تأخذك إلى أعماق الفكر

الاستثمار في أسواق المال: أخطاء ودروس

ستانلي دراكنميلر: الرجل الذي ساهم في قهر بنك إنجلترا

إن الاستثمار في أسواق المال لعبةٌ خطيرة- حتى بالنسبة للّاعبين الذين يتمتعون بأعلى مستوى من الخبرة والموهبة والعلم، والذين ينطبق عليهم المثل الشعبي المصري: “ما يقع إلا الشاطر”. ولكن من خلال دراسة الأخطاء التي ارتكبوها، يمكننا أن نستخلص دروسًا وعبرًا، ليس فقط كمستثمرين مبتدئين، ولكن أيضًا كبشرٍ عاديين نتحسس طريقنا في حياتنا اليومية.

وربما أعظم درس تعلمته في حياتي من دراسة تاريخ المستثمرين كان على أيدي المستثمر الأمريكي الطموح  Stanley Druckenmiller ، والذي تملّكته، مثلي، رغبةٌ قاهرةٌ في ترك عمله الناجح الذي يجيده إلى عملٍ آخرَ جديدٍ يرى أنه سينجح فيه أيضًا، بل وسيتفوق دون شكٍّ لموهبته وعلمه. ودون الدخول في تفاصيل حياتي التي لا تهم أحدًا، سوف أقص عليكم ذلك الجزء الخاص من حياة ستانلي الذي استخلصتُ منه العبرة الكبرى، ليس في مجال الاستثمار في أسواق المال فحسب، ولكن في حياتي الشخصية أيضًا.

لاتترك مجال خبراتك

في عام ١٩٨٨، تولى ستانلي دراكنميلر استثمارات صندوق مجموعة كوانتوم، التي يملكها المستثمر الشهير جورج سوروس (١٩٨٨-٢٠٠٠)، وعلى مدار اثني عشر عامًا حقق ستانلي ازدهارًا كبيرًا في استثمارات الصندوق  مسجلًا أرباحًا سنوية لم تنخفض أبدًا عن معدل ٢٤٪. وصندوق مجموعة كوانتوم هو  صندوق للاستثمار hedge Fund يستخدم  سياساتٍ وأدواتٍ استثمارية معقدةً وشديدة التطور لجني عوائد تفوق متوسط عائد السوق، ومن الأدوات: المشتقات المالية والعقود الآجلة، أما الأمثلة على السياسات: البيع على المكشوف.

ولعلنا نذكر مضاربات هذا الصندوق بقيادة جورج سوروس وستانلي على الجنيه الاسترليني في عام ١٩٩٢ في مواجهة البنك المركزى الإنجليزي، ليجبره على تخفيضه والتخلي عن النظام الأوروبي، ليحقق مكاسبَ خرافية. ويرجع هذا النجاح إلى قوة معلومات ستانلي، ومتابعته اللصيقة لتطورات الاقتصاد العالمي، وفهمه العميق لآليات حركة أسعار صرف العملات الرئيسية. بالرغم من هذا النجاح، هبط ستانلي دراكنميلر، المستثمر الأمريكي الطموح، من سماء النجاح إلى دنيا الفشل في قصةٍ نستخلص منها العبر، والتي سأعرضها عليكم في إيجاز:

إعلان

(أ) من جنة العملات إلى فقاعة التكنولوجيا

في عام ١٩٩٩، غامر دراكنميلر وقرر الخروج من دائرة خبراته ومجال معرفته الواسع في مجال الاستثمار في العملات، سعيًا وراء شغفه بالاستثمار في مجالات جديدة. وكانت أسعار أسهم التكنولوجيا تشهد في ذلك العام صعودًا أسطوريًّا، لكن ستانلي  توقع انخفاض أسعارها خلال فترةٍ قريبة، وقرر استثمار مقدار ٢٠٠ مليون دولارًا من رأس مال صندوق كوانتوم بناءً على توقعاته بحدوث انخفاضٍ كبير. واستخدم ستانلي أسلوب البيع على المكشوف short selling. ومع الأسف، لم تتحقق توقعاته، واستمرت الأسهم في التصاعد؛ فخسر نحو ١٨٪ من رأس ماله هذه العام.

ماهو البيع على المكشوف عند الاستثمار في أسواق المال ؟

ونقصد بـالبيع علي المكشوف، اقتراض ورقة مالية (أو عملة) من أحد السماسرة، والتعهد بردها في وقتٍ لاحق مقابل رسوم يدفعها المستثمر له، ويقوم ببيعها على الفور بهدف شرائها لاحقًا بقيمةٍ أقل، وبالتالي، تحقيق ربحٍ مساوٍ للفرق بين سعر البيع. وتستخدم سياسة البيع على المكشوف إذا توقع المستثمر هبوط سعر ورقة مالية، كسهمٍ تجاري أو سند، في المستقبل القريب، وهي سياسةٌ معاكِسة لسياسة الشراء بغرض الربح من ارتفاع الأسعار في المستقبل Long selling.

(ب) توبةٌ لم تدم طويلًا

ندم ستانلي على هذه الخسارة ندمًا شديدًا، وقرر العودة إلى مجال خبراته وأحضان معرفته، وهو الاستثمار في العملات، وحقق بالفعل مكاسبَ قويةً جدًّا من تعاملاته في اليورو الأوروبي. لكنه ظل ينظر إلى سوق أسهم التكنولوجيا بعيون طامعة، وتتملكه رغبةٌ شيطانية في مغامرةٍ جديدة، خاصةً وهو يرى زملاءه يحققون مكاسب باهرة، وهو ليس أقل منهم على الإطلاق. قرر ستانلي استثمار ٦٠٠ مليون دولارًا في شركة verisign للشبكات، توقعًا لاستمرار هذه النوعية من أسهم الشركات في صعودها الصاروخي. ولكن لسوء حظه انفجرت فقاعة أسهم التكنولوجيا، وهوت أسعار الأسهم إلى مستويات غير مسبوقة، وحقق خسائر بالغة.

الدرس الأساسي:

لاتترك أبدًا مجال تخصصك وخبراتك بحثًا عن مغامرةٍ جديدة، أو إشباعِ رغبة لا تعرف ملامحها تحديدًا ولم تختبر جنباتها. وإذا أخطأت، عليك التركيز على محو آثار أخطائك السابقة، بدلًا من الدخول في مغامرة جديدة. وعليك أن تتعلم أن الاستثمار في أسواق المال لايختلف كثيرًا عن استثمار عمرك وحياتك نفسها، وأن الحياة نفسها مثل أسواق المال محفوفةٌ بعدم اليقين، ولا تدري  نفسٌ ماذا تكسب غدًا على وجه اليقين، ومهما بلغت الخطط والنماذج الإحصائية من دقة، فهناك دومًا مجهولٌ لن نعرفه.

إعلان

فريق الإعداد

إعداد: سمير الشناوي

تدقيق لغوي: تسنيم محمد

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.