تأخذك إلى أعماق الفكر

الدَّبُّور والخرزانة.

(1)

لا أدعو السّماء ولا أضرع إليها أن تحقِّق لي شيئًا، فلَدَيَّ اعتقادٌ راسخٌ بأنّ السماء كجِنّيّ علاء الدّين سوى أنّها لا تملِك للإنسان إلا أمنيةً واحدةً، وأنّني قد استنفدت خاصتي منذ إحدى عشرة سنة، وذلك حين دعوت الله أن يموت أخي.

كُنّا ننتظر “الفُسْحَة” حتّى نبتاع أكياس “الشّيبسي” المُمَلَّح، نلتهمه في نهمٍ بحثًا عن الكنز الثمين المتواري بين شرائح البطاطس، ولكنّ حظي العكر دائمًا ما أوقعني في “الدّبابير” المنحوسة. كان “الدّبّور” قطعةً بلاستيكيةً تُشبه العُملة المعدنيّة، على إحدى وجهيها طُبعت صورةٌ لإحدى الشخصيّات الكرتونيّة، بينما طُبع على الوجه الآخر شعار الشّركة. كُنّا نلتفّ في حوش المدرسة صانعين دائرة مُتلاصقة، نتبارى بهدف جمع أكبر عددٍ ممكن من الدبابير. نقترع لنتبيّن المتنافسَيْن اللذين سيفتتحان البطولة، ومن ثم يتوسط المتنافسان الدائرة متربعَيْن فوق البلاط، ويختار كلٌّ من المتنافسين الستة الدبابير الّتي سيتنافسون بها، وبعدها تبدأ المعركة.

أبدأ أنا بدبّور “فوور آرمز” المنحوس، أضرب به على البلاط فتشاء الأقدار أن يسفر وجه شعار الشّركة القبيح، بينما يضرب منافسي بدبّوره فيظهر الوجه الذي طُبع عليه “داني الشّبح” مُجبرًا إيّايَ أن أَهِب “فوور آرمز” إلى منافسي اللّدود. نعيد الكَرَّة مرّاتٍ ومرّاتٍ ويُداعب الحظ كلينا بدرجاتٍ متفاوتة، ومن ثَمّ أنزوي وحيدًا بجوار “الكانتين” أبكي لأنني قد خسرت كلّ دبابيري.

أهرع في اليوم التالي إلى “الكانتين”، أبدّد المصروف المخصَّص للطعميّة لأبتاع ستّة أكياس شيبسي، ألتهم بعضها وأتخلص من البعض الآخر، أتحصّل على الدبابير وأعود مُفعمًا بالأمل إلى الدائرة مرةً أُخرى. لم أربح يومًا، ولكنّني دائمًا ما كنت أخسر بشرف، أخال أنّ بعض الناس قَدَرُهم هو الخسارة بشرف، هؤلاء الّذين يبذلون كلّ ما في وَسعهم أثناء المعركة، حتى إذا ما صاروا على أعتاب المجد، بدّدتهم ريح الأقدار كما تبدّد غبار الزهرة؛ ومن ثمّ فإنّ دمامة الحظ ليست وحدها ما يؤلم هؤلاء الشّرفاء التّعسين، بل إن أشدّ ما تعذبهم هي جراحهم المثخنة التي كانوا قد تجاهلوها أملًا في الانتصار.

