تأخذك إلى أعماق الفكر

التمييز العنصري بين أبناء العرق الواحد (Colorism)

كيف تعامل هوليوود ذوي البشرة السمراء الداكنة

يحتفي العالم بفيلم Black Pantherالفهد الأسود– الذي أطلق عام 2018 باعتباره فيلمًا رائدًا لا مثيل له؛ فهو أول فيلمٍ يضم طاقمًا تمثيليًا مكونًا بشكل كامل من ممثلين ذوي بشرة سمراء، فضلًا عن كونه أول فيلم تقع أَحداثه بأفريقيا في تاريخ استوديوهات مارفل. ولكن الأمر لا يقتصر على ذلك فحسب؛ حيث تميز من ناحية الحضور النسائي كذلك. فكانت جميع نساء مدينة واكاندا الخيالية ذوات بشرةٍ سمراءَ داكنةٍ؛ وهو أمر نادرًا ما تراه المرأة ذات البشرة السمراء الداكنة في وسائل الإعلام المحيطة بها من كل حدب وصوب. 

حيث تربع هذا الفيلم على عرش الأفلام المقتبسة عن الكتب الهزلية والأفلام الشائعة في عصرنا هذا؛ وذلك بمشاركة الممثلة Letitia Wright في دور Shuri والممثلة Lupita Nyong’o في دور Nakia

ويمكننا ملاحظة تميز هذا الفيلم عن غيره عندما نقارنه بشخصية Storm في سلسلة أفلام X-Men التي أنتجتها شركة Fox؛ فرغم أنّ الشخصية كتبت بالأصل على أنها  مسخ متحول ذو بشرة سمراء داكنة من أصل كيني وأفريقي-أمريكي، تمّ تصوير شخصيتها في الأفلام على أنها ذات عرق مختلط  وبشرة فاتحة -حيث لعبت الممثلة Halle Berry الدور في النسخة التي صدرت عام 2000، بينما لعبت الممثلة Alexandra Shipp الدور في النسخة التي صدرت عام 2016. 

إعلان

كما وتمّ انتقاد الممثلة Alexandra Shipp على أدائها لشخصية Storm في الفيلم الذي صدر عام 2016 مقارنةّ بأداء الممثلة Halle Berry لدورها في النسخة التي صدرت عام 2000. لذلك ابتهج المعجبون عندما سمعوا أنّ ديزني تخطط لشراء شبكة فوكس التلفزيونية وإعادة إصدار سلسلة أفلام X-Men حسب نمط استديوهات مارفل؛ فلربما حينها سيتم اختيار الممثلة المثالية لتأدية دور Storm. إلا أنّ هذه الفكرة لم تعجِب الممثلة Alexandra Shipp؛ حيث عبرت عن رأيها بوضوحٍ في سلسلة من التغريدات السخيفة عبر منصة تويتر ومن خلال شروعها بحملة حظر للعديد ممن يعارِضونها في مواقع التواصل الاجتماعي.

وفي مقابلةٍ لها مع مجلة Glamour تشبثت بآرائها وتمسكت بها أشد تمسك. حيث قالت:

لقد رددت على بعض التغريدات تنتقدني للون بشرتي، بحجة أنّ بشرتي السمراء الفاتحة لا تناسب الدور الذي حظيت به في سلسلة أفلام X-Men؛ فأنا لن أخوض نقاشًا يتمحور حول شخصية كرتونية.

لا يحق لك أن تدَّعي أنّني لا أصلح لدور شخصية كرتونية ابتدعت في ثمانينات القرن الماضي بحجة أن لون بشرتي لا يطابق لون بشرتها. فعندما كنت أقرأ القصص المصورة أثناء طفولتي، كنت أتخيلها تبدو مثلي. فكل فتاة ذات أصول أفريقية ستتخيل أنّ البطلة الخارقة السمراء تشبِهُها.

