تأخذك إلى أعماق الفكر

لا للتعايش، لا للتسامح، لا للاختلاف، لا للاعتراف

توطئة

إنّ الثقافة السياسية الشعبوية التبسيطية السائدة، تكرر كثيرًا كلمات تفتقد المطابقة التاريخية في هذه المرحلة التاريخية المشخصة في عالمنا العربي، كلمات مثل التعايش، والتسامح؛ ولكن أيضًا الأكثر عمقًا وسعةً ودقةً منها هو مصطلح الاعتراف، فهناك فلاسفة ومفكرون يدعون إلى سياسة الاعتراف. نحن هنا نقدم نقدًا صارمًا وقويًا لحق الاختلاف وسياسة الاعتراف هذه من موقع المسؤولية الفكرية والسياسية والأخلاقية إزاء الدماء الزكية التي تسيل والضحايا الأبرياء في منطقتنا العربية.

مقدمة

إن إحدى السّمات الأكثر بروزًا للسّياسة في عصرنا هي تنامي طلب الجماعات الثقافية المختلفة على الاعتراف لها بهويّة خاصّة مميّزة. فمطلبها الأساس أن ينفتح النّظام السياسيّ الديمقراطيّ تجاهها ويتخلّى عن السّياسات والإجراءات التي تضرّ بها أو تتجاهلها، وأن يتمّ الاعتراف بها على قدم المساواة مع الهويّة الثقافيّة للأغلبيّة أو الهويّة السائدة.
وترد هنا عند الوهلة الأولى جملة من الأسئلة من مثل:
ـ ما هو حجم الاعتراف المطلوب؟
ـ كيف ينشأ؟
ـ وهل هو مُبرّر طبقًا لشروطه الخاصة؟
ـ وهل سيكون الإجماع عليه متوافقًا مع الشّروط السياسيّة للديمقراطيّة النّاجحة؟
سأتناول هنا العلاقة بين الهويّات الجماعيّة والهويّة الوطنيّة في إطار ديمقراطيّ، لكنّي سأقدم أيضًا نقدًا لفلسفة أو سياسة الاعتراف من وجهة نظر جمهوريّة.

سياسة الاعتراف

تتجاوز سياسة الاعتراف التّسامح كما فُهمَ في المجتمعات الليبراليّة، فسياسة التّسامح تنطوي على قدر من حريّة الجماعات في تأكيد هويّاتها والتّعبير عن قيمها الثقافيّة خاصّةً. بحيث يكون دور الدّولة هنا سلبيًّا أي لا ينبغي لها إجبار الأقليّات على التكيّف، وإطاعة الثقافة السائدة، ولا أن تُقيم الحواجز التي تُعيق ازدهار ثقافات تلك الأقليّات. إضافةً إلى ذلك، تقع على الدولة مسؤولية إيجابية أيضًا هي حماية ثقافة الأقليّات عندما يجد أعضاؤها أنفسهم في منافسة غير متكافئة مع الثّقافة السّائدة. (الذين يمثلون هذا الموقف:
Raz,J,. Ethics in the Public Domain (Oxford, Clarendon Press, 1994); Kymlicka, Multicultural Citizenship (Oxford, Clarendon Press, 1995).

لكن هذا يعتبر غير كافٍ بالنّسبة لمؤيّدي سياسة الاعتراف لأنّه يحاصر الجماعات في مجالها الخاصّ، ولا يوفّر لهويّاتها فرصةَ الحصول على تأييد الفضاء العام. هذا الفضاء الذي يخضع –طبقًا لرأي مؤيّدي الاعتراف- لقواعد تبدو عامّة ومحايدة ثقافيًّا، ولكنّها في حقيقة الأمر تعكس القيم الثقافيّة للفئات الاجتماعيّة المهيمنة. تقول آرز موران يونغ بوصفها من أبرز المدافعين عن سياسة الاعتراف في كتابها العمدة “العدالة وسياسة الاختلاف” (الذي سأعتمده وأعود إليه دائمًا فالنقد يوجه للرؤية التي تقدمها يونغ في كتابها المرجع هذا): فـ(تقدّم وجهة نظر الذين يتمتّعون بالامتياز تجربتهم ومعاييرهم الخاصّة كشيء معتاد ومحايد، وإذا اختلفت تجربة بعض الجماعات عن هذه التّجربة المحايدة أو لم تَرْقَ إلى معاييرها يُنْظَر للاختلاف وكأنّه قد بُنيَ على نحو منحرف واعتُبِرَ ذو منزلة أدنى. فلا يتمّ فقط تجاهل وكتم تجربة وقيم الجماعة “المنحرفة” ولكنّ المضطهدين يصبحون في وضع غير مُواتٍ بسبب هوّياتهم المختلفة).

