تأخذك إلى أعماق الفكر

ألعاب الأطفال و قوالب التنشئة الضيقة

إنّ المراحل العمرية الأولى في حياة الطفل هي من أهم المراحل التي يمر بها من الناحية النفسية والبنائية لشخصيته الجندرية والاجتماعية، تحديداً للمكانة التي يشغلها والدور الذي عليه تمثُله و الالتزام بما يقتضيه من أنماط ومعايير محددة، وينحصر هذا الاكتساب للكم الهائل من المعايير والقيم في المراحل العمرية الأولى من خلال التنشئة الاجتماعية للطفل، وبدراسة تنشئة الطفل فإننا نجدها تتأثر -بشكل أو بآخر- بـ الألعاب والألوان المحددة حسب جنس الطفل؛ فنحن نبدأ بتعيين ألوان وألعاب لتتناسب مع جنسه ودوره الاجتماعي لاحقاً، كجلب ألعاب الأدوات المطبخية للفتيات والدمى التي عليها أن تهتم بها كأن تُلبسها أو تُطعمها، وألعاب الدراجات والسيارات للفتيان بالإضافة إلى ألعاب أدوات الطبيب. وإن حصل أيّ تغيير في توزيع تلك الألعاب كجلب لعبة سيارة لفتاة فحتى تلك السيارة ستكون ذات لون وردي مثلاً، وما أن يبدأ الأطفال باللعب بهذه الألعاب يتمسكون بها ويهتمون بها أكثر ويطلبون المزيد منها.

لكنّ النقطة المهمة هنا هي أن الأطفال لم يُولدوا بطابع فطريّ متمسك بتلك الألعاب سواء كانت ذكورية أو أنثوية، وأبسط مثال لفهم ذلك هو أننا لم نولد فطرياً ونحن نعلم أنّ اللون الأزرق يمثل الذكور واللون الوردي يمثل الاناث، بل نحن من جعلنا تلك الألوان تمثل لنا دلالة جندرية معينة، وتعاملنا بعد ذلك مع تلك الألوان على هذا الأساس.

فلو حدّدنا لأحد الاطفال الذكور -منذ بداية لعبه- دمى أنثوية لأصبح يميل أكثر لتلك الألعاب، حتى لو لم يتمسك بالدور الأنثوي بشكل كامل عند النمو اللاحق، لكنّ الطابع الذي نصبغه عليه منذ البداية سيجعله يميل لذلك النوع من الألعاب وستكون تلك بداية تمسكه بالدور الذي نجح المجتمع بإلصاقه عليه.

ماذا عن الأثر السلبي الذي تتركه تلك الألعاب ؟

إذا لاحظنا الفتيات اللواتي يلعبن بلعبة ال(BARBIE)، تلك اللعبة الأنثوية المتميزة بالجسد المصقول المثالي والتي -باختصار- تمتلك صفات عارضات الأزياء المثاليات، فإننا سنجدهنّ يتقمّصن دور الدمية، فتتمثل لديهنّ معايير صعبة جداً فرضتها عليهنّ تلك اللعبة وصِفات مثاليّة  مرتبطة بجسد الدمية ومظهرها ومكياجها أو شعرها. وفي مراحل النمو تأخذ الفتيات بعين الاعتبار هذه المعايير التي فُرضَت عليهنّ وتُحاولن بكامل جهدهنّ البقاء ضمنها. ومن باب مسؤولية الشركة التجارية المصدرة لهذه اللعبة أصبحت تدخل بعض التغييرات على الصفات الجسدية لها وتركّز على عدم مثاليتها؛ كإصدار باربي بوزن زائد مثلاً.

إعلان

ونقيس على ذلك بقية الألعاب والأدوار التي تفرضها، مثل لعبة أدوات المطبخ للإناث، وكأنّ المجتمع يهيء الفتيات للدور المحصور بالمنزل وتمثيله على أنّه دور ممتع لهنّ، مع حصر قيادة السيارات بالذكور المتمثلة بألعاب السيارات الذكورية والمهن الذكورية، وكما أنّ انحصار تلك الألعاب الذكورية بالعنف والأسلحة يزيد من تعميق المشكلة، ويربط العنف بالهوية الذكورية بشكل خطير. حتى أنّ الطفل يُنبَذ إذا جرب اللعب بألعاب مغايرة لجنسه.

عدم تعزيز هذه القوالب المحصورة مهم جداً في عملية التنشئة كأن نعتمد على الألعاب المحايدة والعقلية: مثل الليغو؛ لعبة التصميم بالمكعبات المتلاصقة، ولعبة التركيب وهي قطع كرتونية يتم تركيبها لتشكيل صورة كاملة، وهنالك الكثير من هذه الألعاب العقلية المهمة للأطفال ولنموهم العقلي السليم والبعيدة عن تعزيز أدوار محصورة لهم أو معايير صارمة سلبية.

لا بد أنّ التحكم في التنشئة المبكرة من خلال الألعاب سوف يساهم بشكل كبير في تخفيف تركيز أنماط سلبية ملتصقة بأدوار جنس أو عرق أو فئة معينة من المجتمع.

في حالة أعجبك المقال، ربما ستعجبك مقالات أخرى، نرشح لك

التنميط الإجتماعي الدعائي في الإعلانات التجارية العربية

هل يمكن أن يتحدث العالم بلغة واحدة؟

الصعيد في بوح نسائه .. الكتابة خارج مقهى ريش

إعلان

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.