تأخذك إلى أعماق الفكر

المجون في شعر أبي نواس

(أسبابه ومداه)

المجون في الشعر العربي قديم قِدم الشعر نفسه، من العصر الجاهلي مرورًا بصدر الإسلام فالأموي فالعباسي إلى عصرنا الحاضر. وكان من العوامل التي تعد سبابًا رئيسيًا في انتشار هذا اللون من الشعر في العصر العباسي هو حياة الترف التي عاشها أهله، فقد شهد هذا العصر رفاهًا اقتصاديًا وفيرًا، وتسوق لنا كتب التاريخ، مظاهر عدة لهذا الترف، ومضى المؤرخون يصفون تلك الحياة التي عاشها الخلفاء والقادة و الولاة ومن يلحق بهم من الأمراء وكبار رجال الدولة والعلماء والشعراء والمغنيين.

ونتيجة لهذا الترف انتشرت دور النخاسة، ومجالس اللهو في هذا العصر كما أدى بالكثير من الشعراء إلى التعلق بالخمر ووصفها على أنها غذاء للروح، ومن هؤلاء الشعراء شاعرنا أبو نواس الذي رأى فيها أنها المنفذ الوحيد على العالم، ولم يتوقف شعره علي وصفه للخمر وجهره بشربها فقط، فقد كان هجّاءً شتامًا فمدح من أعطاه وهجا من منعه، وراح يتغزل بالغلمان الأمر الذي جعل هارون الرشيد يضعه بالسجن لما شاع من شذوذ في شعره، ولم يخل شعره من الغزل الفاحش بل كان له نصيب منه أيضًا وسنحاول في هذا المقال معرفة الدوافع التي ساقت أبو نواس لهذا المجون ومداه من شعره وحياته.

أولاً: أضواء علي العصر الذي عاش فيه أبو نواس

 

الوضع السياسي للعصر:

ابتدأ العصر العباسي الأول(132- 232هجريًا) بخلافة أبي العباس السفاح وانتهي بخلافة الواثق، وتميز بقوة الخلافة واستقلالها التام، وتركز السلطات العليا في الدولة بيد الخلفاء الذين تمتعوا بقدرات شخصية وسياسية وإدارية فذة استطاعوا من خلالها المحافظة على وحدة الدولة وإخماد الفتن والثورات التي قامت في وجهها.

الوضع الاجتماعي:

شهد المجتمع العباسي منذ مستهله طبقية تظهر لنا جلية من قرائتنا لتاريخ هذا العصر، فقد تمتع فيه الخلفاء والوزراء والولاة بترف مغدق ونعيم مغرق، ولا ريب في أن هذا البذخ كان علي حساب الكادحين والفقراء من الرعية الذين احتكروا لأنفسهم الأموال والموارد الضخمة.

وكانت خزائن الدولة هي التي هيأ لكل هذا الترف فكانت تحمل إليها حمول الذهب والفضة من أطراف الأرض، حتى قالوا أن المنصور خلف مليون من الدراهم، وكان دخل بيت المال سنويًا في عهد الرشيد كان نحو سبعين مليونًا من الدنانير، ورُوي عن المنصور أنه فرض لكل شخص من أهل بيته ألف ألف درهم في كل عام.

إعلان

وكان الخلفاء والوزراء والولاة والقواد يغدقون على العلماء والأطباء والشعراء والمغنيين، وكانت هذه السيول التي تسيل إلى حجورهم أثرها الواسع في نهضة العلوم والآداب والفنون، وكان منهم كثيرون يرتب لهم رزق معلوم يأخذونه شهريًا أو سنويًا، بل كان منهم وخاصة من المغنيين و الشعراء من يثري ثراءً فاحشًا.

ولد “الحسن بن هانئ” الذي عرف فيما بعد باسمه المحبب “أبو نواس” عام 154 هجريًا في عهد ثاني الخلفاء العباسيين أبي جعفر المنصور بباب النار في خورستان لأمٍ فارسية وأب دمشقي، ولما شب “الحسن” أرسلته أمه إلى عطّار ليعمل عنده أجيرًا، وشغلت عنه بغرام جديد بمن يدعي “العباس”، فتولى العطّار تربيته ورعايته، وكان أبو نوّاس يحب ارتياد مجالس العلم والشعر بعد انتهاء العمل مع العطّار، ثم التقى بالشاعر “آلبة بن الحبّاب” فصحب أبو نوّاس معه إلى الكوفة، تولى “آلبة” تعليمه الشعر وحرص على اصطحابه في المجالس العلمية والأدبية والشعرية التي كانت تتنوع بين الشعر القديم والتفاسير والنقد الأدبي.

مكث أبو نوّاس سنةً كاملةً في الكوفة ثم رجع للبصرة مرةً أخرى بعد أن بالكوفة وما فيها ثم التقى بأستاذه الثاني الشاعر “خلف الأحمر”  فتعلم منه الكثير في العلم والأدب وتزود من ثقافته.

ارتحل أبو نوّاس إلى بغداد ليلتقي باللخليفة هارون الرشيد ويمدحه ونال مكانةً مرموقةً عنده، لكن كان يحبسه هارون الرشيد كثيرًا بسبب شعره الذي احتوى الكثير من المجون، ويُحكى أن هارون الرشيد أمر بقتل أبي نواس:

فقال: أتقتلني شهوةً لقتلي؟

فقال: لا، بل أنت مستحق للقتل.

