تأخذك إلى أعماق الفكر

ألبير كامو والحب

يعتبر موضوع كامو والحب، موضوعًا واسعًا يتحمل قراءات عدة لعالم الكاتب من أجل اقتفاء آثار العلاقة الغرامية بين ماريا كازارس وألبير كامو، يبدو لي أساسيًا اليوم العودة، إلى ما يقصده كامو ب”الحب”.

إذن، بغض النظر عن الأحاسيس التي تقاسمها مع النساء اللواتي أحبهنَّ، يندرج الحب ضمن بحث جديد وحلقة أخرى، بعد العبث والتمرد، الذي تناوله في روايته: الرجل الأول.

*أتخيل ألبير كامو سعيدًا:

أوضح ألبير كامو في كتابه ”أعراس تيبازة”؛ (مدينة جزائرية)، بأن إحدى أكبر مسراته التواجد في تيبازة متواصلًا مع فضاء طبيعة تحتويه. يبتهج بين أحضان أرض مألوفة ومضيافة. حيث يعيش، ويحب. نعم، لم يختبر ألبير كامو بالتأكيد شعور السعادة سوى داخل هذا النور وقد اكتشف بين طياته زخم شغف سخي. هناك لامس معاني الحرية الأكثر جوهرية، بأن يكون إنسانًا سعيدًا، بمحاذاة البحر وتحت أشعة الشمس.

طرح كامو بشجاعة إشكالية الحقيقة المرعبة الناجمة عن اصطدام الكائن  مع حرية أن يكون ذاته بالمطلق. من هنا تبلور عقيدته، بأن يَعشق ويكون معشوقًا. كتب في”أعراس تيبازة”: “ليس عيبًا  أن تكون سعيدًا. لكن، صار حاليًّا الأبله سيدًا؛ وأقصد بالأبله الشخص الذي يتهيب من الاستمتاع”.يرفض كامو عمليات التكييف التي تجعل الكائنات غبية في خضم عبوديتهم. تيبازة بمثابة مِرآة تتأمل حقيقة العالم حيث يظهر الجميع إمكانية أن يكون. إذن لم يكن سهلَ البلوغ، لكنه ممكن.

أيضًا، كان ألبير كامو سعيدًا حين تفحُّصِه نقطة تمتد صوب زرقة السماء ويدعونا للنظر بعيدًا، غاية الأعلى، نحو أفق فضاء يمتد صوب اللانهائي. تُشَكِّل لديه، نقطة دوخة مصدرها الهاوية، لكنها تعكس طريقته الخاصة لرؤية جمال للعالم يكتشف نفسه أمامه. وإذا أحبه؛ فلأنه بكل بداهة يخاطبه هذا الكون عن السمو، بل الحب.

إعلان

إذن، دون جحود لحقيقة متعته، يستمتع كامو دون قيدٍ مُستسلمًا لحماسه العاشق، مع تذوق الملح على جسم مصقول حين تمدده فوق الرمال الذهبية، هذا الإحساس الناعم بالطراوة والمتعة حينما يَقضم بملء فمه خوخًا يانعًا بكيفية ما، فينساب شرابه، من الذقن إلى الحلق، مثلما يخبرنا في”أعراس تيبازة”.هنا، كامو في حضن مملكته. فضاء يعكس كل شيء داخله جمال حياة تحتفي بنا بشكل مطلق.

بعد ذلك أصبحت تيبازة النواة الدائمة لقوة الحياة، حيث حقيقة الزخم الفعليّ للحب بمثابة الحقيقة الوحيدة التي تؤخذ بعين الاعتبار. لحظات، يستخلص منها مصدر عشق لا ينضب؛ وحوَّلها أيضا إلى طريقة لاقتحام الحياة وفي نفس الوقت مواجهة الموت والعزلة.

*الانتماء إلى صفوف المقاومة:

حينما وصل ألبير كامو إلى باريس سنة 1940، لم يصادف أمامه قط شفافية وصفاء سماء منفتحة على مختلف الممكنات، بل واقعًا لاذعًا لعالم يطوي مدينة مكفهرَّة جدا، كئيبة للغاية، بصدد انطوائها ثانية على ما وصفته حنا أرنت ب”الشر المطلق”. منذئذ، انخرط كامو في المعركة، قلبًا وقالبًا. إنه الرجل الذي عشق الحياة، الآخرين، العالم، وسكنته رغبة أن يحيا تجربة إثارة العواطف والمشاعر.

