تأخذك إلى أعماق الفكر

الإنسان في مواجهة الظلام – غياب الروحانيات عن العالم الحديث

الإنسان في مواجهة الظلام 'ولتر ستيس'

مقدمة المترجم

“الإنسان في مواجهة الظلام” هو مقال على قدر عالٍ من الأهمية والتأثير على كتابات ولتر ستيس اللاحقة. لم يسبق له أن تُرجم إلى العربية من قبل. يناقش المقال وجهة نظر في غاية الأهمية عن إشكالية غياب الجانب الروحاني من حياة الإنسان في العصر الحديث، أسبابه، ونتائجه على العالم عمومًا، والحضارة الغربية خصوصًا.

وقد رأينا أهمية هذا المقال في هذا الوقت خصوصًا، لعدة أسباب، أولها أنّنا نرى الآن مضاعفات غياب الروحانية في العالم الغربي، والأثر الكارثيّ الناتج عن ارتفاع صوت الراديكالية اليسارية في الفنّ والأخلاق؛ وثانيها أنه وبطبيعة معظم أشباه المثقّفين بالشرق الأوسط، بدأوا باستيراد الجوانب الأكثر سلبية من تلك الحضارة، فلم يبدأوا بحركات تنويرية لنشر الثقافة العامة، ومن ثمّ إثرًا لتلك الحركة يبدأون بمهاجمة الدوجما الدينية وبعض المسلّمات المضرّة بالمجتمع، ومن ثمّ مهاجمة الجذور الدينية بعد استبدالها بقيم إنسانية قائمة على أساس علمانيّ، بالطبع مع المرور على العديد من المراحل الانتقالية.

لكن ما حدث هنا أنهم بدأوا بمهاجمة جذور الدّين مباشرة دون صنع قاعدة عامة مستعدة للتلقّي. مما أدى لحدوث استقطاب في المجتمع، فأحد الطرفين صدر عنه ردّ فعل عنيف، دفاعًا عن معتقداته، فارتدّ إلى الرّجعية أكثر. والآخر فَقَدَ كلّ قِيَمه الروحانية ووقع في هوّة القلق الوجوديّ ونسبية كلّ شيء.

لم ينجُ من هذا الخطأ إلا ذو الوعي العالي من أمثال فرج فودة، ونصر حامد أبو زيد. ومن هنا بالذات تأتي أهمية هذا المقال، فعلى الرغم من أنه كُتب في منتصف الأربعينات، إلا أنه تنبّأ  تمامًا بقدوم الكارثة، وحاول وضع حلول مقترحة لها، مع استبعاد ما قد يكون فاسدًا منها. وكانت أهمية نقله للعربية أنّ تلك الكارثة انتقلت كالعدوى من غرب أوروبا إلى الشرق الأوسط تحت ضغط العولمة، فبينما كان لثقافات أخرى عوامل دفاعية، مثل الحضارة الشرق اسيوية عمومًا واليابانية على سبيل المثال التي تمسّكت بقيمها التقليدية فلم تفقد هويتها بالكامل؛ تماهت الثقافة العربية بشكل سيّئ مع الثقافة الغربية، فلم تنتقل إليها الحداثة الغربية بعيوبها ومميزاتها، لكن انتقل إليها فقط التحديث، مع كلّ الكوارث الفكرية للحداثة، فأصبحت ترى المشاكل الفكرية للغرب تحت غطاء الثقافة الشرقية.

وكان المقال قد نُشر في عدد أيلول (سبتمبر) سنة 1947 من مجلة اطلانطيك الشهرية.

إعلان

كتابة: ولتر ستيس 
ترجمة وتقديم: عبدالله أمين
مراجعة وتعديل: أسماء الخولي

1

أصدر الأساقفة الكاثوليك في أمريكا مؤخرًا بيانًا قالوا فيه أنّ حالة الارتباك والفوضى التي تُنهك العالَم الحديث تعود إلى هجر البشر للإيمان والدين والإله. من جانبي، أنا لا أؤمن بأيّ دين إطلاقًا، لكنني أتفق تمامًا مع تصريح الأساقفة، على الرّغم من أنه تبسيط مُخِلّ غير وافٍ لحالة معقّدة متعدّدة الأسباب يقبع فيها العالم الحديث اليوم. لكن من زاويةٍ ما وبعد القبول بدرجة من التبسيط، فكلام الأساقفة على جانب من الصحة.

