تأخذك إلى أعماق الفكر

نقد العلوم الشعبوية

عن استغلال العلم في تمرير الأيديولوجيا

يقول فيلسوف العلوم كارل بوبر: “بالنسبة لموقفي، باختصار شديد، فإنني أدعم العلم والعقلانية، ولكنني ضد تلك المطالبات المبالًغ فيها من العلوم التي شُجبت أحيانًا، على نحو صحيح، بوصفها «علموية». أنا أدعم «البحث عن الحقيقة»، والجرأة الفكرية في البحث عن الحقيقة؛ لكنني ضد الغطرسة الفكرية، وخصوصًا ضد الزعم الخاطئ بأننا نمتلك “الحقيقة في جيوبنا، أو أننا يمكننا الاقتراب من اليقين.”

من الملاحَظ على الساحة الفكرية الآن وجود عدد كبير من الشباب المتحمس للعلم ينشرون ويتناقلون معلومات علمية بشكلٍ هستيري دون تمعن حقيقي في الأمر لقضايا مضمَرة في خبر ما أو في أيدولوجيا لكاتب ما، ووجب التنويه من البداية أنه ليس هجوم على الـبوب ساينس”العلوم الشعبوية” بقدر ما هو إيضاح بعض الأشياء غير الملتفَت إليها ومن هذه النقطة لزم علينا إيضاح عناوين جانبية لهذا المقال:
1. ما هو العلم؟
2. ماهو (البوب ساينس)؟
3. الوضعية المنطقية كأيدولوجيا.
4.الأيدولوجيا أو ما يسمى بالحتمية العلمية.
5. هل يتمتع كل العلماء بالنزاهة العلمية (عن دور الشهرة في البحث العلمي)
6. نصيحة (بيتر مداور) لعالم مبتدئ.

1. ما هو العلم؟

الحقائق Facts

يبدأ العلم بافتراض وجود حقائق فعلى سبيل المثال يقبل العالِم ما تسجله الحواس أو قراءات مؤشرات الأجهزة كحقائق. تكتسب تلك الحقائق مصداقيتها بشرط أن يتفق عليها راصدون مستقلون، أو إذا أُجريت المشاهدات في أوقات مختلفة وأماكن مختلفة وتطابقت النتائج بهذا الأسلوب فقط يمكن استبعاد الآراء الشخصية والمعتقدات الفردية.

مثالًا على ذلك إذا توافقت بالإجماع نتائج عدد من الراصدين المجهزين بأكفاء الأجهزة والتلسكوبات على عدد أقمار كوكب الزهرة ومدار كل منها وحجمه وشكله، في هذه الحالة يمكن قبول نتائجهم كحقائق صحيحة أمّا كون بعض هؤلاء أو كلهم من المعروفين بسوء الطبع أو من ذوي التصرفات غير المقبولة أخلاقيًا مثل تناولهم للكحوليات بكثرة أو ممن يضربون زوجاتهم؛ فهذا لا يمس صحة نتائجهم. الشيء الوحيد المهم الذى يجب عمل كل حساب لمنعه هو عدم السماح بتواجد مؤامرة بينهم، والتأكد من أنهم توصلوا إلى نتائجهم باستقلالية تامة وبعيدًا عن الآخرين. من ناحيةٍ أخرى، فإن أحلام وإلهامات الدراويش، الذين يتمتعون بلا شك بقدر كبير من الاحترام والإجلال، لا يمكن قبولها كحقائق علمية بأي حال من الأحوال حيث إنها لا تعدو كونها تجاربَ شخصية بحتة، كما أنها غير قابلة للاختبار والتكرار والتحقق.

القوانين Laws

ترتَب الحقائق في مجموعات، والعلاقة الرابطة بين مجموعة من الحقائق المندرجة تحت نفس المجموعة تسمى قانونًا أو قاعدة، وهي مجرد تنظيم وترتيب لِما يتم رصده. ونسوق مثالين على ذلك:

إعلان

-إن الضغط الذي تشكله كمية معينة من الغاز على جدران وعاء مغلق يحوي هذا الغاز يتناسب طرديًا مع درجة الحرارة (قانون بويل).

-إن توارث الصفات لا بد أن يتم من خلال وحدات (جينات) تنتقل من الآباء إلى الأبناء والتي تتفرق ثم يُعاد اتحادها مع بعضها بشتى الأشكال أثناء عملية التناسل (قانون مندل).

لابد من وجود حقائق حتى يمكن التوصل إلى القوانين وصياغتها، فالحقائق المجردة تظل عقيمةً حتى يأتي العقل الذي يستطيع أن يميز بينها -العقل القادِر على أن ينظر تحت سطح الحقائق المجردة ليرى أصلَ وروح الحقيقة-، هذا ما يفرّق بين العالِم القدير والمدعي الزائف.

