بافيزي من الحب إلى الانتحار

يٌعد تشيزاري بافيزي من أهم أدباء إيطاليا في القرن العشرين نِتاجهُ الأدبي شَمل الشعر والرواية والترجمة والنقد ولد سنة 1908 ببسانتو ستيفانو بيبلو وهي قرية تقع في إقليم بييمونتي توفي والده بعد فترة قصيرة، تولت أمه وأخته ماريا رعايته عندما كان بسن السابعة عشرة بَدأ كتابة الشعر وأرسل أُولى نصوصه الى مجلة “دراسة حول الشعر” لكنها رفضت، ليلتحق بعدها بجامعة تورنتو ويتخرج سنة 1930. في تلك الفترة كان قد بدأ نشاطه الأدبي ككاتب ومترجم من الأدب الأمريكي والإنجليزي (ديفو،ديكنز، فوكنز، جويس وغيرهم ) نالت روايته الصيف الجميل جائزة ستريجا وهي أهم جائزة أدبية في إيطاليا.

الحب :”عَرفت بلا وعي أن الحُب سيعني لي مذبحة “

امرأة ذات الصوت الأجش  أو “ت” وأحيانا “الآنسة”  هكذا كان يسمي بافيزي في مذكراته المرأة التي أغرقته في حب مأساوي كانت باتيستينا بيزاردو طالبة رياضيات ومناضلة في الحزب الشيوعي ضد حكم الفاشية، التقى بها بافيزي في مرحلة تطور ميوله السياسية واحتكاكه بالجماعات السرية ضد الفاشية  بعد سنة 1930، لاحقًا سينظم بافيزي للحزب الشيوعي الإيطالي PCI  وفي موجة حبه العارمة  يقبل بتلقي رسائل على عنوانه موجهة لباتيستينا من خطيبها المسجون أنطونيو اسبيليني، هذا القبول أدى في أحد الأيام إلى اقتحام البوليس لبيت بافيزي وتفتيشه والعثور على بعض تلك الرسائل المعارضة مما أدى إلى محاكمته وحكم عليه بالمنفى لثلاث سنوات في قرية برنكاليوني، لم يُكمل عقوبته فقد تم الإعفاء عنه لأسباب عديدة من بينها أزمات الربو المتكررة، خروجه من المنفى إلى تورينتو كان يحضر له أخبارًا مأساوية فقد عَلم أن باتيستينا بيزاردو قد تزوجت! لَم يتمالك نفسه ووقع فريسة الاكتئاب واتجه إلى عزلة كاملة.

فكر بافيزي في الانتحار ولمدة ثلاث سنوات لم يُشفَ من الصدمة وكانت باتيستينا بيزاردو تتردد في نصوصه بين فترة وأخرى… الحب لايموت، لقد غدت باتيستينا بيزاردو امرأة مجردة أكثر من ذكرى وأحيانا أسطورة تشبه أفروديت:

“دائما تأتين من البحر

إعلان

لك صَوته الأجش

وعينان سرِّيتان

من ماء حيَ بين مواقد النار

وجبين صافٍ كسماء

تحت السحاب

تنبعثين في كل مرة

كشيء قديم

وبرِّي كان يعرفه القلب

فيرتجف”

باتيستينا بيزاردو وبافيزي

 

في  آخر سنواته تعرف بافيزي على الممثلة الأميركية كونستانس دولينغ وهي فتاة طموحة كانت تسعى للمجد والشهرة، كأن هذا الحب الجديد أعاده للحياة بعدما كان الموت يرنو بنظره إليه، هل هناك فصل جديد أم تكرار لخيبات الأمل؟ لم تسمر علاقته مع كونستانس دولينغ لأكثر من سنة ففي الوقت الذي أعلنت زواجها من شخص آخر رفضت طلب بافيزي للزواج، وبالنسبة لبافيزي كانت تلك النهاية.

 

كونستانس دولينغ وبافيزي

الانتحار:”لا أحد أبدًا يفتقر إلى سبب معقول للانتحار”

يعود بافيزي دائمًا إلى فكرة الانتحار بقوله:

  أعرف أنني محكوم إلى الأبد بأن أفكر بذلك أمام أي مضايقة أو ألم، وهذا مايرعبني. إن مبدئي هو الانتحار غير المنفذ، لن أنفذه أبدًا ولكنه يُداعب أحَاسيسي. 

من جهة أخرى ينتقد فكرة الانتحار في زمنه:

هذه الأيام الانتحار هو مجرد وسيلة للاختباء يُنفَّذ بجبن، بهدوء وبتردد.

وبحنين يتساءل:

هل سيعود يومًا  انتحار متفائل لهذا العالم؟

رغم تردده وشكه التزم بافيزي بفكرة الانتحار وتنفيذه ففي أغسطس سنة 1950 استأجر بافيزي غرفة في أحد فنادق تورينتو وأقدم على الانتحار بتناول جرعة زائدة من المهدئات، هل كان ذلك بسبب الحب؟ قد نجد الإجابة في مذكراته:

لايقتل أحد نفسه من أجل حب امرأة، إنما يقتل نفسه لأن الحب، أي حب، يفضحنا في عرينا وفي شقائنا وفي عجزنا وفي اللاشيء.

 

نرشح لك: في انتظار جودو، الانتظار في مواجهة عبثية الحياة

المصادر : 
1 مهنة العيش ، تشيزاري بافيزي ، ترجمة عباس المفرجي 
2 حوارات ليوكو ، تشيزاري بافيزي، ترجمة موسى الخميسي 
3 مالايدرك ، لويس غروس ، ترجمة زينب بنيانة

إعلان

فريق الإعداد

تدقيق لغوي: ندى حمدي

تحرير/تنسيق: نهال أسامة

اترك تعليقا