تأخذك إلى أعماق الفكر

حين يُصبح الشيخ قرموطًا!

أنا قرموط… أعجبك!

هذا ما قاله الشيخ (أبو إسحاق الحويني) في إحدى محاضراته، التي تعرَّض فيها للإجابة عن سؤال: هل يضحك السلفيون؟ بدأ يحكي قصة الشاب الذي ظن أنه إن تزوَّج بمنتقبةٍ، فسوف تكون في بيته مثل (الغفير)، ولا تخاطبه إلا بالفصحى، فتقول له: (قم). (اقعد). فدلَّل الشيخ على نعومة النساء كافة، بغضِّ النظر عن زيهن، بهذا البيت:
يُعْرِبْنَ عِنْدَ بُعُولِهِنَّ إِذَا خَلَوْا
وَإِذَا هُمُ خَرَجُوا، فَهُنَّ خِفَارُ
وأخذ الشيخ الحويني يشرح البيت، فقال إن المرأة المنتقبة تظل على احتجابها ما دامت خارج البيت، حتى إذا خلت بزوجها، سارَّته بكلام، لا يقوله (أحسن حَبِّيبة في الدنيا). ثم حانت منه التفاتة إلى شيخ وقور ضخم اللحية عن يمينه، فلاحظ في عينيه حياءً، وعلى شفتيه ابتسامةً محرجةً، فمال عليه وقال: (لا… أنا قرموط. أعجبك).
فضجَّت القاعة بضحكات تلامذته والمريدين.
والموقف – حقيقةً – فيه كلُّ شروط الفكاهة؛ لأن من أهم عناصر المفارقة المضحكة، التناقض الواضح بين حالين، وقلب التوقُّعات. وفي هذا الموقف، كان التناقض على أشدِّه بين الوقار وإظهار التديُّن من جهة، والتبسُّط والمجون من جهةٍ أخرى.
الشيخ الحويني طويل اللحية المحدِّث أسد السُّنَّة العالم بآداب العربية والفقه والحديث (إلى آخر الألقاب التي اختصَّه بها مُحبُّوه)، الذي يقصِده السلفيون من كلِّ صوبٍ ليتعلَّموا منه أمور دينهم، يجري على لسانه كلامٌ سوقيٌّ، لو سمعتَه من أشد العوامِّ ابتذالًا، لأنكرته عليه! فالقرموط – في اصطلاح العوام – جرت العادة على استخدامه للكناية عن الشخص المزفلط (الذي يُحسِن التخلُّص في كثيرٍ من الأمور، ويذهب كلَّ مذهب)، وهو كناية أيضًا عن العضو الذكري! ولا أزال أذكر زميلًا لي في المرحلة الإعدادية، كان من هواياته أن يقف في شباك الفصل في الفسحة، ويتبوَّل على رؤوس زملائنا المتطوِّعين في الشرطة المدرسية، فأطلق عليه الصِّبْية لقب (القرموط)!
نفهم من هذا أن الإنسان إذا أبصر الوقار والمجون (المتناقضين) في وقت واحد، يرتبك عقله للحظة، يصبح بعدها الضحك أمرًا محتومًا، للتفاعل مع هذا الوضع المُربك، وهذا هو جوهر الفكاهة، والأصل الذي إليه تُردُّ أغلب المواقف الهزلية.

ويذكِّرني اجتماع المتناقضات أيضًا، بندوةٍ للدكتور يوسف زيدان، عُقدت ذات يومٍ في مركز الحرية للإبداع بالإسكندرية، وكنت فيها من الحاضرين. كان الدكتور يتكلَّم، ويحرِّك يديه لتوضيح وجهة نظره، ثم سكت فجأة، فانتبهنا إلى سبب سكوته… لحن يملؤه الشجن يصدر عن أكورديون، لا تملك حيالَه إلا أن تطرَب، وهذا ما حدث. أخذ الدكتور يحرِّك رأسه مع كل جملةٍ لحنيةٍ، بمقدار ما تستغرقه من الزمن، حتى انتهى إلى الجملة الختامية، فحرَّك رأسه في اتجاه مختلف، فتصاعدت ضحكات الحاضرين، وعلا التصفيق من هذا المشهد الفكاهي!

وليس هذا الموقف ببعيدٍ عن كثير من مواقف الشيخ الحويني وغيره من قادة الجماهير، في جميع المجالات بمصر.

هم استطاعوا بذكاء أن يدركوا أن الجماهير يريدون (الحَكَاوِي). يتوقون إلى عازف الربابة الذي يَجمعهم ويُضحكهم ويبكيهم، ويتلاعب بمشاعرهم، حتى تمرَّ أوقاتُهم كلمحٍ بالبصر! تأمَّلْ أيَّ شخص ملك قلوب الناس واستطاع أن يجمعهم إليه في مصر، وسوف تكتشف أنَّه يحوي داخل بذلته أو عباءته أو ثيابه الكاجوال بذرة مهرِّج أو مؤدي فقرات استاند أب كوميدي ضلَّ طريقه فتخصص في علم من العلوم أو فن من الفنون! مثل أستاذ الجراحة (معشوق الطلبة في كلية طب الإسكندرية) الذي قرَّر في إحدى محاضرات جراحة الرأس والعنق أن يجعلنا نحفظ هذا العَرَض (Lumps on the gums) بمصاحبة الإيقاع. أخذ يردد العبارة، ويداه المتمرستان باستئصال أورام العنق والغُدَد الدرقية، تدقان على المنصة الخشبية بمهارة إيقاعية نادرة!
اجتماع الوقار والرصانة مع المجون والمواقف المحرجة، أفضل حيلة لإنتاج كوميديا صارخة. وهذه الحيلة ليست وليدة هذا العصر، بل هي ملازمة للبشر في كل زمان.

ولهذا سأختم المقال بقصة طريفة رُويت عن الجاحظ (الذي عاش بين القرن الثاني والقرن الثالث الهجري)، وحوَّلت الشيخ الجليل (الجاحظ) إلى (قرموط) مثير للفكاهة!
رأى الجاحظ جارية في السوق، والنخَّاس ينادي عليها، ويذكر محاسنها، فاقترب منها الجاحظ، وأخذ يتفحَّصها. سألها عن اسمها، فقالت: مكة. فقال: الله أكبر! قَرُب الحج. ثم مال عليها وقال في مجون: أتأذنين لي في أن أقبِّل الحجر الأسود؟! فقالت له: إليك عني. ألم تسمع قول الله تعالى: (لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الأَنْفُسِ)؟!

نرشح لك: الإسلام وتحديات ما بعد الحداثة

إعلان

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.