كابد كامو، عن قرب المرض وعاين مباشرة تحدي الموت جراء إصابته بداء السل، بالتالي، لا يتردد في تبني خيار المقاومة وسط مضمار حلبة يخوض داخلها معركة شرعية من أجل الحرية والعدالة. ضمن أجواء هذا المناخ واصل تأملاته التي اهتدت به نحو إبداع حلقات مشروع تتوزع فيه حلقات عن العبث والتمرد ثم الحب فيما بعد.

في باريس، يوجد أصدقاء والعزلة معًا. أيضًا، يكشف الشاب القادم من الجزائر، المنحدر من البحر الأبيض المتوسط، بدم فائر، عن إغواءات قصد استمالة عشق النساء ورفقتهن. بل، ليس في مقدورهن تجسيد معنى آخر بالنسبة إليه، وقد ترعرع محروما من الأب، بين أحضان وسط نسائي، إلى جانب أمٍّ وجدّة، أحبهما في ذاتهما عشقه الواضح للنساء يصاحبه شعورٌ بالأمان. وإذا عشق الحب، فليس فقط نتيجة هذه الخيلاء بأن يكون رجلًا عاشقًا لمتعة أن يحب، لكن تطلعًا نحو عثوره لدى المرأة عن صداقة عميقة، جوهرية، وأساسية، وكذلك استيعابه لنفسه وما عجز عن فهمه من خلال لغزه الخاص، حيث يكمن سره وجرحه المتمثل في  عطب طفولي، ليس نتيجة تخلي الأب عنه، بل تنطوي ذاته على شعور بالنقص نحو فَقْدِ أبٍ في الحرب لم يتعرّف به قط.

إذن، كما لو أن كامو سعى إلى تحدي الحياة والموت، ثم الزمان، حينما يُحتَضَن لهيبه مع فكره الثاقب، أجمل النساء العاشقات اللواتي جذبناه. بل يمثل ذلك أحيانا مرشده. فهل يعود سبب ترنحهن إلى ابتسامة امتلكها، لا يمكن مقاومتها، لأنها جميلة جدًا مع أنها حزينة للغاية، بحيث يشي تعبيرها عن طفولة ماثلة دائما، أظهر كامو تقريبا ابتسامة للقلب. ويعتبر هذا المُعطَى ثمينًا.

*صورة دون جوان:

إذا بدا ألبير كامو سعيدًا فقد وجد المتعة في منحه تلك المتعة، هذا يتجاوز مجرد بلورة ممارسة عاشقة أو الاستمرار في الحياة خلال فترة الحرب حيث الإنسان، يصارع  تمزقاته، تناقضاته، ويعيش بالتأكيد حياته كمصير وجودي. يرفض كامو وضعا من هذا القبيل، بل قرر على العكس، عدم الامتثال ،ثم أن يتعهد بالحديدِ مصيره الشخصي.

هكذا، برزت صورة دون جوان في كتابه أسطورة سيزيف الصادر سنة 1942. حيث أوضح كامو ما تمثله في نظره، صورة دون جوان، عبر فتوحات إغراءاته المتواصلة، فإنه يُنهك وقد استنفد رغبة الجميلات اللواتي أثارهن بدايةً ثم يتخلى على الفور كي ينتقل من الواحدة إلى الثانية. بهذا الخصوص أبان كامو عن القناعة التالية: مات دون جوان قبل موته. لقد مات جراء العدم الذي يسكنه من خلال لا نهائية الانتشاء المبتهج.