ولا بأس في إيمان Alexandra Shipp أنّ شخصية Storm الخيالية تعكس شخصيتها وتمثلها بطريقةٍ أو بأُخرى؛ فالعديد من الأشخاص يفضلون شخصياتٍ خيالية معينة رغم أنّ هذه الشخصيات لا تشبههم بشكلٍ كلّي أو حتى جُزئي -وذلك لأنهم يرون تشابهًا بينهما من ناحية ما.  ولكن الجانب غير المقبول من كليمها هو رفضها الواضح والصريح الإقرارَ بظاهرة التمييز العنصري على أساس لون البشرة بين أبناء العرق الواحد وعدم اعترافها بأنها مارست هذا النوع من التمييز العنصري. إلّا أنها ليست أول ممثلة تخطف دورًا مخصصًا لذوي البشرة السمراء الداكنة بحكم لون بشرتها الفاتحة. ولا يقتصر التمييز العنصري على أساس لون البشرة بين أبناء العرق الواحد على عالم هوليوود فحسب. 


وحتى يتسنى لنا اكتشاف السبب وراء ذلك، يتعين علينا الغوص عميقًا في ماهية هذا النوع من التمييز العنصري المعروف باسم “colourism” أو “‘shadeism’”.

يشير هذا المصطلح إلى التمييز العنصري المبني على أساس درجة لون البشرة؛ وبذلك نرى أنها ظاهرة عاشها العديد من ذوي البشرة السمراء الداكنة. وعلى عكس التمييز العنصري بين أبناء الأعراق المختلفة، تنتشر هذه الظاهرة بين أبناء المجتمعات الملونة والعرق الواحد وتعتبر شكلًا من أشكال التعصب الأعمى الخفي. ولا نعني بذلك أن المجتمع يكره الفرد بحكم درجة بشرته الداكنة فحسب، فالتمييز العنصري على أساس لون البشرة بين أبناء العرق الواحد ظاهرة واقعية لها تبعات تؤثر على حياة الفرد. حيث خلصت الأبحاث إلى أن هذه الظاهرة قد يكون لها تأثير على مدة سجن الفرد ذي البشرة السمراء وحالته الاجتماعية-الاقتصادية، وحتى على مدة الفصل من المدرسة التي يتلقاها الطالب ذو البشرة السمراء. 

كما وخلصت دراسة أجرتها جامعة كيب تاون عام 2013 أنّ ما يزيد عن ثلث النساء الأفريقيات يقومون بوضع مواد مبيّضة قاسية على بشرتهن لرغبتهن بالحصول على بشرة بيضاء ناصعة. وحسبما جاء في إحصائيات منظمة الصحة العالمية، تستخدم ما نسبته 77% من نساء نيجيريا منتجات تفتيح لون البشرة؛ وهذه النسبة الأعلى مقارنة باستخدام نساء جمهورية توغو -59%- و استخدام نساء جمهورية السنغال -27%. 

وقد قامت وزارة جمهورية ساحل العاج -حسبما جاء في تصريح لها- بحظر تصنيع وبيع منتجات تبييض البشرة التي تحتوي على الزئبق أو أيٍّ من مشتقاته: كالكورتيزون وڤيتامين A والهيدروكينون إن زادت نسبته عن 2% -والهيدروكينون هو عنصر كيميائي مبيض يستخدم لتحميض الصور الفوتوغرافية. ويعود سبب هذا الحظر إلى أن هذه المنتجات لا تؤدي إلى تفتيح بشرة مستخدميها بشكلٍ سطحي، بل تؤدي إلى حرق الطبقة الأولى من البشرة. كما وتواجه الأمهات اللواتي يستخدمن المنتجات المماثلة صعوبة في إرضاع أطفالهن رضاعةً طبيعية؛ ويُعزى ذلك إلى جفاف القناة اللبنية في الثدي. كما وقد يعاني  ضحايا هذا الشكل من أشكال التمييز العنصري من الشقيقة أو الضغط المرتفع أو سرطان الجلد إثر استخدام المنتجات المماثلة.