يصِف جان بول سارتر – الوجودي الفرنسي – نفسه بأنه ملحد، ومع هذا تبدو آراؤه  داعمةً لموقف الأساقفة، حيث يقول “طالما اعتقد البشر بوجود إله في السماء، فيمكنهم الركون إليه كمرجع أخلاقي … فحكم إله أبويّ ودود للكون جعله مسكنًا آمنًا للبشر؛ إذ أنّ المؤمن واثق أنه مهما عظُمت قوى الشرّ، فلابدّ أن ينتصر الخير ويسود على قوى الفساد في النهاية. لكنّ الأمور انقلبت بعد أن أطاحت العلوم بعرش الله السماويّ؛ فتحوّل العالَم من مكانٍ يحكمه كيان روحانيّ إلى ماكينة عمياء حيث لا يوجد موضع بين تروسها لأيّ شكل من أشكال المُثل”. لكنها– المُثل– يمكن أن توجد داخلنا، ولذلك يجب علينا اختلاق مُثلنا العليا من عقولنا، يجب أن تنبع من وجداننا الخاص، وهذا لأنّ العالم حولنا ميّت، فارغ من الروح. مع الوضع في الاعتبار أنّنا لا نعيش في كونٍ يأخذ جانبنا، أو تمثّل قِيَمنا أيّ فارق له.

عبّر برتراند رسل عن نفس الرأي منذ سنوات مضت في مقاله المعنون بـ (عبادة الإنسان الحُر): “يقدم لنا العِلم عالمًا بلا غاية، مفرّغًا تمامًا من المعنى، لذلك ومن الآن فصاعدًا، يجب على مُثلنا وقيمنا أن تجد وطنًا … فـفي عالم لا يفرّق بين الخير والشرّ، مُمعِن في التدمير مستعرضًا قوّته المطلقة بطريقة لا هوادة فيها، يعيش الإنسان محكومًا عليه بالفناء. فاليوم يشهد موت أعزّائه وغدًا يعبر من نفس البوابة إلى ظلام المجهول. ليس لنا إذًا سوى أن نتمسّك بالأفكار السامقة التي تحيط أيّامنا المعدودة بهالة من النّبل قبل أن يقع المصير المحتوم، أن نتعبّد في ضريحٍ بنيناه بأيدينا، أن نتكبد المعاناة بمفردنا، كأطلس[1] متعَب لكن مثابر، حيث نشكّل العالم وطنًا طبقًا لقيمنا رغم أنف المسيرة الواطئة لقواه اللاواعية.

تختلف رؤية رسل لنتيجة اختفاء الدين عن رؤية الأساقفة، ورؤية سارتر، ورؤيتي. فيرى الأساقفة – وأنا بنفس الفريق –أنها كارثة مفجعة. ويرى سارتر أنّ الأمر “محزن للغاية”، ويفضح ضحالة موقف من يظنّ أنّ العالم سيستمرّ كما هو دون إله كأنّ شيئًا لم يحدث. فغياب الدين، من وجهة نظره، يخلق أزمة فظيعة، وأنا أوافقه الرأي. وعلى الجانب الآخر يوجد موقف رسل، الذي يرى أنّ إثم الدين أكبر من نفعه وأنّ اختفاءه سيحوّل العالم لمكان أفضل، لكنه يتفق وسارتر في رؤيتهما للعالم والعقل الحديث. حيث يؤكّدان على عبثية العالم، وحقيقة أنّ مُثل الإنسان لا يمكن سوى أن تكون من صنعه، وأنّ الكون حوله لا يسانده بأيّ شكل، وأنّ الإنسان وحيد بلا داعمين في هذا العالم.