إعلان

وابتسم لي الحظّ، أو حسبته ابتسم، فربحت يومها اثني عشر دبّورًا، وزاد خزيني لأول مرة ليصل إلى العشرين. مضيت أقفز مشرعًا يديَّ في السماء وأنا أبكي فرحًا، افترشت البلاط ومضيت أعد الدبابير مرّاتٍ ومرّاتٍ كالمجذوب. وفجأة، دخل اثنان من المتبارين في مناوشةٍ عنيفةٍ بعد أن أبى الخاسر التنازل عن دبابيره، فانقضضنا جميعًا فوق رأسه لنُنَفِّذ حُكم القانون. تكالبنا عليه “سَلَطَة”، فانهلنا بلطمات عنيفة على قفاه ورأسه حتّى تردّى على الأرض وفقد وعيه، ولكنّنا ما لبثنا نركله بأقدامنا بحقدٍ قاسٍ. جاء مُدرّس الألعاب –والذي كان مسئولًا عن الحوش أثناء الفسحة، وهشّنا كالفراخ بعصاه، ومن ثمّ هرع إلى الصبي فاقد الوعي وحمله بين ذراعيه. تمّ استقدامنا إلى مكتب المدير الذي أوصى باستدعاء أولياء أمورنا جميعًا، وحُرّمت المقامرة بالدّبابير في المدرسة تحريم الشِّرك والزِّنى، ونُهبتْ منّي كلّ الدّبابير الّتي كنت قد ربحتها.

عُدت إلى البيت وأنا أدسّ جواب الاستدعاء في جيبي لئلّا يتبين أبي وجوده، لُذت بالغرفة المشتركة التي كُانت تحوي سريرين، واحد لي وآخر لأخي الأكبر “إسلام”، دفست رأسي في الوسادة ومضيت أبكي لأنني خسرت، مرةً أخرى، كلّ دبابيري.

حينما عاد أخي من مدرسته الإعدادية، استشفّ في وجهي الحزن، فقصصت عليه ما حدث. تجاهل أخي رثائي لدبابيري، وصبّ كلّ تركيزه على الكيفية التي سنتحاشى بها بطش أبي.

في اليوم التّالي، رافقني أخي إلى مدرسته الابتدائية القديمة دون علمٍ من أبي، وجلس إلى المدير وانخرط معه في حديثٍ طويل، مستغلًا مكانته المحببة في قلبه إذ كان إسلام من أوائل الجمهورية للمرحلة الابتدائية من سنتين. رقّ قلب المدير ولانت عريكته، بينما وعده أخي بتأديبي بكل حزم وصرامة، واختلق حكاية مُحكمة التّفاصيل عن أبي مريض القلب المسكين الذي أصابته جلطة منذ أسبوع، فنخاف عليه أن يخرّ ميتًا إن وصله نبأ ابنه المقامر.

خالت أكذوبتنا على المدير، وقبل أن أهم بالذهاب إلى فصلي، ودّعني أخي، وأخبرني أنه سيذهب إلى مقهى صغيرٍ ليقضي فيه ما تبقى من السّاعات الدراسية، احتضنني بشدة وأوصاني بالعزوف عن المقامرة، ذلك أن الله قد حرّم الخمر والميسر في كتابه. كنتُ صغيرًا فاستحوذت عليّ رهبةٌ قاتلةٌ إذ فطنت إلى حجم الإثم الذي اقترفته، ولكنني الآن وقد فعل فِيَّ الزمن فعلته، أدرك أنه ليس ثمة أحد لا يقامر، أوليست الحياة نفسها، بكل منعطفاتها ومنحدراتها، هي أبشع أنواع المقامرة؟

أيقظتني أمي في اليوم الّذي تلاه لأذهب إلى المدرسة، ولكنني تصنعت توعّكًا مُزيّفًا، ذلك أنّ مصروف الأسبوع قد نفد مني، ولم أكُ أعلم كيف سأقضي اليوم بلا طعام. ولكن أبي ظل يجوس البيت كالشّيطان، حدّقني بنظرةٍ تقدح شررًا واتّهمني بالدلع، ولم أكُ أحتاج لأكثر من نظرةٍ واحدةٍ لأفرّ من فوق السرير كالفأر المذعور.

وقفت أمام المرآة وجعلت أزرّر قميصي، فوقعت عينيّ على عشرة جنيهات كان أبي قد تركها على “التّسريحة”. تأكدت من أنّ أبي مُنهمك في حلاقة ذقنه في الحمام، ومن ثمّ دسست العشرة جنيهات في جيبي وتناولت حقيبتي المدرسية بسرعة وهرعت إلى الباب.

