تأخذك إلى أعماق الفكر

أشهر الحالات المرضية التي عالجها فرويد

فَتحتْ مدرسة التحليل النفسيِّ آفاقًا جديدةً أمام علم النفس، وكان مؤسّسها سيغموند فرويد قد أبهر العالم بنظريّاته الجديدة حول النفس البشرية، ولعلّ أشهر كتبه وأهمِّها: تفسيرالأحلام، وثلاثة مباحث في نظرية الجنس؛ والتي احتوتْ على أكثر نظرياته إدهاشاً وجدلاً، وفي سعيه لإثبات تلك النظريات كان على فرويد تقديم تطبيقات عملية لها، وهو ما حدث فعلاً! فقد كان تحليل حالة دورا تطبيقًا عمليًّا لنظرياته؛ بكتاب تفسير الأحلام، بينما كان تحليل حالة هانز الصغير تطبيقًا عمليًّا لنظرياته؛ بكتاب ثلاثة مباحث في نظرية الجنس، وهذا ما يجعل حالات فرويد “دورا وهانز الصغير” من أكثر الحالات المرضية شهرة في تاريخ التحليل النفسي.

حالات فرويد الأكثر شهرة

1- دورا –Dora (18821945)

صورة دورا بعمر 8 سنوات مع أخيها أوتو
صورة دورا بعمر 8 سنوات مع أخيها أوتو

أحد حالات فرويد واسمها الحقيقي آيدا باير- ida bauer، وُصفت بأنها فتاة جميلة وذكية، والدها صناعيّ معروف، كان قد عُولج على يد فرويد من اضطراب عصبيٍّ ناجم عن إصابته بمرض الزُّهري، ولأنه أظهر تحسنًّا في حالته، فقد دفع بابنته سنة 1900 للعلاج لدى فرويد، كانت دورا بسنّ الثامنة عشر.. عندما أتت إلى فرويد، وهي تشكو من أعراضٍ هستيريّة صغرى: ضيق التنفس، وسعالٌ عصبيّ، وانحباس الصوت. بالإضافة إلى أنها تعرّضت للتحرّش الجنسيّ عدة مرات من أحد أصدقاء عائلتها، وفكرّتْ في الانتحار.

عِلاج فرويد لدورا كان عبارةً عن تحليل حُلمين حلِمتهما، وقد شَخّص حالتها؛ بأنها تعاني من العصاب، بينما يُجادل بعض النّقاد.. بأنّ فرويد تجاهل أعراض حالة دورا، والتي  تشير إلى مرض عضويّ، يقول هانز أيزنك: “كانت دورا قد نشأتْ في بيت والد يعاني من السّل، كما أنّ والدها هذا قد أصيب بالزُهري قبل مولدها، أيضاً؛ فإنّ كلاً من الأب والابنة أظهرا أعراضاً متطابقة للرّبو، وعندما أخذتْ دورا تناشد فرويد أن يأخذ في الاعتبار حالة الزُّهريّ ومتاعبها، فإنّ فرويد شرح لها أنّ كل الأمراض العُصابية؛ قد تصاحبها أعراض جسدية لبعض الحالات المرضية غير الظاهرة!.(1)

انقطعتْ دورا عن العلاج بعد أحد عشر أسبوعاً، ونشر فرويد تقريره عن حالتها سنة 1905، والذي ختمه بنبرة متفائلة؛ عندما ذَكَر بأنّ دورا قد قرّرت أنْ تهرب من المرض إلى الحياة، لم تعرف دورا عن هذا التقرير إلا بعد ثمانية عشر عاماً! عن طريق طبيبها الخاص، والذي أكّد أنّ دورا لم تعرف على مدى تلك السنوات تفتّحاً حياتياً حقيقياً.(2)

2- هانز الصغير –Little Hans (1973 – 1903)

