تأخذك إلى أعماق الفكر

الإسلام وتحديات ما بعد الحداثة

تتمثل أبرز السمات وضوحًا لفترة “ما بعد الحداثة.” التي نعيشها الآن في الهُجوم المتواصل على مفاهيم وحقائق الحداثة.

والحداثة مشروع مضى الآن على تأسيسه نحو أربعة قرون، كان خلالها عمليةً دؤوبة من الابتعاد عن الإيمان والعقيدة (بالإضافة إلى التخلص من الخرافات.) كأساس لفهم الطريقة التي يعمل بها العالم المادي، وقد أقضت الحداثة الاعتماد على العقل والعقلانية والعلوم والوضعية والاتجاهات التجريبية. ونتيجةً لهذه الحداثة، اضطرت كل ديانة لإعادة النظر في الكثير من مواقفها المتأصلة إزاء قضايا العالم المادي، وبحث طبيعة المرجعية الدينية ومصدرها ومداها، وأجبرت كافة الأديان على الاعتراف بأن الفكر الحداثي هو الأساس الفلسفي المهيمن للمجتمع المعاصر.

وقد أنشأت حركة التنوير عقيدة جديدة من الإيمان بقوى التعليم والعقلانية، وبشكل أثار روح جديدة من التفاؤل بقُدرة البشر المتمتعين بالعلم والعقلانية على اتخاذ خيارات حكيمة ومن ثم أخلاقية تحقق العيش الكريم لهم ولمجتمعهم. وبوسع السلطة الآن أن تحوز القبول فقط إذا أبدت المهارة والمعرفة القابلة للإثبات، وليس بالإصرار على احترام التراث والأقدمية. ورغم أن النزعة الإمبريقية (التجريبية) empiricism قد حلت محل التفسيرات الدينية أو الصوفية للعالم المادي، إلا أنها لم ولن تستطيع أن تحل محل الدين في القضايا المُتصلة بالقيم الروحية والأخلاقية؛ فالعلم لا يستطيع إطلاقًا -ولا يُفترض به- أن يقدّم إجابات للتساؤلات الفلسفية على غِرار الهدف من وجودنا على هذا الكوكب، والهدف الذي ينبغي أن تكون عليه حياة المرء، ومعنى الموت وغيره.

ولكن الشكوك الكامنة حول الخصائص الكُلية للعقلانية والوضعية موجودة منذ القُدم في العديد من الأطروحات النقدية التي تناولت مشروع التنوير، حتى مع التقدم الذي أحرزته الوضعية في عصرنا ذي التقدم التكنولوجي والعلمي الملحوظ. وقد وجد الكثير من نقاد الحداثة ما يبرر مخاوفهم ممثلًا في المحنة الأخلاقية التي شهدها القرن العشرين؛ حيث تعرض مئات الملايين من البشر للقتل بسبب آليات الدولة “العقلانية” والأيدلوجيات المادية وبشكل لم يشهد التاريخ مثله من قبل، وهو ما ألقى بشكوك جدية حول قيم بل وصلاحية الأسس الأخلاقية للحداثة.

وكانت الحداثة قد دمّرت التراث واستبدلته بعقلانية (عمياء أخلاقيًا في الغالب) مزعومة، وبيروقراطية رسمية لا أخلاقية، وقوى تصنيع وسوق غير بشرية. بيْد أن المحتوى المادي المنزوع منه الروح الموجود في العقلانية والفكر قد اكتسب أبعادًا أكثر رُعبًا مع ظهور تبعات الحياة السياسية في القرن العشرين؛ فقد وضع نيتشه تأملاته حول المبادئ الأخلاقية والاجتماعية لـ”موت الإله”، وألقى فرويد بشكوكه حول مجرد احتمال وجود عقلانية أصيلة في العقل البشري؛ حيث قال بأن العقل تهيمن عليه قوى غير مرئية من الدوافع والمثيرات والأفكار المتسلطة الكامنة في ثنايا اللاوعي، والتي لا تتبدى لنا بعض ملامحها إلا بالتحليل النفسي.