بينما كُنت أسير في طريقي إلى المدرسة، كُنت أتأمل معصميّ وأتصور الدماء تدفق منهما كالشّلال، بينما يصدح في رأسي صوت مُدرس الدين وهو يزعق بغضبٍ أن السّارق عقوبته أن تُقطع يديه. دسست يديّ تحت إبطيّ وعقدت ذراعيّ وأنا أقاوم رغبةً عارمةً في البكاء. أذكر أن ذلك اليوم كان أكثر يوم رفعت فيه يديّ لأجيب عن أسئلة الأساتذة، وكأنني أودع يديّ الوداع الأخير.

(2)

كان اليوم خميسًا وقد شحب وجه السماء غروبًا، ولم يكُ أبي قد آب من عمله بعد، ذلك أنّه في طريق عودته قد عرج على السوق ليبتاع “خرزانة” كلفته ثلاثين جنيهًا، عازمًا تأديبي بها لأنني بددت عشرة جنيهات زائدة هذا الأسبوع. والْحَق أنّني لم أكُ مُبذّرًا أو ما شابه، وكنت أمدّ قدمي بحسب طول لحافي، ولكن الجوع وحده قد أمضني، وحاصرتني الأقدار فساقتني من إثمٍ إلى إثم، وأخرجتني من جُبِّ بئرٍ فقط لتجعلني أتدحرج في غياهب هاويةٍ بلا قاع.

دلف أبي باب الشّقة، أفرغ جيوبه ووضع محتوياتها فوق “الجزّامة”، ناداني بصوتٍ حنون، فخرجت بلهفةٍ للقاءه، احتضنني بقوة ومن ثمّ أمسك بوجهي بين يديه، ظل يرنو إليّ طويلًا حتى رغبت في الخور عند قدميه واستجداء رحمته. وبغتة، لطمني بكفّه الضخم فأرداني أرضًا، وسحب الخرزانة التي كان يُخبّئها وراءه وانهال بها على بطني، زحفت على الأرض وأنا أرويها بدموعي، فكانت تُنبت نصالًا تغرز في أضلعي. حاولت استعادة ما بقي لي من قوة، وهرعت بسرعة إلى الغرفة المشتركة وأنا أنتحب. وجدت أخي جالسًا فوق سريره يستذكر دروسه، تجاوزت سريري واحتميت بأخي. دلف أبي الغرفة كالكلب المسعور، وألفاني متكوّرًا وراء ظهر أخي، فانهال على كلينا بالخرزانة. تلقى أخي مُعظم الضرب، ولكنه لم يتزعزع، حتى أخذه أبي من شعره الطويل وألقى به خارج الغرفة، ومن ثمّ أرتج الباب. مضيت أروغ من بين يديه محاولًا تفادي الضّربات، حتّى تمكّن هو منّي، اعتلاني وكبّل ذراعيّ بفخذيه، ومضى يُلوّح بالخرزانة في وجهي. بدأ تدريجيًا صوت أمي وأخي –واللذان كانا ينتحبان خارج الباب– في التلاشي، وأحسست بالدّم البارد ينسال فوق وجنتيّ فيختلط بدموعي، ومن ثمّ ينساب الخليط من خلال مسامات بشرتي ليُجعّد وجهي، ويتدفق الخليط من وجهي إلى صدري ليلف قلبي بسم القهر والضّياع. لم يكُ أبي ليتوقف، لولا أنّ السّاعة كانت قد دقّت التّاسعة، وكان ذلك موعد مباراة فريقه المفضّل.

هرع إليّ أخي واحتضنني بشدة، بينما لاذت أمي بغرفتها تنتحب. مددتُ يدي لأمسد الكدمات على وجهه، بينما شدّ هو عضدي وأخبرني أنّنا سنتخلص من هذه الخرزانة غدًا. توجست خيفةً، غير عالمٍ كيف سيتسنى لنا الحصول على الخرزانة التي يُخبئها أبي في غرفته. ذهب أخي إلى المطبخ ليحضر إليّ بعض الماء، ومن ثمّ شرع يسرد عليّ الخطة.

