تأخذك إلى أعماق الفكر

ابن رشد وأسطورة نظرية ازدواجية الحقيقة

لعله لم يوجد من تناول العلاقة بين الفلسفة والدين في تاريخ الفلسفة الإسلامية بالعمق والإبداع كما فعل الشارح الأكبر الوليد ابن رشد، ولا تقارَن جهود الكنديّ وإخوان الصفا و وابن سينا وابن طفيل بجهود ابن رشد، ويمكن القول، الأثر الذي تركته جهود القاضي لم تبلغ نصفه جهود فلاسفة الإسلام مجتمعين.

ولكن هل تم إنصاف القاضي وإعطاؤه حقه وتقديره حق قدره؟ بل على العكس، فقد تم الإساءة إليه في وطنه، وعند أتباعه في الغرب، الإساءة إليه في وطنه مشهور كيف حصلت.

أما في الغرب فالإساءة قد تجلت في نسبة نظرية قبيحة للغاية لابن رشد وعلى إثرها اتُّهم بالإلحاد والمُروق من الدين والزندقة.

لقد نسب أتباع القاضي في الغرب له نظرية ازدواجية الحقيقة أي أن قضية ما من الممكن أن تكون حق عند الفلسفة، لكنها باطلة عند الدين، وقد تكون باطلة عند الدين لكنها حق عند الفلسفة، وهذا الكلام جدير بأن ينزع صفة الفيلسوف عن حكيم قرطبة ويدحض قول القائل بأن ابن رشد مفكر عقلاني أو مسلم صادق.

ولو قمنا نحن باستقراء المؤلفات الأصلية للوليد ابن رشد، لن نجد أنه حكم حكمًا مزدوجًا على قضية ما أنها حق من جهة وباطل من جهة أخرى، ولو أخذنا مسألة مشهورة في الخلاف بين الحكماء من جهة وعلماء العقيدة من جهة وهذه المسألة حُسمت الآن لكن ليس في صالح الحكماء، سوف نجده يناضل من أجل إقرار قدم العالم ودحض القول بحدوثه.

إعلان

والأمر عينه يقال حول نظرية أزلية العالم فقد خاض نقاشًا حامي الوطيس مع علماء العقيدة في شخص أبو حامد الغزالي، متهمًا إياه بالمحامي الذي يقول موكله مالم يقله، وأن الغزالي لم يكن ممثلًا للشريعة في هكذا قول، بل كان متأولًا، وأن الشريعة لو استقرأت نصوصها لم نجد قول علماء العقيدة “كان الله ولم يكن شيء معه” فأين هي نظرية ازدواجية الحقيقة؟!

أما الشيء الذي قاله عن حقيقة أن الشريعة الإسلامية حق والحكمة حق، وأن الحق لا يقف ضد الحق بل يقف بجانبه ويشهد له ويقويه، يقول ابن رشد: “إن هذه الشريعة حق وداعية إلى النظر المؤدي إلى معرفة الحق، فإنّا، معشر المسلمين، نعلم على القطع أنه لا يؤدي النظر البرهاني إلى مخالفة ما ورد به الشرع. فإن الحق لا يضاد الحق، بل يوافقه ويشهد له”.

والذي قاله ابن رشد بجانب موافقة العقل للنقل، هو أن الحق واحد ولا توجد ازدواجية فيه، لكن طريقة إبلاغه للناس تختلف من فئة إلى أخرى، وهذا راجع لاختلاف فطرتهم وليس بأن الحق في نفسه فيه اختلاف، فمن الناس من يصدِّق بالبرهان ومن الناس من يصدِّق بالأقاويل الجدلية تصديق صاحب البرهان بالبرهان، ومن الناس من يصدق بالأقاويل الخطابية تصديق صاحب الدليل الجدلي بالجدل.

وهذا التقسيم الثلاثي الذي وضعه ابن رشد يساوي المثقفين وأنصاف المثقفين والعامة وإن كانت الطائفة الثالثة أشقاهم، يقول ابن رشد: “وذلك أن طباع الناس متفاضلة في التصديق، فمنهم من يصدق (بالبرهان)، ومنهم من يصدق (بالأقاويل الجدلية) تصديق صاحب البرهان بالبرهان، إذ ليس في طباعه أكثر من ذلك، ومنهم يصدق (بالأقاويل الخطابية)، كتصديق صاحب البرهان بالأقاويل البرهانية”.

وهذا التنوع في الخطاب الشرعي حسب ابن رشد هو الذي جعلها خاتمة الرسالات وأكملها، فقد خاطبت كلّا باللغة التي يفهمها، فلم يبق له عذر وذلك مصداق قوله تعالى:  ((ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن)).

والشيء الذي دفع أتباع الفلسفة الرشدية في الغرب إلى مثل هكذا عقوق هو أنهم أرادوا أن يستلوا لأنفسهم حرية التعبير ضد الكنيسة التي كانت تملي على المثقفين رؤيتها الكونية، فإذا لم يذعنوا فالخازوق والحرق والسجن هو المصير، فأرادوا تمرير نظرية تحفظ ماء وجه الكنيسة وتحفظ لهم في نفس الوقت حرية التعبير.

وجاء ابن رشد كالسلطة لهذه النظرية لكي يصبغ عليها الشرعية باعتبار أنه عملاق الفلسفة في النهضة الإسلامية، وهو المرجع في الفلسفة الأرسطية، هذا فضلًا عن أن الكنيسة نفسها قد تبنت الكثير من المفاهيم الأرسطية واتخدت منه مرجعًا لها، والذي دفع الكنيسة إلى مثل هكذا قسوة هو محاولة الجمع بين نظرة العامة الكونية وديانتهم من جهة، وبين نظرة المثقفين الكونية وتدينهم، فقد كانت تسعى نحو عدم الانفصال بين العامة والمثقفين، فكانت أحيانًا تستسهل البرهان وأحيانًا النيران، إذ لا توجد حقيقة مزدوجة في المنظومة الفلسفية الرشدية، بل هناك حقيقة واحدة وثلاثة طرق لتبليغ هذا الحق، وهذا راجع لاختلاف فطرة الناس إلى ثلاثة مستويات، لا أن الحق هو مزدوج في نفسه، أو كما يقول ابن رشد نفسه: فإنّا، معشر المسلمين، نعلم على القطع أنه لا يؤدي النظر البرهاني إلى مخالفة ما ورد به الشرع، فإن الحق لا يضاد الحق، بل يوافقه ويشهد له.

إعلان

فريق الإعداد

إعداد: مساهمو المحطة

تحرير/تنسيق: نهال أسامة

تدقيق لغوي: مصعب محيسن

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.