وقد سلّط رسل الضوء على دور العلوم في إنتاج الموقف الحالي. كلامه على جانب كبير من الصّواب بلا شك، لكنه لا يوضّح كيف أوصلتنا العلوم الطبيعية لهذه النقطة، فيوجد مثلًا اعتقاد سائد أنّ بعض الاكتشافات العلمية المحدّدة أو النظريات، مثل نظرية التطور الداروينية، أو اكتشاف الجيولوجيين لعمر الأرض الحقيقي، وما شابه تلك الاكتشافات هو السبب الوحيد وراء انهيار القيم الروحية. بالطبع سيكون من الحماقة نفي أنّ تلك الاكتشافات قد ساهمت في تقويض الجزمية (الدوجما) الدينية، لكنّ هذه النظرة لا تنفذ لـلُبّ الموضوع. فبإمكان الأديان الصمود أمام أيّ اكتشاف علمي حديث، بل ويمكنها أن تتكيف معه، ولذلك فإنّ السبب الجذري لاضمحلال الإيمان ليس اكتشافًا علميًا محددًا، إنما روح العلم بشكل عام وبعض الافتراضات الأساسية التي اعتمد عليها العلم في بدايات القرن السابع عشر وما تلاه.

2

لقد كان جاليليو ونيوتن – على الرغم من أنّ نيوتن كان شديد التديّن – من دمّرا الصورة المريحة القديمة للعالَم الودود المحكوم من قِبَل قِيَم روحانية. وهذا الدمار ليس بسبب اكتشاف نيوتن لقانون الجاذبية، أو بسبب اكتشافات جاليليو العبقرية، لكن بسبب النظرة العلمية البحتة للكون التي ساهما مع باقي علماء هذا القرن في تأسيسها. ولم تكن تلك النظرة قاصرة على زمنهم، ولكنّها عبَرت إلى الأجيال التالية وصولًا للحاضر. وهكذا أصبح القرن التالي لنيوتن – القرن الثامن عشر– قرن التشكّك الديني، حيث لم ينتظر الشكّ اكتشافات داروين والجيولوجيين في القرن التاسع عشر، لكنّه اجتاح العالم مع نهضة العلم.

وبالتالي لم تكن الفرضية الكوبرنيكية، أو أيّ من اكتشافات نيوتن وجاليليو هي السبب الحقيقي، فقد يتمكّن الدِّين من نسج علم الفلك الحديث بداخل شبكته المعرفية، لكنّ المنحنى الفاصل الحقيقي بين إيمان العصور الوسطى وتشكّك العصور الحديثة كان هجر علماء القرن السابع عشر لما يسمّى بـ (الغائية).
العلّة الغائية لشيء ما هي الغاية المرجوّة من وراء وجود هذا الشيء والوظيفة التي يؤديها في الكون، بمعنى آخر، هدفه الكوني؛ فعلى سبيل المثال، يمكن تفسير الغاية من وجود الشمس والقمر بالقول أنهما قد خُلقا ليُمدّا البشر بالضّوء. ويقبع خلف هذا المعنى افتراض مسبق بوجود خطّة كونية حيث لكلّ شيء غاية حتى إن لم نكن قادرين على معرفتها، ويمكن التوصّل إلى هذه الغاية عن طريق تحليل الدَّور الذي تلعبه الأشياء في هذه الخطة.
وهكذا، فإنّ الإيمان بالغائية بمثابة الإيمان بأنّ الكون محكوم بغاية، وغالبًا ما تكون غاية عقلٍ متعالٍ (لوجوس). وهذا الاعتقاد ليس اختراعًا مسيحيًا، فهو منتشر في كلّ أركان الثقافة الغربية، سواء في العالم الوثني القديم حيث آمن به سقراط وأفلاطون وأرسطو، أو في العصور الوسطى ذات النزعة الدينية، وحتى نهضة العلم في القرن السابع عشر.

وكان مؤسّسو العلم الحديث – جاليليو ونيوتن وكيبلر على سبيل التّعداد لا الحصر– رجالًا متديّنين. لم يشكّكوا أبدًا في الخطة الإلهية، ومع ذلك فقد أخذوا تلك الخطوة الثورية المتمثّلة في إقصاء التفسير الغائيّ المسيطر على الطبيعة عن علومهم الطبيعية الجديدة، وكان هذا بسبب معرفتهم أنّ الرّكون إلى الغائية غير مجدٍ لهدف العلم الأساسي؛ وهو التنبؤ بالأحداث والتحكم بها، فالتنبّؤ بالكسوف، يجب أن تُعرَف مسبّباته لا الغاية من ورائه. ومن هنا، أصبحت علوم القرن السابع عشر تدور بشكل حصريّ حول الأسباب وتمّ الإعراض عن مفهوم الغائية وتجاهله تمامًا. وهذا الإعراض، على الرّغم من كونه صامتًا وغير ملحوظ، إلا أنه كان أعظم ثورة في تاريخ البشرية ويفوق في أهميته أيّ ثورة سياسية تردّد صداها بين جدران العالم.