إذن، من هذا المنظور لا يمكن للفرص المتكافئة أن تنشأ بالنّسبة للمجموعات المختلفة التي يأمل الليبراليّون خلقها من خلال سياسات التّسامح، فالمطلوب بدلًا من ذلك أن يحدث تحوّل في المجال السياسيّ ومن خلال ثلاثة جوانب رئيسة:

إعلان

أولًا: تطهير المجال السياسيّ من الإجراءات والرّموز والمعايير التي تجسّد قيم المجموعات التي هيمنت حتى الآن، فعلى سبيل المثال، لا ينبغي أن تقتصر السّياسة على لغة مجموعة الأغلبيّة في مجتمع ثنائيّ اللّغة، أو إعطاء أيّ دين معيّن امتيازًا خاصًّا في الفضاء العام.

ثانيًا: أن تشارك الجماعات في المجال السّياسي على أساس مبدأ المساواة، وتشجيعها على تأكيد هوّيّاتها الخاصّة ووجهات نظرها في سياق القيام بذلك. فمن ناحية أولى يتطلّب هذا الأمر الوجود الفعليّ لأعضاء كلّ جماعة في المحافل السياسية كالمجالس التشريعيّة وغيرها، وبأعداد كافية حتى يكون وجودهم كبيرًا ومؤثّرًا. Philips,A., The Politics of Presence Oxford,) Clarendon Press, 1995). ومن ناحية أخرى أن تشارك تلك الجماعات ليس تبعًا للشروط التي حدّدتها الجماعات الأخرى والتي قد لا تأخذ شكلًا علنيًّا، ولكن وفقًا للوسائل التي تتطلّبها تجربتها الخاصّة، ويترتّب عن هذا حقّ الجماعات في أن تنظّم نفسها بشكل مستقلّ فربّما يكون هذا التّنظيم ضروريًّا لهذه الجماعات من أجل اكتشاف وتعزيز إيجابيّات وخصوصيّة تجربتها الذاتية. Young.167. يحقّ لأعضاء الجماعة مناقشة وتحديد احتياجاتهم ومصالحهم الخاصّة، ونقل تلك المصالح والاحتياجات إلى المجال السياسيّ بعرضها على الجماعات الأخرى التي تعرض هي الأخرى وجهات نظرها الخاصّة وتوصلها بطريقة مماثلة.

ثالثًا: أن تراعي السّياسات المنبثقة عن دوائر صنع القرار حساسيّة الاختلاف بين الجماعات باستبعاد أيّة إجراءات بسيطة ومباشرة لحساب الأغلبية في اتّخاذ القرار، ويحقّ للجماعات الإصرار على سياسة معيّنة تعتبر نتائجها ضروريّة لاحترامها الذاتيّ ورفاهيّتها، وهو ما قد يبرّر منحها حقّ النقض في المجالات السياسية عندما لا تكون المعاملة المتساوية كافية في ظروف تتأثّر بها تلك الجماعات المختلفة بشكل غير متكافئ في السّياسية التي تمّ اختيارها.

تُلخّص يونغ “سياسة الاختلاف” التي تؤيّدها على النحو التالي:

