تأخذك إلى أعماق الفكر

الحقيقة وراء سندريلا !

لم يقل لي أحدٌ إن الأمير اغتصب سندريلا في الواحدة وعشر دقائق بعد منتصف الليل؛ إذ أغراها بعد الحفل بأن تصعد معه إلى غرفة نومه ليريها خاتم الزواج، وهناك دفعها إلى الأرض، فانكسر كعب الفردة اليمنى من حذائها الزجاجي، وسقط جسدها النحيل على السجادة الفاخرة، قبل أن يهوي عليها الأمير ويغتصبها مهدِّدًا إياها بخنجره. وحين انتهى من هتكها، هربت من القصر بفردة حذاء واحدة، وظلَّت تعرج وتبكي وتنزف طَوال طريق عودتها إلى منزلها.

لم يخبرني أحدٌ بأن الأقزامَ السبعةَ اختطفوا سنو وايت، واستغلُّوها عشر سنوات في أعمال الدَّعارة، وأن الأقزام السبعة كانوا – في حقيقة الأمر – قوَّادين سبعة، جمعوا من عَرَق نهدَيْ سنو وايت ورِدفيها الناصعين ثروةً طائلةً!

لم يروِ لي أحدٌ أن الطفلين اللذَين أنجبتهما رابونزل، وظلَّ الأمير يرعاهما طوال حياته، أثبت تحليل الـ DNA أنهما ليسا ابنيه؛ فقد كان عقيمًا، وهي عانت من الحرمان سنين طويلة، كما أن شهوتها كانت متَّقدةً لأسبابٍ وراثيةٍ لا يدَ لها فيها، وزادها اضطرامًا شَعرُها الطويلُ الذي أوحى إليها شيطانُها أن تستغلَّه مضفَّرًا في ممارساتٍ جنسيةٍ ساديةٍ، كانت تجنِّن عشاقَها!
أصيبت رابونزل بالسيلان والهربس، وأصبح نصفُها السفليُّ مليئًا بالبثور والندبات. ولا يزال زوجُها الأمير يصدِّق كذبتَها، التي ادَّعَتْ بها أن سببَ هذه الأعراضِ تعويذةٌ ألقَتْها عليها الساحرة وهي تهرب من البرج؛ ولذلك تقبَّل بسهولةٍ انتقالَ أثر هذه التعويذة إلى أعضائه التناسلية هو أيضًا!

لم أعلم هذه الحقائقَ الغريبةَ من أحد! بل أسرَّت بها إليَّ كلُّ واحدةٍ من أولئك على حِدَة! أجل؛ فقد صادقتُ سندريلا وسنو وايت ورابونزل، ولكن بعد أن فات الأوان!

ما زلت أذكر يوم أن دعتني سندريلا إلى اللقاء في كافيه سيلنترو. كانت ترتدي – رغم برودة الطقس – بلوزةً تكشف عن ذراعيها المشرقتين، وجيبةً قرمزيةً لا تكاد تلامس ركبتيها؛ وأوشك أسفلت الشارع أن يَشْرَق بالبَشَرِ من نُور ساقيها. لكنني لم ألُمْها على ارتدائها ثيابًا كاشفةً مطمِّعةً لا يُلحِقُ المجتمعُ من ترتدي مثلَها إلا بالعاهرات؛ فقد كانت تُحاولُ أن تُبعِد أنظارَ الناس عن وجهِها المشوَّه الذي جَهَدَتْ لكي تُخفيَ أثرَ الجُرح الغائرِ الذي يحتلُّ الخدَّ الأيمنَ منه، بكريم الأساس… ذلك الجرح الذي أحدثه في وجهها خنجرُ الأمير وهو يباشرُها غَصبًا.

إعلان

كانت تتكلَّم بطريقةٍ طفوليةٍ بدَّدَتْ كلَّ ما يثيره جسدُها العجيبُ من آمالٍ مجنونةٍ. وتبادلنا أحاديثَ كثيرةً وهي ترشف من فنجان الكابوتشينو المتأنِّق، فتنطبع رغوته على شفتها العليا المطليَّة بالرُّوج، في مشهدٍ شديدِ البراءة! وكادت تبكي وهي تخبرني بأنها تجاوزت الثلاثين ولم تجد بعدُ شخصًا يهتمُّ بالنظر إلى عينيها مثلما أفعل، دون أن يرتجفَ من رؤية خدِّها ذي الأخدود العميق، أو يُلصِق عينيه بأحد مفاتنِها نادرةِ الوجود ليريح نفسه من عناء النظر إلى ملامحها.

