تأخذك إلى أعماق الفكر

استراتيجيات الترجمة: مراجعة ومقارنة لمختلف النظريات في هذا المجال

نبذة مختصرة: استفاض العلماء في البحث في حقل دراسات الترجمة. وعلى الرغم من ذلك، فإن التعريف الذي يقدمه كل مؤلف ومنظر يمثل رأيه وتختلف الآراء من شخص إلى آخر. يتفق أغلب المنظرين على أن المترجمين يستخدمون استراتيجيات الترجمة عند مواجهة مشكلة لا تجدي معها الترجمة الحرفية نفعا. لذلك، درس الباحثون استراتيجيات الترجمة ووصفوها من وجهة نظرهم.

يصف هذا البحث بعض النظريات المعروفة في هذا الحقل ويقارنها ببعضها، حيث أن الهدف من هذه الدراسة هو عرض النظريات المختلفة في مجال استراتيجيات الترجمة وتقديم مراجعة عامة للمؤلفات للارتقاء بمجال استراتيجيات الترجمة في الدراسات المستقبلية. فمثلاً، قدمت منى بيكر عام 1992 أكثر التصنيفات وضوحا في استراتيجيات الترجمة، حيث اعتقدت أن المترجمين المحترفين يستعملونها عند مواجهة مشكلة أثناء القيام بالترجمة. وتتضمن هذه الدراسة أربعة أقسام وهي المقدمة ومراجعة المؤلفات والخاتمة والمراجع. 

مقدمة عن استراتيجيات الترجمة:

تلعب الترجمة دورًا رئيسًا في تبادل المعلومات في عالم يتسم بالتواصل العالمي بين اللغات ويحتاج المترجم إلى تعلم بعض المهارات التي يطلق عليها استراتيجيات الترجمة للتحرك ضمن إطار نقل المعاني المستمر على الصعيدين الطبيعي والمحترف من لغة إلى أخرى. ويقتبس بيرغان قائمة تشيسترمان لبعض خصائص استراتيجيات الترجمة المنشورة عام 1997 وهي كما يلي:
أ. تنطبق استراتيجيات الترجمة على عملية ما.
ب. تتضمن تلاعبا بالنص.
ج. تتسم بأنها توجه لهدف ما.
د. تمتاز بأنها تركز على المشكلة.
ه. يتم تطبيقها بوعي.
و. تمتاز بتداخل المواضيع فيها.

وكما ذكر في البداية، فإن معظم المنظرين يتفقون على أن المترجمين يستخدمون استراتيجيات الترجمة عند مواجهة مشكلة لا تجدي معها الترجمة الحرفية نفعا. وقد درس الباحثون استراتيجيات الترجمة ووصفوها كل حسبما يرى. يركز هذا البحث على الفروقات بين هذه النظريات، إذ يهدف إلى بيان ماهية استراتيجيات الترجمة الموجودة ووقت وأسباب استخدام المترجمين المحترفين لها.

2 مراجعة المؤلفات:

  • تمهيد:

يتناول هذا الفصل ثلاث مسائل رئيسة وهي: الترجمة، تعريف الترجمة العامة، والثانية استراتيجيات الترجمة، ونماذجها وخصائصها وأشكالها ومدخل إلى نموذج بيكر لاستراتيجيات الترجمة، والثالثة الهوات الموجودة في هدف الدراسة الحالية.

إعلان

  • خلفيات نظرية:

    • الترجمة:

الترجمة مهمة معقدة يتم فيها نقل معنى النص في لغة الأصلية إلى قراء اللغة الهدف. وبعبارة أخرى، يمكن تعريف الترجمة على أنها صياغة المعنى والشكل في اللغة الهدف عن طريق المعنى والشكل المحلل للغة الأصلية.