إعلان

وقد خطا الهجوم على الدين وحكمة السماء خطوةً أبعد مع الظهور التدريجي للفكر ما بعد الحداثي. فمع قدوم ما بعد الحداثة، صار وجود “الحقيقة” في حد ذاته محل شك؛ حيث عُدّت الحقيقة مفهومًا في غاية النسبية. وكانت الرؤية ما بعد الحداثية الكبرى تضم تعددية المنظور، والنزعة النسبية (relativism)، وعدم التوافق الفعلي بين السرديات المتفاوتة لحياة كل منا المتمايزة، والإعلان بأن القوة تحدد ماهية “الحقيقة”. كيف لا يختلف فهم الذكر الأمريكي لـ”الواقع” التاريخي والاجتماعي عن رؤية الأنثى السوداء؟ هل الرؤية التي تنظر بها أمريكا من موقعها المنتصر إلى العالم تحمل أي صلة أو أهمية لرؤية المسلم المغلوب على أمره لنفس الواقع؟ إن حقيقة المحتوى السردي لأي شخص أو ثقافة تختلف بشكل حاد عن نظيرتها لدى أي شخص أو ثقافة أخرى.

إن الاعتراف بتعددية السرد ودور المنظور النسبي في تقييم “الحقيقة” أمر يحرر الذهن من أغلاله من حيث أنه يقدس الفرد، ويشجع على المساواة الاجتماعية والسياسية، ويكبح جماح القيم الأخلاقية الذاتية المفروضة من الآخرين والتي ارتدت عباءة المطلق.

وعليه، فإن الدين يواجه أوقاتًا عصيبة سواء من الحداثي، الذي يستبدل العقل والعلم بالإيمان، أو من ما بعد الحداثي، الذي ينكر وجود أي عقلانية متسقة أو أي حقيقة واحدة أو منظور صالح أوحد في بحر النسبية. ويعبر (مقتدر خان) عن هذا الموقف بشكل بليغ عندما يقول: “إن ما بعد الحداثي، والذي يعاني قلبه، من دون الإيمان، فراغًا؛ وعقله، من دون الفكر، ابتسارًا، قادرٌ على تدمير الأسس الهشة للحداثة والسخرية من ذكريات التراث، بيْد أنه يعجز عن استيعاب انبعاث الإيمان في حقبة ما بعد الحداثة أو التعامل معها. إن من يشنون حربًا خاسرة تحت راية الحداثة ضد ما بعد الحداثة يرفضون انبعاث الإيمان الديني باعتباره عودة لرجعية ما قبل الحداثة”.[1]

ولكن (مقتدر خان) يذهب أيضًا إلى أنه “في الوقت الذي تراجعت فيه أهمية كافة الأديان تقريبًا، وانكمشت لتقتصر فقط على المجال الخاص للفرد أو حتى على العادات والطقوس الموروثة، عاين الإسلام انبعاثًا كبيرًا في القرن العشرين”، وهذا أمر ربما يكون صحيحًا إذا نظر إليه من زوايا عدة، بيد أننا مضطرون لطرح بعض التساؤلات القاسية عن مضمون هذا الكلام في الواقع، هل يُمثل هذا دورةً أخرى من الظاهرة الكلاسيكية المعروفة باسم ظاهرة “البعث الإسلامي”، والتي ظهرت في فترات متنوعة من الأزمات في التاريخ الإسلامي؟ أم أنه يمثل هذه المرة شيئًا مختلفًا بشكل جوهري ويطرح فكرًا جديدًا حول دور الإسلام في الحكم والمجتمع في ظل الظروف الجديدة غير المسبوقة التي بات يعيشها المسلمون، والتي تشمل تيار العولمة الطاغي وانتشار الديمقراطية في مؤسسات الدولة والمجتمع في عالم ما بعد الحداثة؟

