الخوارج من منظور ناجية الوريمي: إشكاليَّةُ المُصطلح والمفهوم

قراءة في كتاب: (الإسلام الخارجي) (1/3)

هذا المقال وما يليه قراءة لكتاب الدكتورة ناجية الوريمي بوعجيلة (الإسلام الخارجي)، وهو كتاب صدر ضمن سلسلة الإسلام واحدًا ومُتَعَدِّدًا، تحت إشراف عبد المجيد الشرفي. أحاول من خلال هذا العرض/هذه القراءة أن نقرأ الفكر الخارجيَّ بعيون الوريمي على أنه أحدُ تجلياتِ الدعوة الإسلامية. وهي في بحثها هذا تحاول تغيير زاوية النظر إلى التجربة الخارجية باعتبارها وجها من وجوه التعدد الثقافي للإسلام.

والدكتورة ناجية الوريمي باحثة تونسية، وأستاذة الحضارة العربيّة الإسلاميّة بالجامعة التونسيّة. تهتم بقراءة التراث وإشكاليّات التحديث. ومن كتبها التي صدرتْ لها:

  • الائتلاف والاختلاف: ثنائيّة السائد والمهمّش في الفكر العربي الإسلامي (2010)،
  • حفريّات في الخطاب الخلدونيّ: الأصول السلفيّة ووهم الحداثة العربيّة (2008)،
  • الإسلام الخارجي، (وهو الكتاب الذي نتناوله هنا) (2006).

ولها مشاركات عديدة في أعمال جماعيّة مُتخصّصة، ومقالات منشورة في دوريّات علميّة[1].

وكتاب الإسلام الخارجي صادر عن دار الطليعة، وهو من الحجم المتوسط، ويقع في 263 صفحة تقريبا، والنسخة التي أعتمد عليها هي الطبعة الأولى، الصادرة في أيلول (سبتمبر) عام 2006.

توطئة

يبدأ الكتابُ بتوطئةٍ تناقش فيها ناجية الرومي في القسم الأول منها فكرة أنَّ التجربة الخارجيَّ ليستْ إلا تجليًا ضمن التجليات الإسلامية التي ظهرتْ تباعا منذ ظهور الدعوة الإسلاميَّة. وفي القسم الثاني من هذه التوطئة تحاول الوريمي أنْ تتناول التجربة الخارجية في الكتابات المعاصرة.

إنَّ العلاقة التي اتخذها النصُّ مع مُتَقَبِّلِيهِ اتَّخذتْ أبعادًا عديدةً مختلفة في الفهمِ والتمثُّل، وقد عبرتْ عن هذه الأبعاد خطاباتٌ مختلفة ومتصارعة، تُقْصِي فيه القراءةُ الواحدةُ ومن زاوية مُحَدَّدَةٍ سائرَ القراءات. فيدَّعِي كلُّ خطاب منها امتلاكَه وحده للحقيقة، وأنه يُعَبِّرُ وَحَدَه عن حقيقة النصّ.

إعلان

ترى الوريمي أنَّه لا يوجد بُعْدٌ واحد نموذجي يمكن اعتباره مهيمنًا على الخطابات الأخرى التي نتجتْ عن النصِّ ذاته. إنَّ هذا الفكرَ السُّلطويَّ يرى أنَّ المعانيَ التي جاء بها النصُّ واحدةً، وأنَّ الواقعَ الذي سيشهدُ ترجمتَها ينبغي أن يتشكَّلَ بطريقة واحدة.

تحاول ناجية الوريمي في دراستها عن الخوارج أن تنظر إلى القراءة الخارجية للإسلام على أنها إمكان من الإمكانات المُتَوَلِّدَة عن كَيْفِيَّاتِ فَهْمِ النَّصِّ، فهي تجربة مخصوصة تناظر في قيمتِها أيَّ تجربة إسلاميَّة أخرى، وتكتسي أهميَّتَها من عُمْقِ التَّأَثُّر والتَّأثير اللذينِ جَمَعَا بينها وبين سائر التَّجارُب الأخرى. إنَّ هذا البحث لا يهدف إلى إضافة دراسة وصفيَّة أخرى إلى مجموعة الدراسات التي اعتنت بالتعريف بالخوارج في الفكر والتاريخ الإسلاميَّيْنِ. إنَّ ما تَرُومُه ناجية الوريمي من وراء هذا البحث هو تغيير زاوية النظر إلى التجربة الخارجية باعتبارها وجها من أوجه التَّعَدُّد الثَّقافي والأنثروبولجي للإسلام[2].