لم تتزوَّج. تُداري جُرحَ خدِّها بارتداءِ ثيابٍ تصرف الناسَ عن وجهِها. تتعرَّض يوميًّا للتحرش وسوء ظن الناس بها بسبب تشوُّه وجهها الذي يؤوِّله الناسُ على أن حياتَها – حتمًا – كانت حافلةً بالزبائن والمغامرات الصَّاخبة!
وكادت عيناها والله تُسِيلان غديرَين من كحلٍ وهي تحكي عن سعادة أختيها القبيحتين في زواجهما، الذي أنبت حولَ كلٍّ منهما أربعةَ أطفالٍ. أختاها عاشتا في (تبات ونبات) وأنجبتا (صبيان وبنات)! وهي – الحسناء – لم تَلْقَ في حياتها إلا الشقاء، خادمةً ومغتصبةً ومُتَحَرَّشًا بها ومَشكوكًا في سلوكِها!

عرَّفتني سندريلا على صديقتيها الوحيدتين سنو وايت ورابونزل؛ ولم تكونا أفضلَ حالًا منها. قد تجد في صوت رابونزل العالي ومرحها ومزاحها الوقح إشارةً إلى أنها أفضلهنَّ مزاجًا، إلا أنها – خلاف ذلك – تداري اكتئابها، وعجزها عن الإخلاص في محبَّتها لأحد، وخيانتها لزوجها، وكذبها عليه؛ تدارى كل ذلك بادِّعاء السعادة، والمبالغة في الضحك!

حذرني أكثر من صديقٍ من الخروج مع سندريلا وصديقتيها، ومن الانخداع (بأكاذيبهن)، بدعوى أنَّ سلوكَهن شائنٌ، وأنَّ سمعتي أصبحت على المِحَك. وقال بعضهم إن سندريلا هي في الواقع عاهرة فقدت الأمل في الزواج، فأصبحت تتنقَّل كالمجنونة بين الرجال عديمي الخبرة (أمثالي) الذين لن يتأفَّفوا من قبحها، وسيطيرون بهجةً بوجودِ امرأةٍ عاريةِ السَّاقين بجوارهم! وتعجَّبوا من جهلي بهذا الأمر، رغم أن أخبار عَلاقاتها المتعدِّدة قد سارت بها الرُّكبان!

لم أقتنع بأقوال اللائمين. ازددتُ كراهيةً للمجتمع الذي (يقتل القتيل ويمشي في جنازته). لا والله. بل يقتل القتيل، ثم يعيِّره بقُبح جُرحه، ويُرسل ألسنةَ الصِّبْيةِ لتجريسِه، وإذا اهتدت جثته في النهاية إلى لحدٍ يواري تعفُّنَها وانتفاخَها، لم يعدَم مَن ينبشون مثواه، للتمثيل بجثته، على أنغامٍ ناشزةٍ من الضَّحَكاتِ المُتَشفِّيَة!

ولذلك لم أجد عارًا في إقدامي أمسِ على الركوع أمام سندريلا في كافيه سيلنترو، الذي كانت قد دعتني لأن نلتقي به (لأمرٍ طارئٍ)، بعد مرور ثمانيةِ أشهرٍ على علاقتنا. ولم أجد ما يعيب في هيئة ذراعيَّ الممدودتَين بالصندوق الصغير الذي يحتوي خاتم الزواج.
أسعدتني ابتساماتُ روَّادِ الكافيه، وتشجيعُ بعضهم لي، إلا أن تعبيرات وجه سندريلا صدمتني وهي تقول لي أنها لا تعتبرني إلا صديقًا فحسب، وأنها دعتني إلى اللقاء فقط لأكون وسيطًا في الصُّلح بينها وبين طبيب شاب كانت تحبُّه طوال الأشهر السبعة الماضية!
لم أستطع النهوض من على ركبتي ساعتها…
وإلى الآن، لا أستطيع النهوض!

إعلان

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.