الافتراضات Hypotheses

الافتراضات ما هي إلا تخمينات محتملة تمثل فهمًا مبدئيًا لموضوع البحث وهي توضع بعد ذلك موضع التجربة والاختبار وهاهنا مثالان لهذه الافتراضات:

– يتناسب احتمال الإصابة بسرطان الرئة تناسبًا طرديًا مع عدد السجائر المدخَنة يوميًا.

– تزداد كمية المطر في مكان ما كلما زاد عدد المصلين وزادت دعواتهم بنزول المطر.

للتحقق من صحة أي من الفرضيتين السابقتين لا بد من جمع البيانات بأعداد كافية حتى يصبح احتمال حدوث تذبذب نتيجة الصدفة أبعد ما يكون، وإلّا توصل الإنسان إلى استنتاجات غريبة مثل تزايد عمر الإنسان كلما زادت كمية السجائر التي يدخنها يوميًا أو تناقصت كمية المطر كلما زاد عدد المصلين.

النظرية Theory

النظرية مفهومٌ واسعٌ يقبع في جوهر الفكر. والنظرية تعطي صورةً متكاملةً للأمور الواقعة في مجالها. إضافةً إلى ذلك فلا بد للنظرية العلمية أن تستوفي بعض الشروط الصارمة:

-لابد وأن تتماشى مع كل المشاهدات ونتائج الاختبارات المعروفة.

-لا بد وأن تتضمن مفهومًا جديدًا يتيح لها توقُع نتائج وحقائق غير معروفة مسبقًا ولكن يمكن اختبار مصداقيتها.

حتى ترتفع النظرية من كونها مجرد افتراض مطلي بطلاء الإيمان، فلا بد وأن تكون شموليةً وغير قاصرة على مجموعة ضئيلة من المشاهدات. فمن أكبر محددات النظرية الحقيقية أن تكون شاملةً لعدد واسع من الظواهر، فنجد مثلًا أنّ نظرية الجاذبية لنيوتن تنطبق تمامًا على حالة نملة جالسة على كرة صغيرة كما تنطبق على قذيفة منطلِقة في طريقها إلى هدفها. كذلك على حركة القمر حول الأرض، وعلى مسار الأرض حول الشمس، وعلى حركة الشمس بدورها بالنسبة لباقي النجوم. النقطة الأساسية في مسألة النظرية هي أن تكون عامةً وجامعةً بحيث لا يضطر الفرد إلى اللجوء للاستشهاد بنظريات أخرى كلما أراد تفسير حدوث كل حقيقةٍ جديدة.

من ناحية أخرى، علينا أن نقرّ بعدم وجود تعريف شامل كامل للنظرية العلمية، فكما أكد (كارل بوبر) أحد فلاسفة العلم حين أشار بأن النظرية في أساسها يجب أن تكون قابلةً للنقض حتى ترقى لمستوى النظرية؛ معنى ذلك أنّ على الإنسان أن يكون قادرًا على التعرُّف بوضوح على الموقف الذي إذا طُبقت فيه النظرية قادته المحاولة إلى إجابة محددة للسؤال عمّا إذا كانت النظرية صحيحةً أم لا. فالنظرية التي يمكنها تفسير بعض الأشياء دون التنبؤ بشيء جديد لا يمكن بالتالي دحضُها ونقضُها ولا يمكن استخدامها كنظرية.

إن عنصر النقض مهم جدًا وذو فائدة كبيرة فهو يساعدنا على الفصل بين العلم واللاعلم إلا أن الأمر لا يخلو من بعض العيوب. وللتمثيل على عدم فائدة ذلك العنصر في بعض الأحيان نتناول نظرية “الأوتار الفائقة للجسيمات الأولية”، هدف هذه النظرية في النهاية توحيد كل القوى الأساسية في الكون وكذلك التنبؤ بجميع أنواع الجسيمات الممكن وجودها. وبالمناسبة، فإن النظرية معروفةٌ أيضًا بنظرية “كل شيء”.

للأسف فبالرغم من أن أقوى العقول تتصارع حاليًا مع النظرية في محاولة لاستخلاص تنبؤ ما يمكن إخضاعه للتجربة والاختبار، إلا أن جميع المحاولات قد باءت بالفشل إلى اليوم؛ ذلك لأن النظرية على درجة عالية جدًا من التعقيد الرياضي، كما أن التنبؤات الوحيدة للنظرية فتتعلق بكمّ الطاقة المهولة التي تواجدت وقت بداية خلق الكون بناءً على ذلك فلا يوجد فيها حتى الآن شيءٌ محدد يمكن إخضاعه للاختبار ولا حتى في أكبر المفاعلات النووية في العلم. معنى ذلك أن النظرية تفتقر إلى عنصر النقض ومع هذا لم يتم الاستغناء عنها واعتبارها غير علمية، لعدة أسباب منها: أنها مبنية على أسُس القواعد النظرية الراسخة التي أثبتت نجاحها في السابق، إضافةً لكونها لا تتعارض مع أي من الظواهر المعروفة وكذا فإنها تعطي أملًا معقولًا لتوحيد كل المعرفة المتوفرة حاليًا، كما أنها تعطي أملًا للوصول في النهاية إلى اكتشاف شيءٍ جديدٍ تمامًا. بناءً على ذلك فبالرغم من أنها نظرية غير قابلة للاختبار، إلا أن عنصر الاختبار قد يتوفر فى المستقبل. تجدر الإشارة إلى كلام دوهيم في هذا الأمر حيث قال: “إن كل تجربة مثقلة بنظرية تسبقها.”

