تأخذك إلى أعماق الفكر

إدمان المعلومات

كيف يمكن للمعلومات أن تكون مثل المال، الوجبات السريعة، والمخدرات بالنسبة للدماغ؟

لا تنفكُّ تتفحص جهازك هاتفك المحمول بين الفينة والأخرى حتى مع علمك بعدم وصول رسالة ذات محتوى مهم!! إذن عليك لوم دماغك!
وجدت دراسة حديثة أجراها باحثون في كلية هاس HAAS للأعمال بجامعة كاليفورنيا أن المعلومات تعمل على تحفيز نظام المكافأة في الدماغ تماماً كما يفعل كل من المال الطعام. وهذا النظام يمكن تعريفه بأنه أي مؤثر أو نشاط أو حدث يكون له القدرة على جعلنا نتقرب منه و نستهلكه.
ويذكر الأستاذ المشارك مينغ هسو -وهو عالم مختص في علم الاقتصاد العصبي تقوم أبحاثه على استخدام آلية تصوير الرنين المغناطيسي والنظرية النفسية و القولبة الإقتصادية والتعلم الآلي- أنّ” المعلومات تعتبر مكافأة الدماغ الخاصة به ولا يشترط كونها مفيدة او لا” وحال أدمغتنا كحال السعرات الحرارية عديمة الفائدة التي نحصل عليها من الوجبات السريعة حيث تقوم أدمغتنا بأعطاء قيمة أكبر لمعلومة ما فقط لجعلنا نشعر بالرضا وقد تكون هذه المعلومة عديمة الفائدة وهذا ما يسمى بفضول الخامل.

أبحاث عن إدمان المعلومات

نُشِرت ورقة بحثية هذا الشهر من قبل الأكاديمية الوطنية المتقدمة للعلوم تحت عنوان” الرمز العصبي المشترك للمكافأة و قيمة المعلومة” -وهي ورقة بحثية كتبت من قبل هسو وطالب الدراسات العليا وباحث ما بعد الدكتوراه في جامعة بنسلفانيا كناجي كوباياشي- حيث توضح الورقة أن الدماغ يتعامل مع المعلومات بنفس المقياس المشترك كما يتعامل مع المال. وتضع هذه الورقة حجر الأساس لكشف التفسير العصبي لكيفية استهلاكنا للمعلومات و ربما حتى الإدمان الرقمي.

وقال هسو: “لقد تمكنا للمرة الأولى من إثبات وجود شيفرة عصبية مشتركة ما بين المعلومات والمال، مما يفتح الباب على مصراعيه أمام عدد من الأسئلة المثارة حول كيفية استهلاك الناس للمعلومات أو أحيانا الإفراط في استهلاكها”.

هذه الورقة البحثية متجذرة في دراسة الفضول وكيف يبدو الدماغ من الداخل. في حين يرى الاقتصاديون الفضولَ كوسيلةٍ  لتحقيق غاية مفيداً -أي عندما يمكن له المساعدة في الحصول على معلومات تساعد في اتخاذ القرارات- يرى علماءُ النفسِ الفضولَ كدافعٍ فطري يمكنه تحفيز اتخاذ بعض الخطوات؛ فعلى سبيل المثال قد يتحقق عشاق رياضة ما من احتمالات الفوز في لعبة ما حتى وإن لم يكن لديهم نية للمراهنة على الإطلاق بل من باب الفضول فقط.

نرشح لك: السطحيون: ماذا يفعل الانترنت بأدمغتنا؟

ويذكر هسو: “حاولت دراستنا الإجابة على سؤالين. أولاً، هل يمكن التوفيق بين وجهات النظر الاقتصادية والنفسية حول الفضول؟ ثانياً، كيف يبدو الفضول داخل أدمغتنا؟” ولِفهم المزيد حول تفسير  علم الأعصاب للفضول، قام الباحثون بفحص أدمغة بعض الناس أثناء مشاركتهم في لعبة قمار؛ حيث  قُدِّم لكل مشارك سلسلة من أوراق اليانصيب وكان عليه ان يقرر كم كان من المفروض أن يدفع ليكتشف  المزيد من احتمالات الفوز. في حالات اخرى، لم تكن المعلومات تساوي الشيء الكثير وفي حين كان بعضها خطراً.

