تأخذك إلى أعماق الفكر

الرجال بين إخفاء المشاعر والنقد النسوي: ما هي الذكورة السامة؟

يمكن لأي ذكر نشأ في بيئة متوسطة لأب وأم محافظيْن، أن يخبرك بأنه سمع جملًا مثل: “الرجالة مبتعيطش” أو “استرجل” لعدد مختلف من المرات، وأنه إذا اشتكى لأبويه ذات مرة من زميله في المدرسة، لأَخبره والداه بأن يرد العنف بالعنف والتنمر بتنمرٍ أسوأ منه. هذه الصفات التي صار يطلق عليها في السنوات الأخيرة مصطلح الذكورة السامة، وقد أشارت الدراسات إلى أن تلك الصفات ربما تؤدي إلى نتائج نفسية مؤذية طويلة الأمد على الذكور، منها الاكتئاب والإقبال على الانتحار. فهل الذكورة السامة حقيقية؟

ما هي بالضبط الذكورة السامة ؟

ينتشر مصطلح الذكورة السامة في مؤلفات النقد النسوي للتعبير عن ميل الرجال إلى التمتع بصفات تُعتبر ضارة للمرأة، وتساهم في هيمنته عليها. يتبادل مصطلحا «الذكورة المهيمنة Hegemonic masculinity»[1] و« الذكورة السامة Toxic masculinity» الدورَ في وصف تلك الصفات الذكورية المؤذية للنساء. ظهر مصطلح الذكورة السامة في البداية في ثمانينات وتسعينات القرن الماضي، أثناء نشوء حركة الرجال بين الأسطورة والشعر mythopoetic men’s movement[2]، وهي حركةٌ تعتمد على علم النفس التحليلي الذي أسسه كارل يونج، وتهدف لإجراء بعض الطقوس للرجال الذين يشعرون بفقدان هويتهم الذكورية نتيجةَ الضغوط النقدية النسوية في المجتمع التي تدفعهم لاكتساب صفات غير ذكورية[3]. إذ تجادل تلك الحركة بأن الذكورة لها جذور بيولوجية، وعندما يبتعد الرجال عن هذه الجذور فإنهم يصابون بالخواء، ولكنها تفرق أيضًا بين صفات الذكورة الضرورية للرجال، والتي يؤدي البُعد عنها إلى هذه الأزمة، وبين السامة الضارة للرجال والنساء على السواء.[4]

بعد صك الحركة لمصطلح الذكورة السامة، انتشر المصطلح في المؤلفات النسوية كمصطلحٍ نقديّ يهدف للحد من سيطرة الرجل على المرأة. يقول المُنظر الاجتماعي الأسترالي مايكل فلود، المتخصص في دراسات الجندر، أن هذا المصطلح يشير إلى صفات نمطية أو معايير مجتمعية أو توقعات من الذكور للتصرف بطريقة معينة؛ نتيجة زرع تلك المفاهيم في عقول الذكور منذ الصغر.[5] تشمل تلك الصفات أن يكون الذكر نشيطًا وعنيفًا وقاسيًا ومسيطرًا.[5] كما يقول فلود أن المصطلح يُستخدم لوصم تلك الصفات لضررها على مستوى التعامل مع المرأة؛ إذ تقود تلك الصفاتُ الرجالَ للاعتقاد بأن الهيمنة على المرأة جزء من طبيعة الذكورة، كما تُزيد من وتيرة العنف الأسري.

إعلان

كما يشير المصطلح إلى الأذى النفسي الذي تسببه للرجال نتيجة الاضطرابات النفسية المصاحبة لتلك الصفات، علاوةً على اعتقاد الرجال بأن إظهار مشاعرهم نوعٌ من الضعف.