في اليوم التّالي، كانت المنابر تصدح بخُطب الجمعة، وكانا –أي أبي وأخي- يتأهبان للصلاة، ذلك بعد أن أعفاني أبي من الصّلاة يومها لأن الكدمات في وجهي لن يجد لها مبرّرًا أمام خلطائه وجيرانه. اقتربت الإقامة، فتوجّه الاثنان ناحية الباب معتزمين الرحيل، ولكن أخي أمسك ببطنه مُتصنّعًا ألمًا شديدًا وهرع إلى الحمّام.

-“اخلص يا ابن الكلب هتفوتنا الصلاة!”

صاح أبي بحنق. هتف أخي من وراء باب الحمّام وهو يتأوّه:

-“خلاص يا بابا روح أنت وأنا هحصَّلَك”

-“لو مجتش هحبسك فالحمّام اللي أنت فيه ده أسبوع.”

قالها أبي ورحل.

هرعت أنا إلى أمي، أمسكت بيدها وأخذتها إلى غرفتي وهي تنظر إليّ بارتياب. أغلقتُ باب الغرفة، ومن ثمّ ارتميت بين أذرعها وانفجرت في البكاء. ضمّتني بذراعيها ومضت هي الأخرى تنتحب، ظللت هكذا حتى سمعتُ صوت إغلاق باب الشّقة، فتبيّنت أن خطّتنا قد نجحت، خطّتنا الّتي كان دوري فيها بسيطًا جدًّا : أن أنفجر باكيًا.

مضت قرابة الرّبع ساعة، وعاد أبي وحده من الصلاة. هرعت إليه أمي بعينيها اللّتين أذابهما النحيب، سألته عن أخي، فأخبرها أنه تطوع ليحضر هو “الفينو” من المخبز القريب. هتفت بصوتها المتهاوي :

-“سيبت الواد يروح لوحده! إمبارح كنت هتموّت واحد فيهم والنّهاردة هتضيع التّاني! حرام عليك يا راجل أنا مليش غيرهم! حرام عليك اللّي بتعمله فينا ده!”

احتدم النقاش سريعًا، لطمها أبي فهرعت إلى غرفتهما تبكي. وقفت أنا في نهاية الرّدهة أراقب المشهد، لمحني هو، ومن ثمّ أسرع وراء أمي إلى الغرفة بحثًا عن الخرزانة. كدتُ أُطلق ساقيّ للريح، لولا أنني تذكرت أنه ما من خرزانة، فتنزلت عليّ الطمأنينة وانتصبت مكاني شامخًا في تحدٍ. خرج أبي من الغرفة وهو ينفث لهيبًا من منخاريه، هتف :

-“بتبصلي كده ليه يا ابن الكلب؟!”

-“مبقاش في خرزانة! أنت فاهم! مبقاش فيه خرزانة!”

قُلتها وأطلقت ساقيّ للريح، دخلت غرفتي وأغلقت الباب ووقفت ورائه محاولًا منع أبي من الدّخول. ساد الصّمت لبرهة، وظننت أنّ الظّلم قد انقشع، ولكن أبي اقتحم الغرفة حاملًا عصا مكنسة في يده.

بعدما أنهى أبي ذلك الّذي اعتاد أن يفعله فيّ، ذلك الّذي هو أبشع من أن يوصَف؛ ذهبت إلى الحمام، وتوضّأت، بسطتُ “المصلية” على الأرض وخررت ساجدًا. دعوت الله ألّا يعود أخي أبدًا، ذلك أن الفاجعة لم تكُ يومًا في العصا، بل في حاملها. لِمَ لَمْ أدعُ الله أن يُهلك أبي؟ ربما لأنني لم أدرك أنّ الله سيستجيب الدعاء، وربما لإنني كنتُ أخاف إن مات أبي أن تتلقّفنا أيدي الدهماء فتمزقنا، أو ربما كنت أهاب أبي حتى ظننت أنّه حتّى الله، لن يقوى على إهلاكه.

إعلان

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.