  • تعريف الترجمة العامة:

ربما لا يحتاج المترجم إلى استخدام استراتيجيات الترجمة عند ترجمة النص حرفيا. وعليه، من الضروري فهم مفهوم الترجمة كما تم توضيحه من قبل مترجمين كثر للحصول على صورة عامة لعملية الترجمة. تم اقتباس بعض هذه المفاهيم عن طريق جيرافافاترالكيهيت وكوجن وكلينبون وبيسيتوانيت، حيث كتب بينساوسان أن الترجمة لها صلة وثيقة بعملية القراءة. وأشار حاتم وماسون إلى أن الترجمة عملية تتضمن تفاوض على المعنى بين منتجي النص ومستقبليه. ويعرف بيكن الترجمة العامة على أنها طريقة تناقل الرسائل الشفوية والمكتوبة من الكتابة إلى الكلام ومن لغة إلى أخرى. ويبين لارسون أنه في الترجمة العامة، ينقل المعنى ذاته الذي فهمه متحدثو اللغة الأصلية باستخدام شكل اللغة العادي للغة المستقبل في حين يتم المحافظة على ديناميكيات نص اللغة المصدر الأصلي. وعبرت قائلة بأن هدف المترجم ينبغي أن يكون إنتاج نص في لغة المستقبل وهو الترجمة بشكل تعبيري بحيث تكون لها المعنى ذاته الذي هو للنص المصدر إلا أنه يتم التعبير عنه بالشكل الطبيعي للغة المستقبل.

يعتقد نيدا كما نقل عنه جيرافافاترالكيهيت أن الترجمة تتألف من إعادة إنتاج المعنى الأقرب المكافئ للرسالة في اللغة الأصلية في لغة المستقبل من حيث المعنى أولا ومن حيث الصيغة ثانيا.  ويبين كاتفورد كما نقل عنه جيرافافاترالكيهيت أن الترجمة هي استبدال المادة النصية بلغة ما وهي اللغة الأصلية بمادة نصية مكافئة في لغة أخرى وهي اللغة الهدف. ويعرض بيل كذلك الترجمة بصفتها استبدال نص لغة ما بنص مكافئ في لغة أخرى. ويشير نيومارك إلى أن الترجمة حرفة تحاول استبدال رسالة أو عبارة مكتوبة بلغة ما بنفس الرسالة أو العبارة بلغة أخرى. كما أنه يرى الترجمة على أنها علم ومهارة وفن وذوق، فهي تتضمن كعلم معرفة وتقييما للحقائق في لغة ما تصفها. وتحتوي كمهارة اللغة المناسبة والاستعمال المقبول. كما أنها تفرق كفن بين الكتابة الجيدة والكتابة السيئة وينخرط فيها مستويات إبداعية وبديهية وإلهامية. وبصفتها ذوق، فإن المترجم يحتكم إلى ما يفضله. وعليه، يتباين النص المترجم من مترجم إلى آخر.

وأما كيلي، فإنه يعرف الترجمة على أنها مهارة فهم النص الأصلي ووضعه في اللغة الهدف باستخدام الخطاب والخلفية المعرفية ومصادر لغوية أخرى حسب الهدف المنشود. وعليه، فإن المترجم وسيط بين لغتين وثقافتين ينقل من اللغة الأصلية إلى اللغة الهدف. يرتبط ما تم تناوله سابقا بنظرية الترجمة التي تحدد مشاكل الترجمة وتنصح بأكثر الإجراءات ملاءمة للترجمة حتى تحل المشاكل المحددة. وهكذا يمكن توضيح الترجمة بصفتها عملية اتخاذ قرار وعملية لحل المشاكل. كما أنها مهمة معقدة يواجه المترجم خلالها بعض المشاكل أو القضايا التي تتطلب منه الملاحظة والتحديد وإيجاد حل مناسب. وتسمى الوسائل التي يتعامل من خلالها المترجم مع هذه المشاكل استراتيجيات. ويعتبر إيجاد الاستراتيجية الملائمة لحل المشاكل المذكورة أعلاه جزءا في عملية اتخاذ القرار.