إذا كان الإسلام يمر بمجرد دورة أُخرى من التجديد الإسلامي في زمن من أزمنة الأزمات، إذن، فإن الانبعاث الإسلامي الحاضر، وبمجرد تحقيقه لأدواره السياسية والاجتماعية المتمثلة في دفع عجلة التجديد والتغيير في العالم الإسلامي، قد ينتهي مآله إلى التلاشي مرة أخرى، لنفس الأسباب التي نراها تقف وراء تلاشي الممارسة العامة للعقائد الدينية الأخرى. وبتعبير آخر، إذا لم تجد أديان العالم الكبرى الأخرى “إجابات كافية” للأزمات السياسية والاجتماعية الكبرى التي يعاني منها عصرنا الحديث، فهل سيفلح الإسلام فيما فشل فيه الآخرون؟ ولكن تحديات الحداثة وما بعد الحداثة يمكن في الواقع إجابتها من جانب أي دين- على الأقل من حيث إنشاء مؤسسات وقوانين جديدة.

وقد يكمن إسهام كافة الأديان، ومنها الإسلام، على مستوى الضمير الشخصي، والذي من خلاله يجد المرء الإرشاد الأخلاقي في مسار حياته عندما تفشل المسارات العامة القائمة في تلبية الاحتياجات الروحية والأخلاقية للمجتمع. وفي الواقع ترى الجماعات الدعوية أنه لا يمكن أن يقوم أساس دافع لإجراء التغيير الأخلاقي على المستوى المجتمعي والمؤسسي إلا من خلال إصلاح الفرد لنفسه.

وفي الواقع، قد تسِم هذه العملية مستقبل كافة الأديان؛ فقد دخلنا عصرًا يتسم بحدة النزعة الفردية ونسبية القيم. وتأتي الصفات المدمرة اجتماعيًا للحداثة وما بعد الحداثة، بالإضافة إلى المفاهيم الاختزالية للديموقراطية والتعددية والتسامح، لتضع عبئًا جديدًا بالغًا على كاهل الفرد لكي يُحدد كيف سيعيش حياته في ظل مائدة عامرة بأصناف شَتَّى من الوجبات الثقافية والدينية.

ويظهر ذلك بشكل جلي في مفهوم “افعلها بنفسك” الذي بات يسِم الحياة الدينية في أمريكا اليوم، والذي فيه يقرر الفرد أنسب المعتقدات التي تناسب حياته. وما يبدو صالحًا بالنسبة للمجتمع الأمريكي اليوم تميل أوروبا الغربية لتبنيه غدًا، ليس عن محاكاة لأمريكا؛ ولكن لأن أمريكا هي أول دولة تنعكس عليها مظاهر تصاعد نزعة ما بعد الحداثة، ومع مرور بلدان أخرى بنفس التغييرات الاقتصادية والاجتماعية الموضوعية، فإنها ستميل كذلك لأن تحذو حذو الأنماط الأمريكية التي نشأت من واقع ظروف موضوعية بطيئة الانتشار ولكنها مكتسحة.

إنني أرى أن ثمة مسار ما يحمل طابعًا شموليًا يأخذه الدين في تعاملاته وتبادلاته مع الثقافة البشرية، وفي هذا المسار يتأثر الدين بشكل طبيعي بالاختلافات السياسية والاجتماعية والثقافية؛ ولكنه في النهاية يتخذ نفس الاتجاه على المدى الطويل.

ويقدم لنا تصاعد قوى البروتستانتية الإنجيلية اليوم إشارةً موازية على التغيير، خاصة على نحو ما نشهده في أمريكا اللاتينية، والتي تتحدى فيها البروتستانتية الكاثوليكيةَ التقليدية.

فهنا كانت الكاثوليكية لفترة طويلة هي الديانة التي يرثها الفرد عند ميلاده، وحيث تشرف الكنيسة على حياة الإنسان من المهد إلى اللحد بشكل يغلب عليه الطابع الأبوي. بَيْد أن التراث الكاثوليكي يتعرض لتهديد من جانب البروتستانتية الإنجيلية من حيث أننا بتنا نرى فردًا ما، في مكان وساعة معينة، يعلن بشكل طوعي عن ميثاق جديد مع الله، وبشكل تتجلى فيه إرادة المرء المستقلة والتي تختلف اختلافًا حادًا عن حالة الرضا السلبي الخالية من الفكر والتدبر إزاء الحياة في الشرنقة الدينية الثقافية التي وضعته فيها الكاثوليكية منذ مولده.