في القسم الثاني من توطئتها تحاول الوريمي رصد الدراسات المعاصرة حول الفكر الخارجي. تُقَسِّم الباحثةُ الدراسات المعاصرة التي تناولت الخوارج رغم تَعَدُّدِها وتَشَظِّيهَا إلى قِسْمَيْن:

القسم الأول منها: الدراسات العامة وهي إما أن تكون تاريخية أو مَذْهَبِيَّة خلافية وردَ الحديثُ فيها عن التجربة الخارجية مُنْخَرِطًا في الخطة العامة التي تتبعها كلُّ دراسة من حيث المنطلقات والنتائج، أما القسم الثاني من هذه الدراسات؛ فهي دراسات خاصَّة بهذه التجربة في كلِّيَتِها أو في جانب منها، يحاول فيها الباحثُ المُتَخَصِّصُ أن يورد مُعطَيَاتِه المُرَجَّحَةَ بعد تَرَوٍّ ونظر هدفهما تأسيسُ تصوُّر مُحَدَّد لموضوع البحث، تصور يراه كفيلا بتقديم الحقيقة.

ترى ناجية الوريمي أنَّ الشِّقَّ التاريخيَّ من الدراسات العامة ذو نزعة تقليدية، بشكل نمطيٍّ لا يكاد تختلف الدراسة فيه عن الأخرى! وهي مُعْطَيَات نجح الخطاب الرسميُّ المُعَادي للاختلاف في كل أبعاده أن يُقَدِّمَها على أنها حقائق ثابتة، والحال أن مفهوم الحقيقة في الخطاب التاريخي نسبي!

أما الشِّقُّ المَذهَبِيُّ من الدراساتِ العامة فتقتصر في الغالبِ على إعادةِ إنتاجِ ما سجَّلَه كُتَّابُ المِلَلِ والنِّحَلِ القُدَامَى، مع تَغَيُّرات طفيفة اقْتَضَتْهَا الكِتابَةُ المُعَاصِرة.

وهناك بعض الدراسات العامة التي تناولتْ إشكالات مُحَدَّدَة بعينها، واعتمدت على مناهج نقديَّة مختلفة، فإنها تميَّزت بصورة عامة بحرصٍ على مراجعة البداهات المُستقرة في الأذهان، ومع ذلك؛ فإنَّ المراجعات التي قامتْ أحاديَّة الجانب؛ ذلك لأنها صادرة عن غاية مُسَبَّقَة.

ولْنَنْتَقِلِ الآن إلى الدراسات الخاصة. ترى الوريمي أنَّ القسم الغالب من هذه الدراسات جاء خاضعًا لرؤىً أيدولوجية واضحة، هدفها تبرير الانتماء الفكري أو المذهبي الذي تصدر عنه الذاتُ الباحثة، ويشمل هذا القسمُ الدراسات ذاتِ المرجعية السُّنِّيَّة أو الإباضية أو الماركسية. إن هذه الدراسات تلتقي في تأسيس خطاب مشدود إلى هواجس الذات العارفة أكثر من انشداده إلى موضوع المعرفة وإشكاليَّاته. إنه ينطلق من مُسَلَّماتٍ لا تقبل المراجعة في رأيه، ويُقدِّمُ حقائقَه على أنَّها حقائق لا احتمالات وإمكانات.

ترى الباحثةُ أن هناك ضربا من الدراسات الخاصة حاول أن يهتمَّ بالتجربة الخارجيةِ اهتمامًا معرفيَّ الدَّوافِع، على الأقل فيما تُعْلِنه، فبعضها مثلا يُراجع بعض المُسَلَّماتِ الشَّائِعَة حول الخوراج، وبعضها حاول التعريف بخصائص الإسلام الخارجي في أسلوب وصفيٍّ غالبا، نقدي أحيانا. وللمستشرقين كذلك أعمال عديدة مُرَكَّزَة خاصة في البحث التَّوْثِيقِيِّ في مصادر الفكر الخارجي[3].

الخوارج: إشكاليَّةُ المُصطلح والمفهوم

ترى الوريمي أنَّ الجزء الخاصَّ بالتَّعْريف إذا ما تعلَّق بالخوارج فإنَّه يُعَدُّ مَزْلَقًا أيدولوجيًّا خطيرا؛ فهو منذ القديم آليَّةٌ من آلياتِ الصِّراعِ بين الأطرافِ المُتَنَازَعَة، فكلُّ طرف يصيغ أسماء تخدم الأيدولوجيَّة التي يقدمها ويهاجم بها الأخرى، فصاحبُ المذهب يُطْلِق على نفسه أسماء ذات دلالات تمجيديَّة تُطْلَقُ على الأنا، ومخالفوهم يصيغون لهم أسماء تهجينية تُطلق على الآخر.

