تأخذك إلى أعماق الفكر

كيف يساهم الجينوم في كتابة التاريخ التطوريّ للبشرية؟

 

بدأت مجلة نيتشر Nature إحدى مقالاتها مرة بعبارة: التاريخ التطوريّ محفوظ في جيناتنا.

وقد تبدو هذة العبارة للوهلة الأولى عاديّة، ولكن هل تساءل أحد عن كيفيّة ذلك؟
كانت الدراسات في القرن الماضي دائمًا ما تعتمد على دراسة السمات الفيزيولوجية للأحافير والتشريح المقارن حيث أننا نستطيع تتبع ما تتيحه لنا الأحافير المتوفرة من تغير للأشكال والسمات الظاهرية لأجسام الكائنات الحية. ولعلّ أكثر ما يهمّنا من بين تلك الكائنات هم البشر.
وكانت الطريقة الوحيدة المضمونة لدراسة تسلسلنا التطوري أو التاريخ التطوريّ عبر الزمن هي مقارنتنا إما مع أجناس بشرية منقرضة أو مع اقربائنا من الرئيسات العليا. وما تزال هناك حتى اليوم أحافير غير مصنفة  ولا يمكن تحديد إذا ما كانت بشرية أم غير بشرية لتقاربها الشديد وعدم اكتمالها.
ولكن عصر الجينوم فتح لنا مجالًا مختلفًا؛ فنحن لسنا فقط قادرين على تحديد السمات الظاهرية ومقارنتها بل أيضًا قادرين على دراسة الكودات الجينية التي تسببت بها، وبالتالي نستطيع التحديد بدقة مستوى النظام الجيني الذي أعطانا سماتنا التي تميزنا عن باقي الكائنات وكيفيّة وزمن نشأة هذة السمات الوراثية.
وبعد التمكّن من تطوير تقنية لفك شيفرة الـDNA لإنسان النياندرتال الذي نشترك معه بسلف بشري مشترك مباشر يرجح بشكل كبير أنه ( هومو هايدلبيرغ )، أصبح بالإمكان تحديد ما حدث لسلالة إنسان هايدلبيرغ حتى انتهى بها المطاف بجنسين منفصلين هما الإنسان الحديث والنياندرتال، والفرق الحقيقي بينهما.
كشفت دراسة لمعهد ماكس بلانك لعلم الآثار التطوري عن التاريخ الجيني الذي جعل منّا بشرًا حديثين وجعل من إخوتنا (التطوريين) نياندرتاليين. حيث قام بتحديد 200 منطقة جينية تعرضت للتغير لدى البشر المعاصرين منذ أن انفصلوا عن النياندرتال، وهذة المناطق الجينية خاصتتنا ساهمت في تطور الأيض لدينا وتطور الجمجمة وتطور المناطق المعرفية بالدماغ.
وهذا ما أدى بـ”آيلو” -وهو رئيس (سابق) لمركز وينر جرين Wenner Gren لأبحاث الأحافير في نيويورك- لطرح السؤال التالي: بما أن النياندرتال عاش في العصر الجليدي لأوروبا، فهل امتلك ميزات وراثية متطورة عنا من ناحية ابقائه دافئًا؟ وهل امتلك سمات جينية معرفية كانت ستسهم في حضارته لو استمر ولم ينقرض؟
إنّ مجال الدراسة الجيني اليوم سيتمكن من الإجابة على هذة الاسئلة عما قريب أو بعد ما وصفه آيلو بتحديد التركيب الوراثي للتنظيم الحراري للنياندرتال. بيد أنّ آيلو كتب هذا عام 2011 ونحن اليوم في الـ2018 نعلم حقًا تفاصيل أدق بكثير عن حياة النياندرتال وحتى عن علاقته بالإنسان الحديث.
وذكر آيلو أيضًا أنه تتم دراسة جينوم لإنسان عاش قبل 50 ألف عام في سيبيريا مستخرج من بقايا إصبعه، مما سيحدّد لنا ما إذا كان هذا الإنسان جنسًا بشريًا آخرًا غيرنا وغير النياندرتال أو لا! وإن كان كذلك فهذا يعني أنّ الهجرة البشرية التي تمت من افريقيا إلى باقي الأرض أكبر مما نعتقد.

هذة لمحة عن كيفيّة إسهام الدراسة الجينية في إعادة رسم تاريخ البشرية واختبار فرضيات عمّا يمكن أن يكون قد حدث.
لمزيد من المعلومات هذا رابط عدد مجلة سايانتفك أمريكان (مترجم):
https://issuu.com/xb4dmox/docs/march-april-2011-oloom/1?ff=true
لمن يريد التعمق في دراسات أصول البشرية وتطورها من الناحية (الجينية – السلوكية- والبايولوجية) فهذا موقع معهد ماكس بلانك لعلم الآثار التطوري:
http://www.eva.mpg.de/index.html

إعلان

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.