 

تحذر الرابطة الأمريكية لعلم النفس [6][7] أن الرجال الذين يتمتعون بصفات الذكورة السامة، أي الذين يميلون إلى العنف، والرغبة في السيطرة والتحكم العاطفي في الغير، والسعي المستمر للارتقاء في المكانة الاجتماعية، يميلون إلى الإصابة بمشاكل نفسية واضطرابات عقلية عن غيرهم من الرجال. يصاب هؤلاء الرجال بالاكتئاب والتوتر المستمر ويميلون عن غيرهم للإدمان على المخدرات واضطرابات التفاعل الاجتماعي.[8] كما يؤدي ذلك إلى إلحاق الضرر بالنساء القريبات من هذا النوع من الرجال، إذ يميل هؤلاء الرجال لفرض سيطرتهم على المرأة في الحياة الاجتماعية والجنسية.[9]

 

 

الأصول البيولوجية والاجتماعية لمفهوم الذكورة السامة

لكي نفهم تلك المشكلة جيدًا، علينا أن نعود لأصل تلك الأدوار الاجتماعية التي فُرضت على الرجال والنساء. يُعتبر الجنس مفهومًا بيولوجيًّا، يقسم البشر إلى ذكر وأنثى بناءً على صفات شكلية محددة، مثل الأعضاء التناسلية، وصفات أخرى جينية، مثل وجود كروموسوم Y في الذكر وعدم وجوده في الأنثى.[10] بعد ظهور أعمال سيمون دي بوفوار النسوية، وأعمال ميشيل فوكو عن الجنسانية[11]، صار هناك تفريقًا أكاديميًّا بين الجنس والجندر، إذ تقول دي بوفوار: «لا تولد الإنسانة امرأة، ولكنها تصبح كذلك».[12] ينطوي تفريق دي بوفوار على مسَلمة، وهي أن الجندر تركيبة اجتماعية، أي أن الجنس الذي حددته الجينات لا علاقة له بالجندر؛ أي السلوكيات والأشكال التي يختار الإنسان أن يظهر بها. فقد تولد إنسانة بأعضاء تناسلية أنثوية، ولكنها تختار الظهور كالرجال بشعر قصير وترتدي كالرجال ولا تضع مساحيق التجميل.

يُنسب لجندر الرجال، حسب وصف رونالد ف. ليفانت في كتابه «إعادة تركيب الذكورة Masculinity Reconstructed»، صفاتٌ مثل الشجاعة والقيادة والقوة والاستقلال والحسم. والمزيد من الصفات الذكورية محل الجدل تشمل عدم التشبه بالنساء، وإخفاء المشاعر- عدا الغضب-، وفصل الجنس عن الحميمية، وربما السعي المستمر لتحسين المكانة الاجتماعية، والاعتماد على الذات، والقوة والعنف، وبغض المثلية (الهوموفوبيا).[13] بينما تشمل الصفات الأنثوية العامة، بعيدًا عن السياق أو المنطقة الجغرافية، التعاطف والليونة والحساسية والتواضع.[14][15]

 

ليس هذا الجانب الوحيد من القضية، فالقول بأن الجندر تركيبةٌ اجتماعية هو أحد أوجه الجدال. إذ يقول الرأي الآخر أن البيولوجيا تلعب دورًا أيضًا في الجندر؛ ففي الرجال يلعب هرمون التستوستيرون في ظهور بعض الصفات الجنسية الثانوية على الذكور، مثل نبرة الصوت ونمو شعر الوجه والرغبة الجنسية عند الرجل. لكن بعض الدراسات تُظهر أنه ربما يلعب دورًا أيضًا في صفات غير جسدية، مثل العنف والعدوان التي يتسم بها بعض الذكور. ففي دراسة [16] عرَّض فيها الباحثون إناث القرود لمستويات مرتفعة من هرمون التستوستيرون، وجدوا أنهن أظهرن سلوكًا عدوانيًّا عن غيرهن من الإناث. كما أظهرت دراسة أخرى [17] غيَّر فيها الباحثون السلوك الجنسي لذكور وإناث الفئران، بتغيير مستويات الهرمونات الجنسية، انعكاس الأدوار الجنسية بين الذكور والإناث.