يأتي مصطلحُ الخوارج كأهم أسماء الخوارج وأكثرها تدولا، ويأتي كأكثر المفاهيم التي أسَّسَها الخطاب السّنِّيُّ شيوعا، ونجح في تكريسه بكيفية أَرْبَكَتِ الأتباعَ منذ القديم حتى العصر الحاضر. فالخوارج هم: المجموعة التي خرجتْ عن دائرة الحقِّ بخلافها لِمَا أجْمَعَتْ عليه الأغلبية. وتكاد المعاجمُ المتأخرة والأكثر تداولا تُجمِع على هذه المعنى؛ فالخروج هنا ليس معناه غير الخروج عن الصواب!

جاءتْ مُدَوَّناتُ الحديث لتكرِّس لهذا المعنى وما يقترن باسم الخروج من عدم ملازمة الحق والنزوع نحو الضلال، ومن ذلك الحديث الذي يقول: “يخرج قوم في آخر الزمان حداث الأسنان، سفهاء الأحلام، يقولون من خير قول البريَّة، لا يُجَاوِزُ إيمانُهم حناجِرَهم“. ونجد أن عددًا من الإباضية –قدامى ومعاصرين- اعتنى بردِّ هذه الأحاديث؛ بدعوى أنها تخدم أغراضا سياسية ومذهبية، أو لأنه اعتراها بعض التبديل والتغيير، أو بمحاولة تأويلها تأويلا يُبْعِدُ عنهم الشُّبَهةَ وأنهم المعنيون بها.

ترى الوريمي أنَّ حصرَ مصطلح الخروجِ في ترك المجموعة أو عدم الدخول أو عدم البقاء في الصفوف لهو بَخسٌ لهذا المصطلح الذي يعني أكثر من ذلك، وترى أيضا أنَّ المعاجم المُتَدَاوَلَة قد طغى فيها الأيدولوجيُّ على المعرفيِّ إذا ما تعلَّق الأمر بالخوارج ففي كتاب (الكتاب) لسيبويه نجد أن صيغة الجمع (فواعل/خوارج) تأتي في ثلاث حالات، منها (فاعل للتأنيثِ لحِقَتْه التَّاء) مثل ضاربة – ضوارب، قاتلة – قواتل، خارجة – خوارج! ولأنَّ معنى خارجة يأتي في معانٍ حسنة؛ فإنه قد غاب غيابا غريبا عن تلك المعاجم. إنَّ لفظة خارجة بصيغة المفرد قد أُقْصِيَتْ من التَّداوُل، وتم الاحتفاظ بصيغة الجمع ليس إلا بعد أن مَحَّضُوها لمعنى الخارجين عن الصواب.

إن كلمة خارجة تعني من ضمن معانيها: الطائفة التي تخرج للغزو، بل إننا نجد أنَّ صعصة بن صوحان –وهو من الموالين لعليّ- استخدم كلمة خوارج بهذا المعنى في وصف نفسه وطائفته بأنهم (خوارج الدين). ترى الوريمي أنه من الطبيعي إذن إذا ما انتقلنا إلى معسكر الخوارج نجد أنَّهم يتشبَّثون بهذه الأصول المُعجَمِيَّةِ المُقْصَاةِ؛ لأنها تُعَزِّزُ موقفهم، ويستند في ذلك على الحقائق الصَّرفية للكلمة. يقول سالم بن حمد بن سليمان العماني، وهو أحدُ الإباضيِّين المُعَاصِرين: “اعلم أنَّ اسمَ الخوارِجِ كان في الزَّمان الأول مدحا؛ لأنَّه جمعُ خَارِجَة[4]“.

ويطلق خصومُ الخوارجِ عليهم اسمَ المارِقَة، وهو اسم مُسْتَحْدَث من الحديث النبوي: “يمرقون من الدين كما يمرق السَّهْمُ من الرَّمِيَّة“، بل وأصبح هذا الاسمُ من لوازم التَّعريف بهذه الفرقة في المصادر السُّنِّيَّة، كقولهم: “الخوارج هم المارقة الذين اجتمعوا بالنهروان“. ويرى الخطابُ الخارجيُّ خلافَ ذلك؛ لأنه يعتبر أن الخوارجَ المارقةَ ليسوا هم المُحَكِّمة، بل هم طلحة والزبير ومن نَكَثَ منهم بيعةَ عليّ.

حاولَ الفكرُ الرَّسْميُّ إلصاقَ الخروج من الدين بالخوارج كما كان يفعل مع كلِّ اختيار مُخَالِفٍ له، فعلى شاكلة هذا الاسم “المارقة” نجد أسماء مثل: “الكُفَّار“، “أهل البدع“، “كلاب النار“، “الحَمْقَى، أتباع إبليس“، وغير ذلك من الأسماء التي ارتقى بها مستعملوها إلى درجة العَلَمِيَّة.