إعلان

في الكثير من الأحيان، قدم المشاركون خياراتٍ عقلانية على أساس القيمة الاقتصادية للمعلومة (أي كم من المال يمكن أن تساهم هذه المعلومة بالفوز به) ولكن هذا لم يفسر كل خياراتهم؛ حيث يميل الناس للمبالغة في قيمة المعلومة بشكل عام، وخاصة في القُرع ذات القيمة المالية. ويبدو أن المخاطرة الكبيرة زادت من فضول الناس حول المعلومات حتى عندما لم يكن للمعلومات أي تأثير على قراراتهم.

قرر الباحثون أن هذا السلوك لا يمكن تفسيره إلا من خلال نموذج يشمل كلّاً من الدوافع الاقتصادية والنفسية للبحث عن المعلومات؛ فالناس يكتسبون معلومات لا تقوم فعلياً على فائدتها الفعلية فحسب بل على فائدتها المرجوة مستقبلاً، سواء استخدمت هذه المعلومات أم لم تستخدم.
حيث أشار هسو إلى أنّ هذا أقرب إلى الرغبة في معرفة ما إذا تلقينا عرض عمل كبير حتى لو لم يكن لدينا النية لأخذه؛ وصرح قائلاً: “يزيد التوقع من كم سيبدو أمر ما جيداً او سيئاً. والتوقع بمكافأة اكثر متعة يجعل المعلومات تبدو أكثر قيمة و أهمية”.

اقرأ أيضًا: المخدرات الرقمية بين الواقع والخيال

ولكن كيف يستجيب الدماغ للمعلومات؟ من خلال تحليل المسح الضوئي للتصوير بالرنين المغناطيسي وجد الباحثون أن المعلومات حول احتمالات الفوز بالألعاب قامت بتنشيط مناطق في الدماغ مسؤولة عن التقييم؛ وهي قشرة الفص الجبهي أو ما يُعرف بVMPFC. وهذه المناطق هي نفسها مناطق المكافأة التي تُنتِج الدوبامين والتي تنشط عادة من خلال تناول الطعام، واستلام النقود وتعاطي المخدرات.

وكان هذا هو الحال سواء كانت المعلومات قيمة و ساعدت في اتخاذ قرارات شخصية للأفراد أو لا.
بعد ذلك كان الباحثون قادرين على معرفة أن الدماغ يستخدم الشيفرة العصبية نفسها للحصول على معلومات حول القرعة كما يفعل للتقييم أو المال باستخدام تقنية التعليم الآلي.  مما سمح لهم بالنظر إلى الشيفرة العصبية لاستجابة الدماغ لمبالغ مختلفة من المال، ثم التساؤل عمّا إذا كان من الممكن استخدام الشيفرة العصبية نفسها للتنبؤ بالمبلغ الذي سيدفعه الشخص للحصول على المعلومات.

ويمكن ذلك!

بعبارة أخرى، أشار هسو إلى ما يلي؛ تماماً كما يمكن تحويل أشياء مختلفة مثل لوحة فنية أو عشاء مكون من شريحة لحم أو إجازة إلى قيمة مالية، فالدماغ يحول الفضول حول المعلومات إلى نفس الشيفرة العصبية المشتركة التي يستخدمها للمال والمكافآت الملموسة الأخرى. كما وصرح: “يمكننا النظر الى الدماغ ومعرفة إلى أي مدى يرغب شخص ما بالحصول على معلومة ما ومن ثم ترجمة نشاط الدماغ هذا إلى مبالغ نقدية”. وقال إنه في حين أن البحث لا يعالج بشكل مباشر الإفراط في استهلاك المعلومات الرقمية، فحقيقة أن المعلومات تُفعّل نظام مكافأة الدماغ شرطٌ ضروري لدورة الإدمان؛ مما يفسر لماذا نجد أن إشعارات هاتفك التي تقول بأن تمت مشاركة صورة معك لا يمكن مقاومتها.

وقال:”إنّ طريقة استجابة أدمغتنا لتوقع مكافأة ممتعة تعد سبباً يفسر سرعة تأثر الناس بالعناوين الخاطفة للانتباه. وتماما مثل الوجبات السريعة، قد يكون هذا وضعاً تُستَغَل فيه آليات التكيف المسبقة لدرجة أننا وصلنا إلى مستوى فضولٍ جديد وغير مسبوق”.

إعلان

مصدر
فريق الإعداد

إعداد: هديل سلامه

تدقيق لغوي: راما ياسين المقوسي

تدقيق علمي: راما ياسين المقوسي

الصورة: مريم

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.