الاستقراء والاستنتاج Induction and Deduction
إن التأملَ في المتشابهات ضمن مجموعة ما من البيانات يمكّن الفرد من تجميع المعلومات بأسلوب استقرائي مما يتيح الفرصة لوضع قوانين بسيطة على سبيل المثال برؤيتنا للشمس تشرق كل يوم من الشرق وتغرب في الغرب، نستطيع أن نستقرئ أن الشمس ستفعل نفس الشيء غدًا. وهنا نحب أن نشير إلى أمرٍ في غاية الأهمية على مشكلة الاستقراء ذكرها الفيلسوف (إدورد فيزر) في كتابه”آخر خرافة” حيث يقول:
“مشكلة الاستقراء: تكاد تكون النسبوية هي التحدي الوحيد الذي أثارته الافتراضات الفلسفية المضادة للأرسطية أمام العلم التجريبي، والتي يأخذها معظم فلاسفة العصر الحديث (ومعظم العلماء المحدثين كذلك في تجلياتهم الفلسفية) على أنها مسلّمة. وكما أوضحنا من قبل، فعندما تم التخلي عن مفهومي العلة الغائية والصورية، أصبحت العلل والمعلولات متراخيةً ومنفصلةً عن بعضها البعض، ولم يعُد هناك سبب موضوعي لوجوب أن ينتِج هذا المؤثر ذاك الأثر الكذائي أو هذا الجمع من الآثار، أو لِمَ يجب أن يصدر أي أثر عن هذا المؤثر الكذائي؟ وهكذا نكون قد وصلنا لمشكلة الاستقراء الشهيرة: فكيف نعرف أن ما لم نلحظه يماثل ما نلحظه؟ كيف لنا أن نعلم أن المستقبل سيشبه الماضي؟ إن لم يكن بمقدورنا معرفة تلك الأمور، فيستحيل أن تقوم قائمة للعلم التجريبي، إذًا إنّ من شأنه وصف العالم بالمعنى الأعمّ (كِلا المشاهَد وغير المشاهَد) ومن ثم بالاستناد لهذا الوصف يقوم بالتنبؤات عن العالم. لكن إن لم تكن تتشارك الأشياء في الصور أو الماهيات (العلة الصورية)، ولا يوجد أي شيء جوهري يشير إلى ما هو خارج عن ذات الأشياء (العلة الغائية) إذًا فكيف لنا أن نستدل على ما لا نلاحظه بما نلاحظه؟ أو بالحاضر والماضي على المستقبل؟
تلك هي مشكلة الاستقراء كما خلّفها لنا هيوم (مرة أخرى نرى أنّ ما تُسمى بالمشكلة التقليدية للفلسفة لا تعود إلا لأوائل المحدثين فقط، والذين بخلاف القدماء والقروسطيين، اختلقوا المشكلات بدلًا من حلها) قام فيلسوف القرن العشرين (نيلسون جودمان) بطرح لغزٍ فلسفي له صلة بهذا الأمر، ويمكن عرضه كالآتي: لنفرض أن شيئًا ما يُقال أنه “أخرق” إذا ما لوحظ ولونه أخضر قبل زمان معين (وليكن 1 يناير 2010) ولوحظ ولونه أزرق بعد هذا الزمان. الآن، من الواضح أن الزمرد لونه أخضر، ونحن نفترض أنه سيظل لونه أخضرًا حين تأتي سنة 2010. ولكن لِمَ لا نفترض أنه “أخرق” بدلًا من ذلك، وعليه، سيكون لونه أزرقًا بعد 2010؟ فعلى كل حال، الأدلة التي معنا حتى الآن على كون الزمرد أخضرًا تعد دليلًا كذلك على كونه “أخرقًا”. هذا اللغز عصيٌ جدًا على الحل، وأنا ألتزم ألّا حل له بدون الإقرار بأن للأشياء عللٌ صورية وغائية (على سبيل المثال، أن الأخضريةَ جزءٌ من صورة وماهية الزمرد، وأنّ العمليات السببية مثل تلك التي تنتِج الزمرد تنتظم نحو مجال محدد من النتائج)، ولا مفاجأة في أنه كان على (جودمان) أن يكتشف اللغز، فلقد كان واحدًا من الاسمين البارزين في فلسفة القرن العشرين.

أما الاستنتاج فيعمل بطريقة أخرى حيث نبدأ ببعض القواعد العلمية ثم نخلص منها باستنتاج معين باستعمال و تطبيق الحجج المنطقية.

إعلان

فريق الإعداد

إعداد: خالد أبو الخير

تدقيق لغوي: أبرار وهدان

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.