  • استراتيجيات الترجمة:

    • ما هي الاستراتيجية:

تستخدم كلمة استراتيجية في سياقات كثيرة، فقد استعمل كثير من المنظرين مصطلح استراتيجيات الترجمة في مجال دراسات الترجمة بشكل كبير لكن مع بعض الاختلافات الواضحة في المعنى والزاوية التي ينظرون من خلالها. وهنا نورد قائمة بأهم التعريفات العامة لكلمة استراتيجية:
الاستراتيجية هي خطة أفعال طويلة الأمد توضع لتحقيق هدف محدد.
خطة منتظمة يتم ملاءمتها وتوضيحها لتحسين أداء شخص ما في التعلم.
الاستراتيجية هي إجراء مخطط له وموضح وذو هدف محدد وله نتيجة محددة يتم تحقيقه بسلسلة من الخطوات تخضع للعرض والتعديل.
مجموعة من الخطوات العقلية والسلوكية تستعمل لتحقيق نتيجة محددة.

إن هذه التعريفات ذات طابع عام ويمكن ربطها بمجالات معرفية مختلفة. وتتعلق هذه الدراسة بشكل رئيس باستراتيجيات الترجمة رغم أن التعريفات المذكورة أعلاه يمكن تضييقها للتركيز على مجال هذا البحث أيضا. ولاستراتيجيات الترجمة خصائصها المميزة التي يمكن لإحدنا اكتساب فهم لها جميعا. يستخدم المترجم استراتيجيات الترجمة بشكل عام عند مواجهة مشكلة ما أثناء ترجمة نص ما. وهذا يعني أن استراتيجيات الترجمة غير ضرورية في الترجمة الحرفية. ويشير بيرجن إلى أن هذه الاستراتيجيات تتسم بأنها غير واضحة وتجريبية. وعلى الرغم من ذلك، فعندما يترجم المبتدئون في مجال الترجمة كلمة بكلمة ويستعملون القاموس فإنهم يعتقدون أنهم أخرجوا ترجمة جيدة ولا يفهمون أن المشكلة لا زالت موجودة وينبغي القيام ببعض التغييرات في بعض مستويات الترجمة.  وعليه, فإن عملية حل المشاكل هي الأهم للاستراتيجيات. ورغم ذلك, فإن السؤال الذي يبرز هنا هو ما هي مشكلة الترجمة؟

  • مشكلات الترجمة:

تقسم مشكلات الترجمة إلى مشكلات معجمية ومشكلات نحوية وفقا لما أورده الدكتور ميرمادي.

1 المشكلات المعجمية:

يوضح ميرمادي في تفسيره للمشاكل المعجمية أنه رغم أن الكلمات هي كيانات تطلق على الأشياء أو المفاهيم فإن كلمة في لغة ما ربما لا تعوض عنها كلمة بلغة أخرى عند الإحالة إلى المفاهيم أو الأشياء ذاتها. ويقسم المشاكل المعجمية إلى خمسة أقسام وهي كالتالي:
المعنى المستقيم أو الدلالي:
يطلق هذا النوع من المعنى على تلك كلمات النص المصدر التي يمكن ربطها بكلمات في النص الهدف دون فقدان صور، مثل أم وأب إلخ.

المعنى المعجمي:

ويطلق المعنى المعجمي على الكلمات أو العبارات التي تبدو متكافئة رغم أن الحال لا يبدو كذلك. وعليه, فيجب أن يكون المترجم واعيا بالمقاصد وراء الكلمات حتى لا يسيء تقديم رسالة المؤلف.

تعبير الاستعارة:

ويشمل هذا الصنف القضايا المتعلقة بترجمة التعابير الاصطلاحية والتعابير المشابهة. ويقدم برويك كما نقل عنه ميرمادي الاقتراحات التالية لترجمة التعابير الاصطلاحية:
أ. تمييز التعابير العادية عن الاستعارات.
ب. الوصول إلى مصادر ترجمة استعارة بمفردها.
ج. الوعي بالسياقات المختلفة وقيودها على استخدام الاستعارات.
د. الإدراك الصحيح للقيود المفروضة على الترجمة وصياغة الرسالة.