وقد شهِدتُ في صغري أمثلةً على هذا الشكل من أشكال التمييز العنصري في وسائل الإعلام؛ حيث تم إعادة صياغة شخصية Aunt Vivian من مسلسل ‘The Fresh Prince of Bel Air’ وشخصية Claire من مسلسل ‘My Wife and Kids’ بشكلٍ جوهري. ومما زاد الطين بلة أنه تم استبدال الممثلة Janet Hubert-Whitten التي تلعب دور Aunt Vivian والممثلة Jazz Raycole التي تلعب دور Claire بِالممثلتين Daphne Maxwell Reid و Jennifer Freeman لأنهما ذوات بشرة سمراء فاتحة. 

وفي حين أنني أتفهم الحاجة إلى استبدال الممثلين بين الحين والآخر خلال صناعة المسلسلات التلفزيونية أو الأفلام السينمائية، إلا أنّ الاختلاف الجذري في لون بشرة الممثلات ليس وليد الصدفة. وغالبًا ما نلاحظ في الأفلام والمسلسلات أنّ الأم تكون ذات بشرة سمراء فاتحة بينما يكون زوجها ذو بشرة سمراء داكنة، وأنّ الابنة تكون ذات بشرة سمراء فاتحة بينما يكون اشقائُها الذكور ذوي بشرة سمراء أغمق. 

ويعتبر اختيار الممثلة الرئيسية لفيلم The Sun is Also a Star مثالًا حديثًا وواضحًا على انتشار هذه الظاهرة في هوليوود. ولكنني وبكل صراحة لم أقرأ الكتاب الذي اقتُبِس الفيلم عنه بعد، إلا أنني أنوي قراءته بحكم أنني نادرًا ما أجِد كتابًا تكون بطلته من أصولٍ جَامايكاية وذات بشرة سمراء داكنة. فلَك أيها القارئ أن تتخيل صدمتي عندما أدركت أن الممثلة Yara Shahidi التي تنحدر من أصول إيرانية وأفريقية-أمريكية قد اختيرت لتلعب دور مهاجرةٍ ذات بشرة سمراء داكنة جاءت إلى الولايات المتحدة من دولة جامايكا رغم أن لون بشرة الممثلة Yara Shahidi لا يناسب لون بشرة الشخصية التي تلعبُها. وهذا بحد ذاته ضايقني. إلا أنّ صدور الصور الترويجية ألهب الجدل بين المتابعين؛ حيث أدركوا أن جميع أفراد عائلة ناتاشا -بطلة الفيلم- كانوا من ذوي البشرة السمراء الداكنة وأن بعضهم كانوا من ذوي أصول جَامايكاية. فلِماذا تخشى هوليوود اختيار ممثلة شابة ذات بشرة سمراء داكنة لتلعب دورًا ابتُكر لأجلها؛ دورًا تستحقه بكل جدارة؟

التمييز العنصري

ونرى في الفيلم المقتبس عن السيرة الذاتية للناشطة والمغنية الراحلة Nina Simone أنها وقعت ضحيةً لتمييز هوليوود العنصري بين الممثلين على أساس درجة لون البشرة؛ حيث اشتعل غضب ذوي البشرة السمراء إثر الاختيار المتحيز لطاقم التمثيل. فبدلًا من اختيار الممثلة Uzo Aduba التي تشبه Nina Simone إلى حدٍّ كبير والتي كانت ستؤدي الدور ببراعة، وقع الاختيار على الممثلة Zoe Saldana. 

