تأخذك إلى أعماق الفكر

الحرب الباردة وتأثيرها على الشرق الأوسط

الدور الذي لعبه الاتحاد السوفييتي في مصر حتي انهياره

منذ أكثر من سبعين عامًا «في أواخر أربعينات القرن الماضي»  كان العالم على حافة الهاوية، إذ تنتهي الحرب العالمية الثانية في عام 1945 تاركة وراءها حطامَ دُوَل، وأشلاء ضحايا يتراوح عددهم بالملايين، وملايينًا من الجرحى والأسرى. يترتب علي ذلك تغيرات جذرية فى العلاقات الدولية، إذ تبرز قوتان جديدتان علي الساحة السياسية العالمية، وهما «أمريكا، والاتحاد السوفييتي»، ويحلان محل الإمبراطوريتين الاستعماريتين «الفرنسية، والإنجليزية»، وتبدأ حرب غير معلنة بين القوتين الجديدتين، ما سمي بـ«الحرب الباردة».

ينقسم العالم إلي معسكرين، شيوعي يتزعمه الاتحاد السوفييتي، وليبرالي تتزعمه أمريكا.

دارت تلك الحرب بهدوء بين القوتين اللتين كانتا فى نفس الصف أثناء الحرب العالمية الثانية ولكن بعد انتهائها أصبح الحليفان أعداءً.

وعلي الجانب الآخر ..

تنسحب بريطانيا من فلسطين فيخرج ديفيد بن غوريون معلنًا قيام الدولة الإسرائيلية وعودة الشعب اليهودي إلى ما وصفه: أرضهم التاريخية، أو أرض الميعاد، لتدخل بعدها مصر والأردن والعراق وسوريا ولبنان فى حرب مع الكيان الصهيوني.

إعلان

لم تكن الدول العربية في هذا الوقت مستقرة، بل كانت كثير من الدول العربية تحت حكم الاستعمار، وتعتمد النظام الملكي كنظام حكم، وينتشر بها الفقر وسوء استخدام رجال القصر لنفوذهم.

ونتيجة لضعف الشرق الأوسط كان للحرب الباردة تأثيرٌ كبيرٌ عليه، الحرب التي استمرت لأربعة عقودٍ ونصف العقد من الزمن كانت عبارة عن عملية جراحية عميقة وطويلة لوجه العالم خرج بعدها بحلة مختلفة تمامًا، كانت هذه الحرب صراع قوى وبسط سيطرة وفرض كلمة، مرت سنوات تلك الحرب بأوقات متباينة فيسود الهدوء تارة ويسود الضجيج تارة أخرى، لم تؤثر الحرب الباردة في العالم تأثيرًا مفاجئًا ملحوظًا وإنما غير كل عام من أعوامها الخمسة وأربعين ركنًا من أركان عالمنا بعد مروره!

بدأ تأثير الحرب الباردة يظهر وبقوة فى “آسيا”، فمن فوز الحزب الشيوعي فى الصين -الذي عُدَّ انتصارًا للدب الروسي- إلى الحرب بين الكوريتين التي وصفها “وارين آي كوهين” بأنها (حربٌ غيرت من طبيعة المواجهة السوفييتية الأمريكية، وغيرتها من منافسةٍ سياسيةٍ منتظمة إلى نزاعٍ أيديولوجي عسكريّ يهدد بقاء كوكبنا ذاته) ومن أزمة برلين إلى أزمة الأسلحة الكوبية، بدأت الحرب الباردة بتغيير شكل العالم.

أخذ كل طرف في رسم استراتيجيته الخاصة من أجل فرض سيطرته، منها مثلًا على الجانب الاقتصادي: تبنَّت أمريكا مشروع “مارشال” والدب الروسي كان قد تبنى مشروع “الكومكون“.

مشروع مارشال جوان 1947م

هو عبارة عن مساعدة مالية قيمتها نحو 13 مليار دولار، وسُمِّي باسم صاحبه جورج مارشال وزير خارجية الولايات المتحدة الأمريكية، وُجِّه إلى الدول الأروبية وفق شروط منها: تثبيت سعر العملة والعمل على زيادة الإنتاج الصناعي والزراعي.

كان هدف هذا المشروع إنعاش اقتصاد أوروبا من أجل الوقوف أمام المَدِّ الشيوعي والمحافظة على المَدِّ الرأسمالي في أوروبا وهذا يترتب عليه ربط الاقتصاد الأوروبي بأمريكا فتفرض هي بدورها سيطرتها وهيمنتها علي أوروبا.

منظمة الكومكون

أنشأها السوفييت في عام 1949م، وهي منظمة للتعاون والتبادل الاقتصادي بين دول المعسكر الشيوعي، هدفها تنمية دول المعسكر اقتصاديًا من خلال تنشيط التبادل التجاري وإقامة سوق حرة.