وفي الواقع، لقد رعت البروتستانتية في التاريخ الغربي نشوء الفرد المتمتع بالاستقلالية على المسرح الاجتماعي والاقتصادي، والقادر على أن يفكر لنفسه في مناخ اقتصادي جديد يشجع المبادرات الفردية. وقد بات واضحًا بالفعل في الكثير من الحركات الإسلاموية اكتساب الأفراد لمسؤولية جديدة في أن يتدبروا بأنفسهم تفسير القرآن وأحاديث الرسول، بدلًا من التسليم بها بشكل أعمى ونابع من التقليد المجرد. وفي فترة الإصلاح الديني، كان هذا المفسر الديني قادرًا على إحداث تطور اجتماعي ملحوظ، ولكنه كان قادرًا أيضًا على الانجراف في تيارات من المعتقدات الدينية والاجتماعية الراديكالية والثانوية. ونجد هذا الأمر يحدث في الإسلام اليوم؛ فالتعليم هو تلك الآلية التمكينية التي تدفع بكافة الأفراد للتفكير بأنفسهم، ولم يعد هناك ما يمكن تسميته بالنموذج الأوحد؛ فهناك نماذج عدة للحياة الأخلاقية والحياة الطيبة، وذلك في سوق من التشكيلات المتنوعة.

وعليه، فإننا ندخل بحق عصر الفردية، وهو نمط حياتي يتطلب مسؤولية أكبر من جانب الفرد إزاء حياته الخاصة، وبشكل ينأى به بشكل متزايد عن أشكال الدعم والتضييق المرتبطة بالقيود التي تفرضها الأسرة أو العشيرة، حيث يتحرر من التضييق الذي كان يمارسه المجتمع المتجانس والمغلق التقليدي القديم، ومن تضييق الدولة الأبوية والسلطوية نفسها. وفي ظل هذه الأوضاع الجديدة، يجد الفرد نفسه مسؤولًا عن تطوير ذاته وتنميتها بدرجة أعلى بكثير مما كان سائدًا من قبل في التاريخ؛ فلن يتسنى لأي مجتمع ودولة تعددية أن تكون قادرة بعد الآن على توفير الإطار الحيوي أو الدعامات والمساند الأخلاقية التي كانت متوافرةً في الدول ذات النمط الأبوي التقليدي.

وبدلًا من أن تؤدي هذه الظروف للتقليل من مكانة الدين باعتباره شيئًا تجريديًا غير ذي أهمية، نجد على العكس، أن دور الدين والقيم، وتحت هذه الظروف تحديدًا، يصبح مهمًّا وجوهريًّا؛ وذلك لأن الفرد المستقل سوف يحتاج -وبشكل أشد عن أي وقت مضى- لإرشادات تعينه وتهديه لسبيله في الحياة. إن قوة وأهمية القيم الدينية الشخصية التي يتوصل إليها المرء بشكل مستقل بناءً على تفكير وتدبر، تكون أعظم كثيرًا من تلك التي يرثها الأبناء عن آبائهم بدون تفكير أو تحليل نقدي. وليست القيم الدينية هي الوحيدة على الساحة، حيث يمكن تبني القيم العلمانية كذلك، بيد أنها تظل في حاجة لأساس متين ولجانب طقوسي بشكل يجعل لها وزنًا عاطفيًّا ومجتمعيًّا كاملًا. إن إيمان الفرد المعاصر سوف يمثل اختياره الفاعل والهادف لتلبية احتياجاته.

إعلان

أفادك المقال؟ شاركنا رأيك في التعليقات.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.

فريق الإعداد

إعداد: بدر الدين مصطفى

تدقيق لغوي: رنين السعدي، أبرار وهدان

تعليقات
جاري التحميل...