، إرفين د يالوم

الكاتب والمحلل النفسي ارفين د يالوم

الذي سحرتني روايتيه (عندما بكى نيتشه) و(علاج شوبنهاور) والذي تعد رواياته مدخلًا مشوقًا للتعرف على بعض أهم ملامح فلسفة كل من نيتشه وشوبنهاور، إذ تمزج رواياته الفلسفة بالتحليل النفسي بقالب روائي ساحر.

قد صدرت الرواية عن دار الجمل، بترجمة مميزة للأستاذ خالد الجبيلي، الذي سبق وترجم روايتي يالوم السابقتين.

مصيدة الخيال

يقول نابكوف في محاضراته حول الأدب :

“لقد ولد الأدب في اليوم الذي جاء فيه فتى يصيح ذئب، ذئب، ولم يكن هناك ذئب يجري وراءه”.

الأدب وليد الخيال حتى وإن استقى مادته من واقع الحياة، إلا أنّ مهمة الأديب هي في خلق عالم روائي خاص به، يبني مؤسساته، و يبدع شخصياته، و يدير العلاقات فيما بينهم، لا تتوقف عبقرية الأديب في هندسة عالمه الروائي فقط، بل في قدرته على مزج الواقع مع الخيال، قد يستند المؤلف على حدث تاريخي، كما في روايتنا هذه، إذ الوجود التاريخي لسبينوزا وقرار طرده من الطائفة اليهودية أمر مثبت تاريخيًا، وتفاصيل علاقة ألفريد روزنبرغ مع الحزب النازي وعلاقته بهتلر حوادث حقيقية، ومع ذلك تدور في ذهن القارئ الأسئلة:

أين تقف حدود الواقع والخيال في الرواية؟

في رواية (مشكلة سبينوزا) يتقاطع الخيال مع الحقيقة. ويحتاج القارئ إلى ملاحظات من المؤلف لندرك الحد الفاصل بينهما.

الفريد روزنبرغ مع هتلر

ينسج إرفين د يالوم أحداث روايته من خيوط حياة الفيلسوف الهولندي اليهودي (باروخ سبينوزا) وخيوط حياة المنظّر الأيديولوجي للحزب النازي (ألفريد روزنبرغ) .

تمضي أحداث الرواية في مسارين زمانين، المسار الأول يبدأ في القرن السابع عشر (1656) في أمستردام، ويعرض لحياة سبينوزا في هولندا.

والمسار الثاني يبدأ في القرن العشرين ( 1910) في ريفال في إستونيا. ويتتبع فيها الكاتب أهم محطات حياة ألفريد روزنبرغ.

يعمد إيرفين يالوم إلى رسم خريطة روائية تتداخل فيها مسارات حياة بطلي روايته، رغم الفجوة الزمنية التي تمتد لما يقارب القرنين ونصف من الزمن، رغم الاختلاف الجذري الذي تبناه كل منهما، ليكون مدار الحديث حول المشكلة بل حالة الصدمة التي أحدثها التفوق الفكري لاسبينوزا ذي العرق اليهودي بالنسبة لروزنبرغ، الذي يرى في اليهود جنسًا أدنى، جرّ على أوروبا وفق قناعته كافة أنواع الكوارث التي حلت بها.

فكيف يمكنه أن يقرّ بعبقرية الفيلسوف اليهودي ( سبينوزا)؟

وكيف لقامة الأدب الألماني (غوته) الذي يرى فيه روزنبرغ مثلًا أعلى للعبقرية، أن يشيد باسبينوزا اليهودي! بل كيف يعقل أن يلازم كتاب (الأخلاق) لاسبينوزا جيب غوته ولا يفارقه!

هذه هي المعطيات هي التي كوّنت طرفي معادلة (مشكلة سبينوزا) عند روزنبرغ.

يقول فلوبير :

“الرواية تخلق الجمال أساسا في معالجتها لما هو داخلي وباطني”

فِي سبيل حل هذه المعضلة، تتكشف لنا خبايا حياة كل من ألفريد روزنبرغ النفسية، وخبايا فلسفة سبينوزا، الذي على الرغم من قلة المصادر حول سيرة حياته، إلا أن إرفين يالوم، قد أخذ بنصيحة نابكوف، وترك لخياله العنان ليختلق شخصيات وأحداث تسهم في توضيح العوالم الداخلية لبطلي روايته.

يقول إرفين يالوم :”ظللت ملتصقًا قدر الإمكان بالأحداث التاريخية، واعتمدت كثيرًا على خلفيتي المهنية كطبيب نفساني لأتخيل العوالم الداخلية لأبطالي: سبينوزا وروزنبرغ، وقد اختلقت شخصيتيّ فرانكو وبفستر، ليكونا بمثابة مدخل إلى نفسية أبطالي، وبالطبع، فإن جميع المشاهد التي ظهرا فيها، خيالية.”

فهل نحن أمام رواية فلسفية أم كتاب فلسفي؟

كتاب فلسفي أم رواية فلسفية؟

يجد الكثيرون صعوبة في فهم الكتب الفلسفية، التي تطرح الأفكار الفلسفية التجريدية بأسلوب جاف.