“على الجمهور الديمقراطيّ أن يُقدّم آليّات للاعتراف والتّمثيل الفعّال للأصوات ولوجهات النّظر المميّزة لتلك الجماعات المكوّنة من المضطهدين والمحرومين، وعلى هذا التّمثيل أن يتضمّن الآليّات المؤسّسية والموارد العامّة الداعمة:
(1) التنظيم الذاتيّ لأعضاء الجماعة بما يمكّن من الإنجاز الجماعيّ لقدراتهم وفهمهم وخبراتهم ومصالحهم الجماعيّة في سياق المجتمع.
(2) التّحليل الجماعيّ وتوليد الأفكار عن سياسات تقترح في سياق مؤسّساتيّ بما يُلزِم صنّاع القرار بإثبات أخذهم بالاعتبار وجهات نظر الجماعة.
(3) حقّ الفيتو تجاه السياسات التي تؤثّر عليهم مباشرة”. Young, 184
ويمكن إلقاء مزيد من الضّوء على سياسة الاعتراف هذه بكشف وجوه اختلافها عن نموذجين في السّياسة الديمقراطيّة.
النموذج الأول يهمّ تعدّد جماعات ترى في الدولة الديمقراطيّة ساحة لاختلاف المصالح لذلك فهي في إطارها تفاوض وتساوم بعضها البعض، وهو ما ينتج عنه في النهاية ما يمثّل سياسة تُقيم تسوية عادلة بين مطالب تلك الجماعات.

وإلى أبعد من ذلك تذهب سياسة الاعتراف في طريقين:

الأول: مع ما يواجه تعدّد المصالح من مشكلات يثيرها واقع الجماعات المختلفة التي لا يتاح لها قدرٌ متساوٍ من المصادر التي تؤهّلها لدخول السّاحة السياسية، إلّا أنّ سياسة الاعتراف تفترض أنّ المؤسسات السياسية يمكن أن تكون محايدةً بين الجماعات بعد تحقيق هذا الدخول، حيث يعتمد نجاح كلّ جماعة على قوّة مساومتها، وقدرتها على تشكيل تحالفات. في المقابل، ترى هذه السّياسة أي سياسة الاعتراف أنّ الفضاء العام يتجسّد في معايير تعتبر بعض الجماعات ذات وجود شرعي ومقبول، بينما تنحرف أخرى عن تلك المعايير. وعليه لا تُحلّ مشكلة الجماعات المدرجة في فئة المنحرفة بإعطائها حق دخول المجال السياسي فقط، ولكن بالحصول على اعتراف بشرعيّة الهويات التي تمثلها أيضًا، والتي تنطوي على تحدٍّ للمعايير السّائدة المتعلّقة بتحديد من الذي يـُنظَرُ إليه ويُعوّلُ عليه كمواطن صالح.

الثاني: ينطلق من تصوّر لتعدد مصالح الجماعات يرى أنّه بإمكان هذه الجماعات الوصول فيما بينها إلى اتّفاق حول مطالبها ينعكس في تسوية سياسية منصِفة تحفظ مصالح الجميع. وتميل سياسة الاعتراف من ناحية أخرى إلى إعادة توزيع الفرص والمناصب والثروة وغيرها لصالح تلك الجماعات التي اعتُبرَت محرومة أو مضطهدة، لكن على كل جماعة أن تقدّم تفسيرًا لاحتياجاتها وأن يكون لهذه الاحتياجات وزنًا أخلاقيًّا أو ثقلًا معنويًّا عند أعضاء الجماعات الأخرى، أي إن تحكم قواعد العدالة كل نقاش سياسي حول هذا النّموذج بما يعود بالمنفعة على الجماعات المختلفة.

النموذج الثاني من السياسة الديمقراطية الذي يغاير سياسة الاعتراف هو النموذج الجمهوري، والذي يرى أنّ على الأفراد الناشطين في المنتظمات السياسية تبنّي الهوية الوطنية الجامعة التي تتجاوز هوياتهم الفئوية كأفراد أو أقليات طائفية دينية أو عرقية أو غيرها. فمن المهم بالنسبة للسياسة الديمقراطية طبقًا لهذا النموذج أن تكون جميع وجهات النظر ممثّلةً في الساحة السياسية من أجل الوصول إلى قرارات سياسية عادلة ومتّفق عليها، لذلك على المواطنين أن يتركوا التزاماتهم الشخصيّة وانتماءاتهم لجماعات معيّنة جانبًا ليحاولوا تقييم المطالب المتنافسة اعتمادًا على مدى استيفائها لمعايير العدالة والمصالح المشتركة. ويجد هذا النموذج تعبيره الأكثر وضوحًا وربّما الأكثر تشدّدًا في رأي روسّو المطالِب بمنع جميع العصبيّات في الجمعية التشريعية من أجل أن تظهر الإرادة العامّة.