مع ذلك، كيف بوسعنا الصمود حيال نداء هذه اللذة التي نمنحها تحديدًا، لحظة أخرى بغاية رفض واستبعاد الحقيقة المرعبة الأخيرة التي تتجاوزنا جميعًا؟ يوضح كامو حقيقة ذلك في إطار ما يسميه بالدونجوانيّة. يستحضر كامو دونجوان. بل يستدعيه للمثول كي يتجلى وفق حضوره المباشر: رجل مضطرب، تحركه اندفاعات فضفاضة، فوق أرض قاحلة يسودها لهيب شمس حارقة. يعرف دونجوان ذلك، بالتالي لا يعيش سوى من أجل لذة قُبْلة ينتشلها من شفاه نساء عاشقات أو منجذبات. يتطلع نحو ذلك بكل كيانه. إجمالًا، ألا يتمثل سلفًا الموت في ذاته؟ في حين أن لا شيء ولا شخص بوسعه تغيير نزوع آسر للرغبة وجهة هذه اللحظة الأخيرة حيث يستهلكه الموت الصغير، كي يجدد أكثر فأكثر نكهة لذة لا متناهية.

حينما يتذوق دون جوان هذه الفسحة التي تأتت له خلال لحظة، تحديدًا لحظة صغيرة، فلكي ينبعث ثانية فورًا من رماده. هذه المرآوية الثنائية تبناها كامو مسرحيًا. في نهاية المطاف، يجسد دون جوان أسطورة الرجل الذي يجري ضد الزمان، فألغى حواجز الرغبة، وتحرر من موت صار يسأله، كما لو يظهر لها بأنه لازال فعلًا حيًا.

بدوره، لا يخفي كامو عشقه للنساء أو بالأحرى ما تمثله المرأة من انفتاح على العالم والحياة. هكذا، يربط شغفه اللانهائي بالحب، بسعادة تجعله حرًا منتشيًا بالحب والحنان. يحب رفقة النساء اللواتي يختارهن. فهل امتلك كامو روحا دونجوانية حينما يجردهن من ملابسهن فقط بهدف تحقيقه المتعة، نتيجة مفعول نظرته أو ابتسامته؟ بخصوص هذا السؤال، يمكنه الإجابة في الوقت ذاته بنعم ولا.

بالتأكيد، تتطلع كل واحدة من عشيقاته، أن يكون لها وحدها كليا أيضا، لا يفضل تقاسمهن مع الآخر. لكنه إذا استمال نظرة العنصر الأنثوي، ونسج صداقات قوية وشجاعة، فليس قط على منوال دون جوان؛ لأن الأخير يتحالف مع العدم بينما يحب كامو الحياة، ويرغب في أن يعيش حريته الخاصة. إضافة إلى ذلك، نظرا لطبيعته المتحفظة، لا يتكلم عن عشيقاته سوى نادرا. لا يقارن بينهن، بل يحترمهن في خضم اختلافهن. ولن يكون قط دونجوان إلا لحظة استسلامه لرغبته المباشرة أمام اللواتي نعتهن بوصفه الجميل”الساحرات”.

ما الذي يجذب كامو حقًا إلى هذا الشكل الدونجواني، افتتان يتقاسمه مع ماريا كازارس، ويصطلحان عليه معا مفهوم”الدونجوانية”؟ فهل يمثل بالنسبة إليهما مرآة عراء الكائن ذاته؟ تكشف بتعبير كازارس”قساوة الحياة المرعبة” مثلما هي وليس كما نريدها حياة لا تكتسي في نهاية المطاف معناها سوى لأن هناك موت؟ بخصوص هذا التساؤل، أجابت كازارس ذات الأصول الاسبانية بما يلي: “في إسبانيا نعرف منذ طفولتنا بأننا سنموت ولا نخفي ذلك قط. دون جوان شخص تراجيدي. وإذا قضم التفاحة بملء فمه؛ فلأنه يدرك حقيقة موته. تأخذ الحياة إذن قيمتها أكثر مع وجود الموت”.

