تأخذك إلى أعماق الفكر

الأزقة المظلمـة في كوكب اليابان: فتيـات للبيع في “أكيبا”

عند الحديث عن الهوس بفتيات المرحلة الثانوية وتلك المرحلة العمرية التي تمثل الجمال والشباب، فإنه لا يمكن وضع اليابان وحدها في هذه الخانة، وإظهارها على أنها البلد الوحيد في العالم الذي يمتلك هوسًا متعلقًا بالمراهقة والفتيات اليافعات في مجال الترفيه و”الميديا”.

فعلى مستوى العالم ولعقود طويلة ماضية تم العمل دائمًا -سواء في ثقافة الأنمي والمانغا اليابانية، أو ثقافة البوب الأمريكية، أو “كي بوب” الكورية، وغيرها الكثير من الأمثلة- على تكريس صورة جنسية مثيرة للفتيات اليافعات، في مختلف أشكال الترفيه كالمسلسلات وأفلام السينما والأنمي والموسيقى وغيرها.

لكن هذا الهوس أخذ بُعدًا مختلفًا ومخيفًا، كما يمكن وصفه، تحديدًا في اليابان، مع وجود وترسخ صناعة حقيقية كاملة تدعى صناعة “JK”، وهي اختصار لمصطلح “Joshi Kousei” ويعني “فتيات المدرسة الثانوية”.

صناعة “JK” ظهرت في بداية التسعينيات في العديد من مناطق العاصمة اليابانية طوكيو، وتحديدًا منطقة “أكيهابارا”، والتي تمتلك شهرة عالمية بين محبي الأنمي والمانغا والألعاب الإلكترونية في اليابان والعالم، وهذه الصناعة بدأت بمبدأ بسيط: استعمال فتيات المرحلة الثانوية لبيع مختلف المنتجات مثل القصص المصورة وأشرطة الفيديو وتوظيفهن في المطاعم والمقاهي، ولكن سرعان ما تطورت الصناعة إلى طور آخر مختلف تمامًا.

في عام 2015، نشرت شبكة “VICE” الأمريكية الإخبارية تحقيقًا مصورًا عن صناعة الـ “JK” في طوكيو، تحت عنوان “فتيات المدرسة للبيع“، وأظهر التحقيق روايات مرعبة عن حجم الانتهاكات التي تتعرض لها الفتيات في هذه الصناعة، والتي تصل إلى الانتهاك الجنسي ودفع القاصرات نحو ممارسة الجنس مقابل المال!

إعلان

كل شيء قابل للتفاوض

بحسب التحقيق فإن الخدمة التي تبدأ على أنها مجرد حديث بريء مع فتاة مدرسة مقابل بعض المال، يمكن أن تتطور إلى خدمات “خفية” كما يصفها البعض في هذه الصناعة، حيث تقول إحدى الفتيات التي سبق وتعرضت لانتهاكات جنسية خلال عملها في هذه الصناعة: إن كل شيء “قابل للتفاوض”، طبعًا دون تجاهل الحقيقة المزعجة بأن رجلًا بالغًا يدفع النقود من أجل جولة مشي أو فنجان قهوة بصحبة فتاة تصغره بعشرة أعوام على الأقل.

ويشرح الصحفي “جيك أدليستين” -والذي عمل لأكثر من 20 عامًا مع العديد من وسائل الإعلام العالمية في تغطية قضايا عالم الجريمة في طوكيو- عن العديد من جوانب الانتهاكات التي تتخلل النشاطات المشبوهة لهذه الصناعة في العاصمة اليابانية.

يقول “أدليستين” إن العديد من الجولات البريئة التي تبدأ بمجرد جولة مشي قصيرة للفتيات بصحبة رجال تتراوح أعمارهم ما بين 40 – 50 عامًا في الكثير من الأحيان، غالبًا ما تنتهي في فنادق صغيرة مخصصة لممارسة الجنس في الأزقة الخلفية لمنطقة “أكيهابارا“.

ويضيف أن هذا الجانب من العمل بالذات يقع في منطقة رمادية، بحسب وصفه، فليس الجنس هدف جميع الزبائن كما يمكن أن يبدو الأمر، لكن لا يوجد إحصاء دقيق لمعرفة الأمر، ومبدأ العمل المشبوه بحد ذاته يفتح الباب أمام انتهاكات هائلة بحق الفتيات اللاتي لا تتجاوز أعمارهن عادةً 17 عامًا.