تزعم سياسة الاعتراف أنّ العمومية التي يطالب بها الجمهوريّون زائفة، وأن المعايير المفترضة لتوجيه النقاش العام هي في الواقع تلك المعايير التي تمّت برعاية الجماعات القويّة القائمة، وأنّه لا يوجد سبب وجيه لأن يضع أعضاء كل جماعة هوياتهم الخاصة جانبًا عند المشاركة في المحافل السياسية لأنّ ذلك سيعني استسلامًا لهويّة مواطنة تصطنع التجانس. تقول يونغ بالضد من النموذج الجمهوريّ إذن، وترى أنّ سياسة الاختلاف تعبّر عن مفهوم الجمهور، “لا يفترض ضمنًا التجانس أو يتبنّى وجهة نظر عامّة واحدة في جميع الأحوال والأمكنة. ما ينبغي معه على المشاركين الديمقراطيين لتعزيز سياسة الاندماج تأييدُ تصوّرٍ لجمهورٍ غيرِ متجانسٍ يعترف باختلاف مواقف الأشخاص ويحترمها بالرّغم من أنّها قد تبدو غير مفهومة تمامًا من قبل الآخرين”. (وجّهت أ. م يونغ نقدًا مشابهًا إلى النظريات الحالية حول الديمقراطية التشاورية في ‘Communication and the others: Beyond Deliberative Democracy’ in Benhabib, S(ed), Democracy and the difference (Princeton, Princeton University, Press, 1996).

إنّ ما وصفت يونغ من سياسة للهوية يمتلك أوجهًا رمزيّةً وماديةً وينطوي من ناحية أولى على اعتراف عام بالهويات الجماعية، وعلى كسب الشرعية للهويات العرقية أو الدينية أو الجنسية التي قد جرت العادة وفقًا لأنصارها على اعتبارها أقلّ شأنًا من الهويّة المهيمنة. وينطوي من ناحية أخرى على إعادة توزيع الموارد لهذه الجماعات، في شكل برامج عملية وثقافية ذات مردودية إيجابية للأقليات. لذلك سيكون من السخرية القول إنّ مفهوم السّياسة الذي تنطوي عليه سياسة الهويّة ضمنًا هو مفهوم رمزيّ بحت، ومع ذلك سأركّز على الجانب الرمزيّ لأنه يمثّل الجانب الأكثر تميّزًا لهذا النوع من السياسة، ويبقى البحث عن الاعتراف من خلال السّياسة باعتبار أنّ الهويّة الجماعيّة ليست آمنةً ما لم تحصل على الموافقة السياسية ظاهرة تتطلب مزيدًا من التّحقيق.

الهويّات الجماعيّة والاعتراف السياسي

ليست هناك حقيقة ذات صلاحيّة كونيّة أو شاملة ترى أنّ الجماعات ذات الهويات الطائفية دينية كانت أو عرقية يجب أن تسعى للحصول على الاعتراف السياسي. وبتعميم عريض يمكن القول كان مطلب الأقليات الأول تاريخيًّا هو أن تُترَك لشأنها من قبل الدولة لكي تحصل على مساحة لتطوير مؤسساتها الاجتماعيّة والثقافيّة. فلم تكن مطالبها تتعلّق برفع حالة اضطهاد أو بالكفّ عن تحويل قسري إلى الدين أو الثقافة المهيمنة. وسيكون من السخف اعتبار كل مطالب الجماعات هو الاعتراف السياسي. ليس لأنّ هذا الاعتراف كان في متناول الجماعات في الماضي ولكن لأنّ هذه الجماعات لا تعلّق أيّ أهمية خاصة على الاعتراف السياسي من قبل من هم خارجها. فكلّ عضو يكسب مكانته واحترامه من داخل الجماعة ورأي من هم خارجها ليس بذي أهمية طالما لا يمثّل خطرًا أو تهديدًا على وحدة وكيان الجماعة أو على مصالحها الخاصّة، لذلك لا تسعى الجماعة للحصول على الاعتراف بها من قبل من هم خارجها ومختلفين عنها في أسلوب حياتهم.

إعلان

فريق الإعداد

إعداد: عليّ رسول الرّبيعيّ

تدقيق لغوي: بيان، أبرار

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.