شكلت متع اللحظة نقطة جامعة بين ماريا كازارس وألبير كامو خلال فترة الحرب: الرقص، المسرح، اندفاع العشق وكذا التمتع بشغف الحياة. خلال هذه الحقبة، أرغمتهما طبيعة السياق على الارتباط بالحياة ما دام يستحيل بالنسبة إليهما توقع اللحظة القادمة. وفي إطار دوامة ضرورة أن يعيشا بزخم كل ثانية، كما لو ستشكل الأخيرة حقيقة منفردة، اندفع الثنائي بحماسة المنحدرين من شبه الجزيرة الإيبيرية(1) نحو شغفهما عبر بوابة الإبداع الأدبي، والمسرحي، ثم العودة فورا إلى حقيقة اللحظة الوحيدة التي تؤخذ بعين الاعتبار. لذلك، نراهما معا باستمرار في شوارع باريس. ليلًا، يرقصان داخل الأقبية والعلب الليلية التي فتحت ثانية بعد التحرير. ماريا كازارس متوقدة جدًا، ويدرك كامو طبيعة الدم الإسباني الذي يجري في عروقها.

أصبح شعار “كل شيء أو لا شيء” اكتساحًا إضافيًا. فخوران بأن يكشفا عن هوية علاقتهما، بل تبيان كبرياء شغفهما المشتعل. ليست  الدونجوانية خيلاء عند كامو أو كازاريس، بل ارتباطًا بالحياة والموت. وإذا كان الموت بالنسبة لتصور كازارس معطى للحياة، فسيأخذ عند كامو معنى مغايرًا تمامًا. يشكل الموت المباغت لطفل بريء في نظره ظلمًا لا يستساغ. ألا تعكس واقعة من هذا القبيل، في نهاية المطاف بحسب كامو عبثية الحياة نفسها؟

أمام هذا العبث الحتمي الذي يشتم الحياة كثيرا، فأيّ معنى يتبناه حينئذ العالم وكذلك الحب؟ يستحضر ألبير كامو للإجابة على السؤال، رهان باسكال: أن تكون خلال الوقت ذاته ملحدًا، قدر انخراطك أيضا في صلة مع المتعالي بدمه الإيبيري، يتأرجح كامو الباسكالي، مثلما تكشف لنا ماريا كازارس، بين شغف نعيشه خلال اللحظة، يستهلك كل شيء، ثم الشغف الآخر المرتبط بالعقل الخالص.

كذلك، يتموقع كامو وكازارس عن قصد خارج  السائد أخلاقيا وقد تخلصا من الأحكام الجاهزة. دائما حسب باسكال، ينطوي الحب على الصيغة الوحيدة للمعرفة على المستوى المعنوي. مبدأ تبناه كامو ثم يحدد نظامًا بإرسائه معالم طريقة تفكير أخرى بحيث يعيش فرادته رافضًا مختلف المواضعات والعادات، يقول القديس أوغسطين: “فلتعشق ثم اصنع ما تشاء”.

باختصار، أزعج كامو منظومة القوانين التي عاش في إطارها، وفق صيغة سخرية سقراطية، تمنحه إمكانية تغيير مجرى الموضوع الذي يتطرق إليه والتحول به نحو وجهات أخرى. لقد استخلص من دون جوان، أسلوبا للحياة، رغبة في الحب، ثم استهلاكه عبر تدفقه. أيّ شيء بوسعه الاتصاف بحس طبيعي يفوق ذلك!

غير أنه، إذا استهلك دون جوان بين طيات طفراته، ومتعته الفورية، ألا يمكننا أن نرى عند كامو الذي تهيمن عليه تلك الصورة، طريقة للتسامي بضجر يخنقه نتيجة المرض والموت نفسه؟

مع انقضاء السنوات، شهدت العلاقة الراسخة  التي أمكن كامو وكازارس نسجها، قطيعة خلال فترة معينة، ثم الارتباط مرة أخرى حينما جمعت بينهما ثانية صدف الحياة. إذن، بوسعهما هذه المرة توطيد”عشق/موهبة”يتجاوز مظاهر غيرة جوفاء مصدرها كبرياء مجروح. أخيرا، لم يتوقفا قط على أن يعشق أحدهما الآخر، في إطار حبٍّ ينتهك ليس فقط التقاليد، بل الزمان نفسه.

ألبير كامو والنساء:

من بين النساء اللواتي تعرف عليهن كامو، في سان جيرمان منذ وصوله منذ سنة 1940، سيمون دي بوفوار التي تتمتع بأكثر من سمة ذات ألياف دونجوانية. أحست بنوع من الانجذاب نحو كامو.

إعلان

أفادك المقال؟ شاركنا رأيك في التعليقات.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.