جانب آخر من خدمات صناعة “JK” يتمثل في الفرق الغنائية المحلية التي تتألف من فتيات قاصرات، وتقدّم عروضها داخل متاجر محلية في منطقة “أكيهابارا”، ويصل الأمر بمتابعي تلك الفرق إلى دفع نقود إضافية لمقابلة فتيات أحلامهم بعد الحفل، والحصول على مصافحة بسيطة، ويمكنك تصور المنظر الغريب عند رؤية رجل يتجاوز عمره 50 عامًا وهو يدفع النقود لملامسة يد فتاة في السادسة عشرة من عمرها!

كما تعجّ منطقة “أكيهابارا” بعشرات المقاهي والمحلات التي تقدم خدمة الحديث مع الفتيات مقابل مبلغ يصل إلى 3000 ين ياباني في الساعة، أي ما يعادل 30 دولارًا أمريكيًا، ويتدرج الحديث من الطعام والموسيقى إلى كل الاحتمالات الممكنة على مبدأ “كل شيء قابل للتفاوض”، ووصف مراسل شبكة “VICE” تجربته في هذا المقهى بأنها أكثر تجربة غير مريحة في حياته.

جميع الخدمات التي تقدمها الفتيات في صناعة “JK” على اختلاف أنواعها، يبدو أنها تتمحور بشكل أو بآخر حول الجنس، أو إرضاء التخيلات الجنسية التي يمتلكها الزبائن نحو فتيات المرحلة الثانوية، ومن هذا المبدأ الاستغلالي الذي نشأت عليه الصناعة، تنبثق كل إمكانيات الاستغلال الجنسي للقاصرات، وتلبية الرغبات التي يمتلكها الزبائن، والتي وثّقت العديد من وسائل الإعلام اليابانية والدولية الكثير منها في السنوات الماضية.

لماذا تتجه الفتيات إلى صناعة “JK” ؟

الأجور الجيدة في صناعة “JK” تعتبر واحدة من أبرز الطرق التي يستعملها المشغلون في الصناعة لاجتذاب الفتيات للعمل في هذا المجال، حيث أوردت شبكة “Channel News Asia” في تحقيق خاص لها حول الصناعة في عام 2017 أن أجر بعض الفتيات يتجاوز 13 دولار أمريكي في الساعة، وهو ضعف ما يمكن جنيه من أي عمل جزئي آخر في طوكيو.

بدوره أورد صحفي في شبكة “Kyodo News” لشبكة الأخبار اليابانية “Japan Times” شهادة لإحدى الفتيات في الصناعة، والتي أكدت أن العديد من زميلاتها توجهن نحو تقديم الخدمات الجنسية ضمن العمل، وهو ما مكّن بعضهن من جني ما يتجاوز 100 ألف ين (ما يعادل 880 دولارًا) يوميًا من خلال الدعارة.

بلا شك فإن الأجور العالية هي واحدة من أهم المصائد التي تقع فيها الفتيات نحو العمل في صناعة مشبوهة مثل صناعة “JK”، لكن الخلفية الاجتماعية للموضوع هي السبب الجوهري وراء توجه العديد من الفتيات في طوكيو نحو عملٍ قد يعرضهن لمختلف أنواع الانتهاكات.

التفكك الأسري، والتنمر، والعزلة الاجتماعية هي من أهم الأسباب التي تدفع بالكثير من الفتيات للعمل في هذا المجال، هربًا من الضغوط الاجتماعية الهائلة التي يتعرضن لها، وهو ما تؤكده الناشطة اليابانية “يومينو نيتو”، والتي عملت خلال سنوات عديدة على إنقاذ أكثر من 100 فتاة في طوكيو من عمليات الاستغلال الذي تعرّضن له في عملهن ضمن صناعة “JK”.

وتؤكد “نيتو” أن الكثير من الفتيات يقعن في فخ الاستغلال من مشغلي الصناعة والزبائن على حدٍ سواء بسبب عدم وجود منزل يحميهن أو عائلة تقوم باحتضانهن، خصوصًا في مجتمع قائم على مبادئ “العار” بشكل كبير، حيث تفضّل الكثير من الفتيات البقاء في الشارع على العودة إلى عائلاتهن والتعرض للوم والإهانة بسبب ما ارتكبنه من أخطاء.