ذلك أنّ ما جرى هو أنه خلال الثلاثة قرون الماضية، تشكّلت في عقول البشر، التي استمرت هيمنة العلوم عليها، صورة خيالية جديدة عن العالم. والعالَم – وفقًا لهذه الصورة –أجوف، فارغ من المعنى، مجرّد من الأهداف، حيث ما الطبيعة إلا مادة في طَور الحركة، ليست محكومة بهدف، بل بقوانين وقوى عمياء. يقول وايتهد – الذي أُدين إليه بكتاباتي في هذا الجزء–  عن الطبيعة من هذا المنظور: “مجرّد حركة للمواد، بلا نهاية، وبلا هدف”.

يمكنك رسم خطّ واضح يقسم تاريخ اوروبا إلى عصرين غير متساويين في الطول، هذا الخطّ يمرّ بحياة جاليليو، حيث آمن الرّجُل الأوروبي قبل هذا الخط – سواء كان وثنيًّا قديمًا، أو مسيحيًّا حديث العهد – بكونٍ محكوم بغاية يسير حسب خطة مسبقة، ولكن بعد جاليليو اعتقد الرجل الأوروبي بكونٍ بلا غاية تمامًا، وتلك هي الثورة العظيمة التي أشرتُ إليها.

 

والتحوّل الصّامت من الغائية إلى العدمية هو ما قضى على الدّين. فقد استطاع الدّين أن ينجو من الصدمة التي سبّبها اكتشاف مركزيّة الشّمس لا الأرض، أو أنّ أسلاف الإنسان تعود للرئيسيات – القرود والسعادين– أو أنّ عمر الأرض مئات الملايين من السّنين. ومع أنّ هذه الاكتشافات قد حدّت من القدرة التفسيرية المطلقة لبعض المسلّمات الدينية وحصرتها في أزمنتها المنصرمة، مجبرةً رجال الدين على إعادة قولبتها في أُطُر فكرية جديدة، إلا أنّها لم تمسّ جوهر الرؤية الدينية بسوء، المتمثّل في الإيمان بوجود خطّة إلهية وغايةٍ نهائية لكلّ شيء، وحيث للعالم نظام أخلاقي، وأنّ كلّ شيء يتحرّك نحو الأفضل. ويعبّر هذا الإيمان عن نفسه في العديد من العقائد المختلفة كالمسيحيّة والهندوسية والإسلام، ومن الممكن مهاجمة وتقويض تفاصيل تلك العقائد بدون تدمير جوهرها. لكنّ هذا الجوهر لا يمكنه النجاة إذا تمّ خنق الاعتقاد في الخطّة الإلهية والغاية من الحياة، لأنّ هذا الاعتقاد هو قلب الإيمان وجوهر الروح الدينية. يمكن للأديان التكيّف مع أيّ جديد في الفيزياء، والأحياء، والجيولوجيا، والفلك، لكن لا يمكنها التكيّف في عالمٍ فارغٍ من المعنى والهدف. فإذ كان الكون بلا معنى وبلا غاية، فإنّ حياة الإنسان، كانعكاس شرطيّ، بلا معنى وبلا غاية أيضًا، فيصبح كلّ شيء بلا قيمة ويذهب كلّ جهد سدىً. قد يستمرّ البشر بالطبع باللهاث خلف غايات مختلفة مثل الشهرة، أو الفنّ، أو العلوم، وقد يستطيع من يظفر بها أن يشعر بالسعادة، لكن ستظلّ حياته مجوّفة، بلا محور تدور حوله، وهكذا تدرك كمّ الاستياء، والخذلان، والتشويش القابع في روح الإنسان الحديث.

إعلان

مصدر MAN AGAINST DARKNESS

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.