الفراغات الدلالية:

ويتضمن هذا الصنف الكلمات أو التعابير التي تمثل مفاهيم لا يمكن العثور عليها في مجتمعات أخرى للمختصين; إذ يمكن إيجاد المكافئ الأقرب رغم عدم إيجاد المكافئ المحدد. ووفقا لما أورده ميرمادي, يمكن حدوث هذا في حالتين; إذ تخضع الأولى لعوامل خارج اللغة مثل تلك الكلمات التي لها مرجع في مجتمعات محددة ولا يوجد لها مرجع في مجتمعات أخرى. وأما الثانية، فإنها تخضع لعوامل داخل اللغة كالمفاهيم التي توجد في مجتمعين لغويين لكن استعمالهما يمكن أن يكون مختلفا تماما. ويلتقي داجيت مع ميرمادي في الاعتقاد بأن هذا يحدث عندما تكون نظم وضع المفردات للتعابير المشتركة مختلفة عن بعضها البعض.

أسماء الأعلام:

أما آخر صنف في هذه المجموعة وهو ليس الأخير فإنه مشكلة أسماء الأعلام. فعلى الرغم من إطلاق أسماء الأعلام على الأفراد وإمكانية نقلها من لغة إلى أخرى, فإن المعنى المحدد الذي تحمله والذي لا يوجد في المجتمعات اللغوية المستهدفة ربما يكون ضائعا, مثل: اسم العلم محمود في اللغة العربية.

2 المشكلات النحوية:

تعتبر المشكلات النحوية الصنف الرئيس الآخر في إشكاليات الترجمة، حيث نقل الدكتور ميرمادي عن نيدا أنه لا يمكن لأحد العثور على نظامين نحويين متطابقين للغتين مختلفتين للمنظومة التركيبية، أي أن التركيب يتباين من لغة إلى أخرى. وتتضمن هذه الفروقات ما يلي:
أ. أقسام الكلمة، حيث تختلف اللغات عن بعضها في البنية الداخلية للكلمة في التصنيف اللغوي.
ب. العلاقات النحوية، حيث يتجسد هذا الفرق بين اللغات بالحيثية القائلة بأن المكون في الجملة يؤدي وظيفة في هذه الجملة.
ج. رتبة الكلمة.
د. الأسلوب.
ه. العناصر السياقية.

يتوقع من المترجم توضيح فحوى رسالة النص الأصلي للقراء المستهدفين آخذا بعين الاعتبار كافة المشاكل المذكورة سابقا. وعلى الرغم من ذلك، لا يوجد ترجمة محددة تماما بين لغتين، حيث نقل الدكتور ميرمادي عن وورنر أن ما يحدد فعالية الترجمة هو درجة التقارب بين نظامين لغويين.

  • نماذج استراتيجيات الترجمة:

اقترح عدة باحثين أنواعا وتصنيفات مختلفة لهذه الاستراتيجيات كل وفقا لما يراه ونعرج هنا على بعض هذه النماذج. يعتقد تشيسترمان كما ينقل عنه بيرجين أن هناك حيرة في المصطلحات بشكل ملحوظ في مجال استراتيجيات الترجمة. وحسب اعتقاده، فهذه بعض الخصائص العامة لاستراتيجيات الترجمة:
1 تتضمن تلاعبا بالنص.
2 لا بد أن تنطبق على عملية الترجمة.
3 موجهة لهدف محدد.
4 مركزة نحو مشكلة محددة.
5 يتم تطبيقها بوعي.
6 ذات مواضيع متداخلة، ويعني هذا أنه لا بد للاستراتيجيات أن تكون تجريبية ومفهومة للقراء وليس فقط لمن يستعملها.

إعلان

مصدر مصدر الترجمة
فريق الإعداد

إعداد: عمر العجيمي

تدقيق لغوي: ضحى حمد

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.