وهناك بعضُ الأسماء الأخرى التي اقترنتْ بالخوارجِ بسبب حدَثٍ ما بعينه، ومن ذلك اسم “المُحَكِّمَة“، أي الذين رفعوا شعارَ “لا حكمَ إلا لله” أثناء حادثة التَّحكيم، وأصبح الفعل حَكَّمَ يُسْتَعْمَلُ لذلكَ بمعنى أعلن انتماءه إلى الخوارج وثار على السُّلطان. ولعل مسألة التحكيم هي المسألة التي ظلَّتْ من أبرز الثوابت الجامعة بين كلِّ التفريعات الخارجية التي ظهرتْ بعد ذلك. ولعلها أيضا المسألة الوحيدة المُمَيِّزَة عمليًّا ونَظَرِيًّا لأيِّ انتماء خارجي. وهذا الاسم من الأسماء التي يتشبَّث بها الخوارجُ؛ لأنها تُقَدِّمُ الاختيار المذهبيَّ على أنه مُطابِقٌ للأحكام الإلهيَّة، والخوارج يلتقون في هذا مع نُظَرائهم من أتباعِ المذاهب الأخرى.

ويُحَبِّذُ الخوارجُ أيضا اسمَ الشُّراة؛ أي الذين شَرَوا أنفسَهم لله. بمعنى باعوا أنفسهم لله على أنَّ لهم الجنَّة، وشعارهم في ذلك الآية: “وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ“.

وهناك أسماء أخرى اقترنتْ بهم وكانتْ مرجِعِيَّتُها مُتَّصِلةً بمكان من الأمكنة التي أقاموا بها معتزلين معسكر علي، خلال أطوار الخلاف معه. من قبيل “الحرورية” نسبة إلى حروراء، و”أهل النهروان“، و”أهل النَّخيلة“. والمُلاحَظ أنَّ هذه الأسماء التي تُعَرِّفُ الخوارج قد اقتصرت على المرحلة الأولى فقط من نشأتها. أما بعد ذلك؛ فقد غاب هذا المعيار وحَلَّتْ مكانَه معاييرُ أخرى في التسمية ذات صبغة سياسية فكرية في الغالب. إنَّ كتابَ العَيْن للخليل وهو أقدم معجم عربي قد احتوى على اسم الحرورية، وكلمة التحكيم، في حين أنه لم يحتوِ على اسم الخوارج مثلما ستفعل المعاجم اللاحقة له. ولا تتوقَّع الوريميُّ أن الخليل قد غفل عن ذلك، ولكن ترى أن السبب في ذلك أنَّ الاسم الذي عُرِفَ به الخوارج في البداية هو الحرورية.

أطلق الخوارج على أنفسهم أسماء تمجيديَّة أخرى مثلما فعل غيرهم من أصحاب المذاهب الأخرى، ولا تخرج دلالة هذه الأسماء عن الهداية والإعراب عن الحق وتمثيل الإسلام الصحيحالتجرب، ومن تلك الأسماء:

أهل الحق“، “المسلمون“، “أهل دين الحق“، “أهل الدعوة المُحِقَّة“، “أهل الدعوة“، “المُحِقُّون“.

وبعد أن ظهرت الانقساماتُ السياسيَّة في صفوف الخوارج ظهرتْ معها أسماء خاصة بالفروع الخارجية المُسْتَحْدَثَة، نسبة إلى الشخصص الذي تأسَّسَ الفرعُ على يديه؛ فمثلا، تُنسبُ الإباضية إلى عبد الله بن إباض، والصفرية إلى عبد الله بن الصفار، والأزارقة إلى نافع بن الأزرق… إلخ.

تختار الوريمي اسمَ الخوارج مستعملة إياه في بحثها؛ لأنَّه تمحَّضَ في الاستعمال للدلالة على اختيار وتجربة مُمَيَّزَيْنِ مَثَّلَتْهُمَا  مجموعةٌ مهمهةٌ من المسلمين. تستخدمه دون توظيف تلك المعاني الحافَّة به سواء أكانتْ تمجيديَّة أم تهجينيَّة[5].

هكذا عالجتِ الوريمي إشكالية المصطلح والمفهوم. وفي المقال التالي، نتناول النشأة السياسية للخوارج من وجهة نظهرها أيضا.

الهوامش:
[1] تعريف بناجية الوريمي بوعجيلة، مؤسسة مؤمنون بلا حدود. 
[2] الإسلام الخارجي، ناجية الوريمي بوعجيلة، دار الطليعة – بيروت، الطبعة الأولى، سبتمبر 2006، ص 5 : 10.
[3] المصدر السابق، ص : 10 : 25.
[4] المصدر السابق، ص 27 : 43.
[5] المصدر السابق، ص 43 : 50.

إعلان

فريق الإعداد

إعداد: عبد العاطي طلبة

تحرير/تنسيق: نهال أسامة

اترك تعليقا