صورة هانز الصغير مع فرويد
صورة هانز الصغير مع فرويد

أحد حالات فرويد واسمه الحقيقي هربرتجراف -Herbert Graf، وُصف في طفولته بأنه ذكيّ ويملك اهتمامًا معرفيًّا، ولا يتوقف عن طرح الأسئلة، وقد أثار ذلك إعجاب فرويد. عندما كان هانز بسنّ الخامسة تقريبًا؛ أُصيب برُهاب حادّ من الجِياد، فقام والده ماكسجراف -وهو مُريد فرويد- بإرسال تقريرإلى فرويد، يصف فيه حالة ابنه هانز، ويقترح أنّ اضطراباته تعود إلى إثارة جنسيّة زائدة، ناجمة عن حنان أمه المفرط، بينما انتهى فرويد إلى أنّ الخوف المَرضي الذي يعاني منه هانز؛ يعود إلى “عقدة أوديب” والتي بموجبها؛ فإنّ هانز رأى من والده منافسًا له على أمه! ولم يكن خوفه من الجياد سوى رمزاً لخوفه من والده!، بينما ينتقد إريك فروم تفسير فرويد، ويرى أنّ خوف هانز سببه الأمّ، يقول:

إعلان

“إنّ الخوف من الخيول المشدودة إلى عربات نقل، أوغيرها، يرتبط بشكل خاص بالأم، وليس كما يُفسّر فرويد بالأب، ومن المحتمل؛ وجود ميلٍ عدواني مكبوت نحو الأم، تهديدها وخيانتها لأنها كانت السبب في ولادة فتاة منافسة، وبسبب رغبة الطفل الصغير في التحرر من شدة ارتباطه بها”.(3)

لم يلتقِ فرويد هانز الصغير أثناء العلاج إلا مرة واحدة! وكان كل تحليله يستند إلى رسائل والد هانز، وقد نشر فرويد تقريره عن حالة هانز سنة 1909، وبعد مرور أكثر من عشر سنوات؛ التقى مرة أخرى هانز، ووصف ذلك اللقاء كالتالي: ” هانز الصغير بات الآن شابًّا جميلاً  في التاسعة عشر من العمر، وقد صرّح لي بأنه في أتمّ العافية، لا يشكو من أيّ ضيق، فهو ما اجتاز طَور البلوغ بدون أن ينوبه منه ضَيْر وحسب، بل تحمّل أيضًا -ثابت الجَنان- محنة من أقسى المحن في حياته العاطفية، فقد وقع الطّلاق بين والديه، وارتبط كلّ منهما بزواج جديد، وهو من ثمّ يعيش بمفرده، ولكنه على صلة طيبة بكل من والديه، ويؤسفه فقط؛ أنّ تفكك الأسرة قد فصله عن أخته الصغرى، التي كان شديد التعلق بها.(4)

نقد طريقة علاج فرويد

تلقّى فرويد الكثير من النقد حول طريقة علاجه وتفسيره لحالة دورا وهانز الصغير، سواء من داخل مدرسة التحليل النفسي، أو من خارجها، ومن أهم النقاط التي تناولها النقاد:

تجاهلُ فرويد للأعراض المرضية، وعدم القيام بفحص طبي شامل للكشف عن الأمراض العضوية. تركيزُ فرويد المفرط على الجنس في تشخيصه، وتجاهل بعض الجوانب المهمة، وقد يكون من الغريب أن يُعتبر فرويد وأتباعه حالة دورا وهانز الصغير دليلًا على نجاح التحليل النفسي كنظرية وكطريقة للعلاج!.

المصادر:
1 تدهور إمبراطورية فرويد وسقوطها، هانز آيزنكص 102
2 التحليل النفسي للهستيريا)حالةدورا(،فرويد،ترجمة جورج طرابيشي ص 7
3 أزمة التحليل النفسي،اريك فروم، ترجمة طلال عتريسي ص 92
4 التحليل النفسي لرهاب الأطفال)هانزالصغير(،فرويد، ترجمةجورج طرابيشي ص 162

إعلان

فريق الإعداد

إعداد: نبيل علال

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.