بناءً على مفهوم التركيب الاجتماعي للجندر، فإن تلك السلوكيات التي اكتسبها الرجال، تُعتبر أيضًا من تغذية المجتمع. ولكن أي فرد من المجتمع يرغب في تمرير تلك الصفات؟ إن الرؤية القائلة بأن هذه الصفات من اختراع الرجال فقط للهيمنة على النساء، هي رؤيةٌ يعتريها القصور؛ إذ تهمل طرف المعادلة الآخر (النساء) وتضعه في موقف الضحية فقط، مهملةً تفاعله مع هذا النوع من الدور المنوط به الرجل، أو الصفات التي يتصف بها، وربما خلق المرأة لهذه المعايير.

 

يُعتبر مفهوم الانتخاب الجنسي، أحد المفاهيم البارزة التي اقترحها العالم الشهير تشارليز داروين كنوع فرعي من الانتخاب الطبيعي، آليةَ عمل التطور الرئيسة. الانتخاب الجنسي هو عملية انتقاء جنس ما لأفراد لائقين من الجنس الآخر للتزاوج، مما يؤدي إلى نجاة بعض الأفراد من الجنس الواقع عليه الاختيار بيولوجيًّا، وهلاك البعض الآخر لعدم تزاوجه أو تمرير جيناته.[18] من الأمثلة الشهيرة على ذلك، انتقاء أنثى الطاووس لذكر الطاووس صاحب الذيل الطويل المزخرف بالألوان.[19] وبالتالي، بناءً على هذا المفهوم، فإن الذكور المتصفين بسمات غير مرغوبة من الأنثى، لن تكون لهم فرصٌ ناجحة في التزاوج معها، وبالتالي، سيقل عددهم في النوع البيولوجي مع الزمن. هذا يعني أن الرجال الذين يتمتعون بهذه الصفات وقع عليهم الاختيار من الإناث للتزاوج، لأنهن وجدنه أكثر جاذبية وكفاءة من الناحية التناسلية، ربما لأنه سيضمن نسلًا أفضل لهن، وسيقدر على حماية هذا النسل.

تقول الكاتبة النسوية النيجيرية شيماماندا نغوزي أديشي: «إن اسوأ ما ارتكبناه في حق الرجال، بإخبارنا لهم أن عليهم أن يتمتعوا بالقسوة، هو أننا تركناهم بأنفسٍ هشة للغاية».[20]

بالطبع لا يعني هذا الطرح أن كل الرجال يتصفون بتلك السمات، ولا أن كل النساء يفضلن هذا النوع من الرجال بالغريزة البيولوجية، ولكن إذا كان للجندر جانبٌ بيولوجي، وإذا كانت البيولوجيا التطورية والانتخاب الجنسي يلعبان دورًا، فإن تخلي الرجال عنه بالكامل سيكون كارثيًّا بالنسبة لهم؛ لأنه يعني فقدانهم الفرصة في الحصول على شريك مناسب من الجنس الآخر، وبالتالي فشلهم تناسليًّا، وهذا كفيل بسقوطهم أمام أنفسهم وإصابتهم بالإحباط والاكتئاب. ولكن الجندر من المفاهيم ذات البنية الاجتماعية أيضًا، أي أن المجتمع يساهم في وضع التصورات عن ما يجب أن يكون عليه الذكر والأنثى، وهذا يعني أن هذه المفاهيم قابلة للتغيير.