وكان هدف هذا المشروع تدعيم حركات التحرر في دول العالم الثالث التي أنهكها الاستعمار وبالتالي بدأ الدب الروسي في مقاومة الرأسمالية ونشر الشيوعية بعد كسب شعوب تلك الدول.

ومن هنا يأتي دور هذه الحرب في تغيير شكل عالمنا العربي والشرق أوسطيّ

كانت الحرب الباردة السبب في بدء نهاية حقبة الاستعمار التي استغلت تلك الدول وقمعتها وأسكتت أصواتها واعتبرت أهلها مجرد أسرى حرب وغنائم، فسياسة تكوين العالم الجديد الذي تحكمه قوتان عظمتان حملت على عاتقها، ولو من منطق القوة، خلاص تلك الدول من الاستعمار والقدرة على تكوين حركات قومية وحكومات وطنية وأن يحكموا نفسهم بنفسهم للمرة الأولى منذ زمن، فيبدأ الطرف الروسي في محاولة إمساك أيدي دول تخطوا أولى خطواتها في بناء نفسها بعد الاستعمار ليقوم مثلًا بمساعدة ومباركة ثورة 23 يوليو التي قادها قادة في الجيش المصري “الضباط الأحرار” ضد الملك وتغير النظام السياسي بمصر من الملكية للجمهورية وبداية ظهور الاشتراكية كنظام اعتمده عبد الناصر في بداية حكمه.

ومن بعد مصر تزداد الانقلابات وتتساقط الملكيات كأوراق شجر في فصل الخريف وكان عبد الناصر يدعم تلك التغيرات بقوة ويحتمي بالدب الروسي ويوافق على صفقاته العسكرية ويسلح جيشه من الاتحاد السوفييتي في الوقت التي كانت أمريكا تدعم إسرائيل وتسلحها بأفضل وأجدد أنواع الأسلحة.

قام الاتحاد السوفييتي بعقد أول اتفاقية اقتصادية مع مصر حول مقايضة القطن المصري بحبوب وأخشاب، وبقيت العلاقة فى تطور مستمر وظهر ذلك من خلال العلاقة بين الاتحاد و”جمال عبد الناصر” إذ منحته موسكو لقب بطل الاتحاد السوفيتي ووقف الاتحاد مع عبد الناصر في إعلانه لتأميم قناة السويس

رغم ملاحقة نظام عبد الناصر لأعضاء الحزب الشيوعي المصري (الذي كان ينتهج نفس المنهج الفكري للإدارة السوفييتية آنذاك).

ساعد الاتحاد السوفييتي مصر فى تحديث قواتها المسلحة وبناء السد العالي وبلغت العلاقة ذروتها في فترة الخمسينيات والستينيات.

كان للروس دورٌ كبيرٌ في إنشاء مفاعل أنشاص للبحوث النووية.

وكان للاتحاد السوفييتي موقفٌ قويٌّ من العدوان الثلاثي على مصر عام 1956، حينما هدد الرئيس السوفييتي -آنذاك- نيكيتا خروشوف، الدول المعتدية (إسرائيل وبريطانيا وفرنسا)، وأعلن في أكتوبر/تشرين الأول 1956، أنه إذا لم يبادر المعتدون إلى سحب قواتهم، فإن الاتحاد السوفييتي لن يمنع المتطوعين الروس الراغبين في الاشتراك مع شعب مصر في نضاله من أجل الاستقلال، كما هدد بقصف عواصم الدول المعتدية بالسلاح النووي إذا لم يتوقف العدوان ما ساهم في إنهاء العدوان الثلاثي على مصر.

بعد “العدوان” الإسرائيلي على مصر عام 1967، أصدر زعيم الاتحاد السوفييتي آنذاك ليونيد بريجنيف، قرارًا بإرسال حوالي 10 آلاف خبير ومستشار عسكري إلى مصر، كما ساندت موسكو القاهرة عسكريًا خلال فترة حرب الاستنزاف (غارات وعمليات عسكرية متبادلة بين مصر وإسرائيل منذ يوليو 1967، ولمدة 3 سنوات)، وساعدت في بناء شبكة من الدفاع الجوي من أجل تأمين العمق المصري منتصف عام 1970.

لم تنتهِ هذه العلاقة إلا بطرد الخبراء السوفييت من مصر قبل حرب أكتوبر 1973 في عهد الرئيس محمد أنور السادات وبقيت العلاقة بين البلدين مجمدةً لسنوات حتي بدأت في التحسن في عهد الرئيس محمد حسني مبارك ولكنها لم تَدُم طويلًا حتي انهار الاتحاد السوفييتي بعدها بأعوام قليلة لتنتهي الحرب الباردة وتنتهي معها الأيديولوجية الشيوعية وتأثيرها علي دول العالم الثالث.

نرشح لك: عن الحرب الباردة

المراجع
http://www.acrseg.org/36519

إعلان

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.