تأخذك إلى أعماق الفكر

وفقًا لما يقوله خبراء: لوحة الصرخة لإدفارت مونك بحاجة إلى ممارسة التباعد الجسدي.

على عشاق الفنّ أن يُعطوا نسخة العام 1910 بعض المسافة بسبب الأثر الضّار للرطوبة على الطّلاء غير النّقيّ.

لوحةُ الصّرخة هي تحفة فنيّة تبدو كأنّها تدور حول الأهوال الناتجة عن الحرب في القرن العشرين، وحول المعاناة الإنسانيّة في القرن الواحد والعشرين. ولِصَرخَةِ إدفارت مونك على الحداثة حقٌّ آخر اليوم، بعد أنْ تبيّن أنَّ سهوًا من الفنان يعني أن نسخةَ العامِ 1910 من العمل تحتاج إلى ممارسةِ شيءٍ من التباعد الجسديّ.

اكتَشَف اتّحادٌ دوليٌّ من العلماء الذين يسعونَ إلى تحديد السّبب الرئيس في تَلَف طلاءِ الّلوحة القماشيّة، أن مونك استخدمَ عن طريق الخطأ أنبوبًا من الكادميوم الأصفرِ غير النّقي، الذي قد تؤدي فيه الرُّطوبة المنخفضة نسبيًا بما فيها رذاذُ التنفس الناتجِ عن حشودِ محبي الفنّ؛ إلى تفتته وتلاشيه.

النتيجة هي أنّ اللون الأصفر في ضربات الفُرشاة التي استخدمها مونك بدايةً في غروب الشمس الموجود في اللوحة وفي منطقة الرقبة في الوجه الرئيس، القلق المرتعب، قد تحوّل إلى اللون الأبيض الباهت.

كما أنّ الطلاءَ الأصفر غير الشفاف المستخدمِ بكثافةٍ في البحيرة أعلى الوجه، يتلاشى أيضًا من اللوحة التي كانت قد سُرقت في العام 2004 واستُعيدت بعد عامين.

قال البروفسور كوين جانسينس من جامعة آنتورب University of Antwerp: “تبيّن أنّه عوضًا عن استخدامه لكبريت الكادميوم النقيّ كما كان ينبغي عليه أن يفعل، واضح أنه استخدم أيضًا نوعيّةً رديئة، نوعيّةً غير نظيفة تحتوي على الكلوريد”. “لا أظنّ أنّه كان استخدامًا مقصودًا، أعتقد أنه ببساطة اشترى طلاءً مُنخفض الجودة”. كان ذلك في العام 1910، في ذلك الوقت كانت الصناعة الكيميائية تنتج الصبغات الكيميائية، لكنها لم تكن تمتلك السيطرة على الجودة كما يحصل اليوم.”

إعلان

علماء من بلجيكا، وإيطاليا، والولاياتِ المُتحدة، والبرازيل شكَّلوا جُزءًا من هذا التحقيق. حاولوا في البداية اختبارَ ما إذا كان تقليص تعرّض لوحة الصرخة للضوء سيكون المفتاحَ لحمايتها من المزيد من التَلف.

قال جانسنس بهذا الخصوص: “تبيّن حينها أنَّ الضوء ليس مؤذيًا إلى هذا الحدّ، فلا معنى من تقليص مستويات الضوء إلى أقلّ من العاديّ، عليك أن تبدأ بالعمل على الرُّطوبة النسبيّة في المتحف أو أن تعزِل الجُمهور عن اللوحة أو أن تعزلها عنه. لنقل: إنه باستطاعة الجمهور تقدير اللوحة، لكن دون أن يتنفسوا على سطحها”.

أضاف: “عندما يتنفس الناس ينتجون رُطوبة، ويطلقون الكلوريد، فبشكل عام إذن، ليس من الجيّد بالنسبة إلى اللوحات أن تكون قريبةً جدًا من أنفاسِ جميعِ المارّة”.

من المُقرر أن ينتقل مُتْحفُ مونك في أوسلو إلى مكان جديد هذه السنة بواسطةِ بيتِ أوبرا المدينة، ونتائجُ الباحثين ستندمج في كيفية عرضِ اللوحة في المستقبل.

قال جانسنس: “يمكنهم أن يتخذوا مُختلف أنواع القرارات حول كيفية عرض اللوحة وحمايتها من أيّة ظروفٍ بيئية، وهذا ما قالوه، سيقومون بإجراءاتٍ لتقليص نسبة الرطوبة. عادة ما تكون الرُّطوبة بنسبة 50%، لذا سيخفضونها قليلًا عن ذلك.

اكتشاف هشاشة لوحة الصرخة حدثَ من خلال التصوير اللامعِ للقماش، لمعرفة المواضعِ الّتي لم يكن فيها الطّلاء على طبيعته وتحليلِ أجزاءِ القليل من الطّلاء في ضرباتِ فُرشاة مونك وفي أنبوبٍ أصليّ، من أصفر الكادميوم الّذي استخدمه.

وقال جانسنس في هذا الشأن: “عندما تُضاء اللوحة بالأشعة ما فوق البنفسجيّة، ما ينعكس هو بعض من الضوء البرتقالي في بعض المناطق، وعندها لا تكون اللوحة في ظروفٍ جيدة. حاولنا معرفة السبب. هذا اللون البرتقالي الّلامع بدا مرتبطًا بالتّلف.

في بواكرِ القرن العشرين، أُنتج كبريتُ الكادميوم أحيانًا من خلال التفاعل بين كلوريد الكادميوم وكبريت الصوديوم.

تقولُ إحدى النظريات إنّ مركّباتٍ تحتوي على الكلوريد، مثل كلوريد الكادميوم وهيدروكسيد الكادميوم بقيت داخلَ الطّلاء؛ نتيجة تفاعلٍ رديء أو غيرِ مُكتمل.

نأمل أن يُبطئ تغيير الظروف الّتي تُعرض فيها نسخة العام 1910 من لوحة “الصّرخة”  تلفَها. لكن ليسَ ثمة ما يمكن فعله للضرر الحاصل نتيجة التعرُّض للمياه والمرئيّ بشكلٍ واضحٍ في الزاوية السُّفلية على يسار اللوحة.

رسم مونك أربعَ نسخٍ من لوحة “الصّرخة” بين 1893 و 1910. لوحةُ العام 1910 تُركت بعلامةٍ مائيّة بنيّة مُتّسخةٍ بعد أن تعرّضت للسّرقة هي وتحفته الفنيّة “مادونا” على يدِ مُقنّعين مُسلّحين، أثناءَ عمليّة سطوٍ مُسلح في وضح النهار في الثاني والعشرين من شهر آب في العام 2004.

احْتَجَز السّارقان أربعةً من الحُراس غير المُسلحين، وأمرا الزّائرينَ بالاستلقاء أرضًا، وانتزعا الأعمال الفنيّة عن الجدارِ قبلَ أن يفرّا هاربين في سيارة Audi سوداء اللون. استُرجعت اللوحتان في العام 2006. نالَ ثلاثةُ أشخاصٍ أحكامًا بالسّجن، ودفع اثنان منهم غرامة تقدر بستة وستين جنيهًا استرلينيًّا تعويضًا عن الأضرار.

مصدر الترجمة

نُرشح لك: لوحة “الأمثال الهولندية”…فن تصوير حياة البسطاء

إعلان

مصدر مصدر الترجمة
فريق الإعداد

ترجمة: أفراح مروّة

تدقيق لغوي: رنا داود

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.