لن يختلف أي إنسان سويّ مع أهمية نبذ العنف غير المبرر لمجرد إثبات هيمنة الرجل، أو التنمر المستمر على أقرانه، وأهمية إبعاد صفات الذكورة السامة عن مفهوم الذكورة، بتخلي الرجال عنها وتبني ذكورة أكثر مسئولية. كما لن يختلف أيضًا على ضرورة بعض الصفات الذكورية، مثل القوة والتحمل والمسئولية والشجاعة والإنفاق المادي على ذويه. لكن بين هذين الجانبين توجد منطقة رمادية، تشمل صفاتٍ مثل: الصلابة النفسية وإخفاء الرجل لمشاعره عن أقرب النساء له كزوجته؛ خوفًا أن يفقد صورته في ذهنها، باعتبار أن المشاركة “ضعف” منه. وهنا تقع مسئولية تغيير المفاهيم على المرأة لا على الرجل، لأن التسامح مع هذه الصفات، واحترام مرور الرجل بأزمات في حياته، يعني التسامح مع ما يجعل الفرد إنسانًا.

قد يعجبك أيضًا: جذور العبادة الذكورية

المصادر:-
1- Connell, R. W. (2005). Masculinities (2nd ed.). Berkeley, California: University of California Press. ISBN 9780745634265.
2- Gelfer, Joseph (2014). Numen, Old Men: Contemporary Masculine Spiritualities and the Problem of Patriarchy. Routledge. p. 16. ISBN 978-1-31-547843-2.
3- Carroll, Bret, ed. (2003). American Masculinities: A Historical Encyclopedia. SAGE Publications. pp. 302–. ISBN 978-1-45-226571-1.
4- Longwood, W. Merle; Schipper, William C.; Culbertson, Philip; Kellom, Gar (2012). "American men, religion and spirituality". Forging the Male Spirit: The Spiritual Lives of American College Men. Eugene, Oregon: Wipf and Stock Publishers. pp. 65–6. ISBN 978-1-55-635305-5.
5- https://xyonline.net/content/toxic-masculinity-primer-and-commentary
6- Salam, Maya (22 January 2019). "What Is Toxic Masculinity?". The New York Times.
7- Fortin, Jacey (10 January 2019). "Traditional Masculinity Can Hurt Boys, Say New A.P.A. Guidelines". The New York Times.
8- Wong, Y. Joel; et al. (2017). "Meta-analyses of the relationship between conformity to masculine norms and mental health-related outcomes" (PDF). Journal of Counseling Psychology. 64 (1): 80–93. doi:10.1037/cou0000176.
9- Panko, Ben (22 November 2016). "Sexism Sucks for Everybody, Science Confirms". Smithsonian.
10- Angus Stevenson, Maurice Waite (2011). Concise Oxford English Dictionary: Book & CD-ROM Set. OUP Oxford. p. 1302. ISBN 978-0-19-960110-3. Retrieved 23 March 2018.
11- دي بوفوار، سيمون، الجنس الآخر، الطبعة الأولى، الأهلية للنشر والتوزيع.
12- Levant, Ronald F.; Kopecky, Gini (1995). Masculinity reconstructed: changing the rules of manhood—at work, in relationships, and in family life. New York: Dutton. ISBN 978-0452275416.
13- Dornan, Jennifer (August 2004). "Blood from the moon: gender ideology and the rise of ancient Maya social complexity". Gender & History. 16 (2): 459–475. doi:10.1111/j.0953-5233.2004.00348.x
14- Vetterling-Braggin, Mary "Femininity," "masculinity," and "androgyny": a modern philosophical discussion.
15- Worell, Judith, Encyclopedia of women and gender: sex similarities and differences and the impact of society on gender, Volume 1 Elsevier, 2001, ISBN 0-12-227246-3, ISBN 978-0-12-227246-2
16- https://link.springer.com/chapter/10.1007/978-1-4684-1027-3_7
17- https://www.simplypsychology.org/gender-biology.html
18- https://evolution.berkeley.edu/evolibrary/article/evo_28
19- https://www.nature.com/scitable/knowledge/library/sexual-selection-13255240/
20- https://www.nytimes.com/2019/01/22/us/toxic-masculinity.html

إعلان

فريق الإعداد

إعداد: محمد ايهاب

تحرير/تنسيق: دعاء أبو عصبة

تدقيق لغوي: تسنيم محمد

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.