بينما يعمد البعض إلى استقاء معارفهم الفلسفية الأولى من روايات أدبية فلسفية، فهي توفر لهم فرصة الإطلاع على الأفكار الفلسفية المجرّدة ضمن سياق حالة إنسانية، فيها من الانفعالات والمشاعر والخيال، ما يسمح للقارئ بالتفاعل معها. ويخفف من ثقل الأفكار المجردة. هنا يحق لنا أن نسأل:

هل كان هدف الكاتب الكشف الموضوعي عن أفكار أبطاله (سبينوزا، ورزنبيرغ) بشكل حيادي؟

لكن قبل أن نجيب عن هذا السؤال دعونا نعود مرة أخرى إلى عنوان روايته السابقة (عندما بكى نيتشه) إذ يصطدم العنوان بجوهر فلسفة نيتشه المنادية بسمو الانسان المتفوق أو الأعلى “Übermensch” ، يبدو جليًّا في الرواية نقد لبعض جوانب فلسفة نيتشه من خلال محادثاته مع الدكتور جوزيف بريور، والأمر ذاته نجده في روايته ( علاج شوبنهاور) إذ تعرض آراء شوبنهاور التي ينادي بها بطل الرواية ( فيليب) لمبضع التشريح النقدي الفلسفي والفكري خلال جلسات العلاج الجماعي التي أدارها الدكتور جوليوس.

يعمد الدكتور إرفين يالوم في رواياته إلى طرح أفكار الفلاسفة ومناقشتها ونقدها منطلقاً من منظور التحليل النفسي حينًا، وحينًا آخر نجد نقد هذه الأفكار الفلسفية ينطلق من فهم معاصر للإنسان والدين والنفس، لم يكن شائعًا حين ظهرت تلك الفلسفات.

بيد أن هذا النقد الذي يتجلى خلال حوارات الشخصيات، قد يفقد الرواية لمستها الأدبية في بعض الأحيان، ويتحول النص لمحاضرة فلسفية جامدة، حتى يغدو الأمر كأننا نقرأ نصًا تعليميًّا، كما في محاورة فرانكو مع سبينوزا حول (أتاركسيا) و(حجة التناظر) في صفحة ٣١٩ من الرواية حين يقول :

“ولدى أبيقور حجة أخرى، تدعى حجة التناظر. التي قد تكون أقوى، تفترض أنّ حالة عدم الكينونة بعد الموت تتطابق مع حالة عدم الكينونة قبل الولادة. وبالرغم من أننا نخاف الموت، فإننا نجزع منه عندما نفكّر أننا مررنا بمثل تلك الحالة المشابهة..”

فما الذي يحمي الرواية من الوقوع في مصيدة التحول إلى كتاب أكاديمي أو فلسفي؟

إنه الخيال، هو من يبني سورًا حول حدود العمل الروائي، ليحميه من الخروج من نطاق الأدب. في الكتب الفلسفية لا مجال للعواطف لتنطلق من عقالها.

المجد للعقل والعقل وحده، فهو الصوت الذي نسمع به تلك الأفكار المجردة، بينما في الرواية الفلسفية والتأملية؛ يموج قلب القارئ بعواطف شتّى جرّاء مناقشة تلك الأفكار، هل جربت القراءة لكونديرا؟ سيّد الروايات التأملية الفلسفية، الذي يجمع أسلوبه ما بين المقالة الفلسفية والنص الأدبي، دون أن تمور عاصفة هوجاء في قلبك ما بين التعاطف مع تيريزا أو النقمة على توماس في روايته الشهيرة (كائن لا تحتمل خفته) مثلًا؟

هل تستوجب الروايات الفلسفية لإرفين د يالوم معرفة مسبقة بفلسفة نيتشه أو شوبنهاور أو سبينوزا حتى يفهم القارئ الرواية أو يتفاعل مع مجرياتها؟

في الروايات الفلسفية كل ما تحتاج إلى معرفته عن أفكار فيلسوف ما، سيتكفل الكاتب بالحديث عنه وتوضيحه من زاوية رؤيته للفلسفة التي يتحدث عنها.

أي أننا سنرى نيتشه بعيون الكاتب يالوم، وسنفهم فلسفة سبينوزا من منظور المؤلف، حتى وإن كانت النصوص التي يوردها للفلاسفة منقولة نقلًا حرفيًّا من كتبهم، كما في روايته هذه نجد نقلًا لأقوال سبينوزا من كتابه (رسالة في اللاهوت والسياسة) وكتابه (الأخلاق) إلا أنّ انتقاء نصوص معينة للفيلسوف دون غيرها، يعكس الزاوية التي يراها يالوم للفيلسوف.

الروايات الفلسفية ليست أبدًا خيارًا مناسبًا لتناول قراءتها بعد نهار يوم شاق، وليست من الروايات التي تتسارع فيها الأحداث بوتيرة أفلام المطاردات الأمريكية لترفع منسوب الأدرينالين في الجسم .

فهي تحتاج إلى ذهن صاف لهضم مادتها الفكرية وتأمل ومساءلة للعديد من الأفكار التي تطرحها.

هذه الأمور تحدد طبيعة جمهورها القرائي، والبعض يرى فيها روايات نخبوية متخصصة، لكن مع الانتشار الواسع لرواية عالم صوفي، وتحويل عدد من الروايات الفلسفية إلى أفلام مثل رواية : كائن لا تحتمل خفته، وعندما بكى نيتشه، فإن الحديث عن نخبويتها المتعالية قد يكون موضع شك.

ومع ذلك سيظهر من يشكك في قدرة الأفلام على الوفاء لروح الرواية وفلسفتها. وهذه نقطة أخرى تحتاج لمقالة مفصلة .

ماذا عن فلسفة سبينوزا التي تناولها يالوم في الرواية التي بين أيدينا (مشكلة سبينوزا) ؟

 

إعلان

فريق الإعداد

إعداد: رائدة نيروخ

تحرير/تنسيق: دعاء أبو عصبة

تدقيق لغوي: دعاء أبو عصبة

الصورة: خالد عبّود

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.