حيث تعيّن عليها ارتداء أنفٍ مزيف نظرًا لأن أنفها لا يشبه أنف Nina Simone. وعلاوةً على ذلك، تعيّن عليها وضع مكياج مسرحي يعرف ب”blackface” -وهو مكياج مخصص لذوي البشرة الفاتحة الذي يمثلون أدوار شخصيات ذوي بشرة سمراء داكنة يُبالَغ فيه بتغيير لون بشرة الممثل- وذلك بهدف التغميق من لون بشرتها بحكم أن لون بشرتها بعيد عن لون بشرة المغنية Nina Simone؛ ومن الجدير بالذكر أن هذا النوع من المكياج المسرحي يعتبر إهانة لذوي البشرة السمراء. كان سيكون من اليسير أن يختاروا ممثلة ذات بشرة سمراء داكنة تشبه المغنية إلى حد كبير. إلا أنهم اختاروا ممثلة ذات بشرة سمراء فاتحة تتحدث بلكنةٍ مروِّعة ووضعوا لها المكياج واستعانوا بأنف مستعار واعتبروها الخيار الأفضل. فهل ترون أيها القراء أن المنطق يُملِي عليهم اختيار Zoe Saldana لتمثل شخصية المغنية Nina Simone ولِتزيد من حجم جماهيرها! 

ولا تعتمد أيها القارئ على منظوري فحسب، حيث صرحت الناقدة السينمائية وكاتبة النصوص الترفيهية Clarkisha Kent عندما سألها أحدهم عن رأيها بالتمييز العنصري على أساس درجة لون البشرة في هوليوود قائلةً:

“لم ينتشر هذا الشكل من أشكال التمييز العنصري في هوليوود حديثًا. فالعاملون في هذا المجال لا يكترثون لذلك ولا يهمهم الموضوع من أصله؛ فهم يربطون  الثراء والشباب بالبشرة الفاتحة. ولولا هذا الربطِ المُجحف لَتوقفوا عن التمييز بين الممثلين على أساس درجة لون بشرتهم. كما ويمارس ذوو البشرة السمراء الذين يعملون في صناعة الأفلام والمسلسلات هذا الشكل من أشكال التمييز العنصري. ولن يتوقفوا عن ممارساتهم هذه ما لم يواجهوا تبعات ذلك. وتعتبر سلسلة أفلام X-Men مثالًا على العنصرية المنتشرة في هوليوود؛ حيث قام أحدهم بوضع جميع ممثلي هذه السلسة من ذوي البشرة المختلطة في خط متوازٍ مع شكل الشخصيات الأصلي الموجود في الرسوم الكرتونية؛ وقد كانت النتيجة مخزية إلى حد كبير.

التمييز العنصري

حيث تم اختيار ممثلين ذوي بشرة سمراء فاتحة أو ذوي بشرة مختلطة تميل إلى البشرة البيضاء. وقد كان اختيار ممثلي شخصيتي Reyes و Sunspot سيئًا لحد كبير لسببين اثنين:

  1. عملية المحو الثقافي لِذوي الأصول الأفريقية-اللاتينية
  2. لون بشرة Sunspot الأصلية كان داكنًا بشدة، لدرجة أن الكتاب طرحوا موضوع العنصرية في إحدى القصص. 

وأضافت قائلةً: “كان فيلم Black Panther فيلمًا استثنائيًا أحدث تغييرًا ملموسًا في الساحة؛ حيث أعطى الناس أملًا وحفزهم على التفكير بأسلوب آخر، فَشرعوا يقولون: ‘إن كان بإمكان هذا الفيلم ضمُّ طاقمٍ متنوعٍ من ذوي البشرة السمراء الداكنة بشكل صحيح، فهذا يعني أنَّ بإمكاننا أن نقوم بذلك.’ سيبقى هذا الفيلم استثناءً من قاعدة التمييز العنصري التي تتبعها هوليوود ما لم نبتكر نمطًا لتتبعه هوليوود فيما يتعلق بهذا الموضوع”. 

نرشح لك:

أيهما تفضل: أن تكون عنصريًا أم أن تؤمن أن لا وجود للعرق أساسًا؟

إعلان

مصدر المصدر
فريق الإعداد

إعداد: راما ياسين المقوسي

تحرير/تنسيق: نهال أسامة

تدقيق لغوي: ندى حمدي

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.