وتتحدث عن تعرُّضها هي نفسها لمحاولات استغلال عندما كانت في نفس العمر وعانت من تفكك عائلتها، وتتذكر العديد من صديقاتها اللاتي تورّطن بالعمل في صناعة “JK” وانتهى بهنّ الأمر إلى الانتحار.

ماذا عن الحكومة؟

في عام 2017 أصدرت الحكومة اليابانية قانونًا يمنع أي فتاة يقل عمرها عن 17 عامًا من العمل في مجال صناعة “JK”، وجاء القرار بعد الضجة الكبيرة التي أثارتها العديد من التقارير والتحقيقات الصحفية بين عامي 2015–2017 حول حجم الانتهاكات الجنسية في الصناعة.

هذا القرار ورغم كونه خطوة على الطريق الصحيح لإنهاء تلك المأساة، إلا أنه أثار مخاوف كبيرة حول تحوّل الصناعة إلى طرق أخرى أقل علنية لتقديم خدماتها، وهو ما استمر بالفعل منذ ذلك الوقت مع زيادة الاعتماد على شبكة الإنترنت في تقديم الخدمات الجنسية تحت غطاء “JK”.

بحسب الناشطة “يومينو نيتو” فإن الخطأ الأكبر في تعامل الحكومة اليابانية مع الموضوع هو القيام بمحاسبة الفتيات اللاتي يعملن في الصناعة واعتقال العديد منهن في حملات على “أكيهابارا”، عوضًا عن التعامل مع العامل الأساسي في المشكلة وهم البالغون الذين يقومون ببيع وشراء تلك الخدمات.

فالصناعة في أساسها قائمة على الكثير من المجموعات الصغيرة التي تبدأ بالعمل مع فتاة أو اثنتين لتقديم الخدمات وكسب المال، ثم التطور نحو شبكة كبيرة من الفتيات اللاتي يتم التحكم بهنّ، ويصل الأمر إلى حد كونه شكلًا من أشكال “الإتجار بالبشر”.

بحسب السلطات في العاصمة طوكيو، فإن عدد المتاجر التي تقدم خدمات “JK” في العاصمة بلغ 230 مكانٍ مع نهاية العام 2016، ثم تناقص العدد ليصل إلى 140 فقط مع نهاية شهر مايو من العام 2017، بسبب حملات الشرطة ضد الانتهاكات في الصناعة.

هذه الأرقام من المفترض أن تؤدي إلى وضع حد وتقنين كبير لخدمات “JK” في العاصمة طوكيو مع وصولنا اليوم إلى ما بعد منتصف العام 2019، لكن المشاهدات من منطقة “أكيهابارا” في طوكيو لا زالت حتى اليوم تشير إلى استمرار العمل بشكل طبيعي في الكثير من المحلات التي تقدم تلك الخدمات، واستمرار ظاهرة الوجود العلني للفتيات اليافعات في الشوارع ليلًا لتقديم وعرض مختلف الخدمات.

من الصعب جدًا الجزم بوضع المسؤولية على طرفٍ واحد عندما يتعلق الأمر بقضية الانتهاكات التي تتعرض لها الفتيات اليابانيات في هذه الصناعة، وربما تكمن الخطوة الأولى في البدء بالنظر إلى الفتيات على أنهنّ الضحايا عوضًا عن التعامل معهن كأحد أطراف المشكلة.

ربما، وأقول ربما، يكمن أحد جذور المشكلة في وضع المرأة في المجتمع الياباني، والذي وصفه الصحفي “جيك أدليستين” بأنه “المجتمع الأكثر تسليعًا ومعاداةً للمرأة بين المجتمعات المتطورة في العالم”! ويضيف في نهاية كلامه: “لا أريد أن أكون امرأة في اليابان”.

نرشح لك: المرأة والأمن والسلام، ما هو ترتيب بلدك على مؤشّر رفاه المرأة

إعلان

فريق الإعداد

إعداد: وائل قرصيفي

تحرير/تنسيق: نهال أسامة

تدقيق لغوي: سلمى الحبشي

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.