قال: فيم استحقيت القتل؟

قال: بقولك: ألا فاسقني خمرًا وقل لي هي الخمر

ولا تسقني سرًا إذا أمكن الجهر

فقال: يا أمير المؤمنين، أفتعلم أنه سقاني وشربت؟

فقال له أمير المؤمنين: أظن ذلك.

فقال: يا أمير المؤمنين، أفتقتلني على الظن، وقد قال الله تعالى: ” إن بعض الظن إثم “.

فقال له الرشيد: قد قلت ما تستحق به القتل.

فقال: ما هو؟

فقال له: قولك: ما جاءنا أحدٌ يخبر أنه في جنةٍ من ماتَ أو في نار، فقال له: يا أمير المؤمنين! هل جاءنا أحدٌ؟

قال: لا.

قال: أتقتلني على الصدق؟

فقال له الرشيد: أولست القائل: يا أحمدُ المرتجى في كل نائبة، قم سيدي نعص جبار السموات

فقال له: يا أمير المؤمنين! أوصار القول فعلًا؟

قال: لا أعلم.

قال: أفتقتلني على ما لم تعلم.

فقال له أمير المؤمنين: دع هذا كله، فقد اعترفت في مواضع كثيرة من شعرك بالزنا.

فقال أبو نواس: قد علم الله هذا قبل علم أمير المؤمنين بقوله تعالى: ” والشعراء يتبعهم الغاوون، ألم تر أنهم في كل واد يهيمون وأنهم يقلون ما لا يفعلون”.

فقال الرشيد: خلوا عنه.

مدح أبو نواس البرامكة وتوطدت علاقته بهم لكن سارت حتي انقلب الرشيد على البرامكة، فخاف أبو نواس على نفسه وانتقل إلى دمشق ومنها إلى الفسطاط في مصر ليمدح وإليها الخصيب بن عبد الحميد العجمي فأحسن ضيافته وغمره بالعطاء.

توفي الرشيد وتولى ابنه الأمين الحكم من بعده فعاد أبو نواس إلى بغداد حيث كانت تربطه صداقة قديمة بالأمين: أبقاه الأمين بجواره يستمع إلى مدحه وطرائف شعره، لكن كانت سيرة أبو نواس غير الحميدة تدفع خصومه إلى لومه على اتخاذ شاعر غير سوي كهذا فكان يضطر إلى حبسه كثيرًا، قبل أن يتوفى الأمين ويرثاه أبو نواس بقصائد يتبين منها صدقه في صداقته إياه.

ثانياً: ظواهر المجون في شعر أبو نواس

لنتعرف سريعًا على ظاهرة المجون التي شاعت بشكل كبير بين الكثير من شعراء هذا العصر، والأسباب المؤدية لها، والذي عده بعض الأدباء والنقاد المحدثون هذا اللون فنًا قائمًا بذاته، ومن بينهم د.محمد مصطفى هدارة في كتابه “اتجاهات الشعر في القرن الهجري الثاني” حيث وضع يده على جملة من الأسباب التي جعلت من المجون تيارًا فنيًا جارفًا، وقد حدد أولًا  الإطار الزّمني لهذه الظاهرة بالقرن الهجري الثاني، ثم حدد مفهوم المجون بقوله: “هو ارتكاب المآثم والدعوة إلى التحلل الأخلاقي، ومجانبة الآداب بدعوى الحرية الفكرية”.

أما “طه حسين” فيري: أنّ التماجن في الشعر قد بدأ بتحول السلطة من الأمويين إلى العباسيين، ويرمي من وراء ذلك إلى أنّ العنصر الفارسي كان له الأثر البارز في نشوء هذه الظاهرة، ثم تبنّى هدارة هذا الرأي عندما لاحظ أنّ أغلب الشعراء المُجّان كانوا من الموالي.

أما “مارون عبود” فيري أن شعر المجون كان من أشد الشعر نموًا في هذا العصر فيقول: وأشد الشعر نموًّا في هذا العصر، شعر المجون ووصف الخمر، وهو ما نسميه بشعر القصور، فتهالك الناس عليه لفساد أخلاقهم وانحلال روابطهم الاجتماعية.

ويقول “بطرس البستاني”: وأفرط الشعراء في المجون لاتساع رزقهم، ووَفْرَةِ أسباب لهوهم، فخلعوا رداء الحياء، وأرادوا التغزل فتعهَّروا، وأسرفوا في تعهرهم، فكان شعرهم صورة لتلك البيئة المريضة الأخلاق.

وما يعنينا هنا، هو هذا الصنف من الشعر عند أبو نواس لأنه كما يروي عنه، وتبعًا لما قرأناه له من قصائد، يعد أبو نواس شاعرًا إباحيًا من الدرجة الأولى تفنن في جميع أنواع المجون من وصف للخمر وغزل فاحش وهجاء لاذع وتعبير عن الغرائز بشكل فاضح، بل أظهر في شعره شذوذًا لتغزله ببعض الغلمان.

تهتكه: كان خليعًا متهتكًا لا يبالي بحدود الأدب والدين ولا يراعي شيئًا من هذا، من قوله يخاطب أحمد بن أبي صالح:

ناديته بعدما مال النجوم وقد

صاح الدجاج ببشرى الصبح مرَّاتِ

فقلت والليل يجلوه الصباح كما

يجلو التبسم عن غر الثنيات

يا أحمد المرتجى من كل نائبة

قم سيدي نعصِ  جبار السماوات

ومن مجون أبي نواس، كما روى ابن منظور، قال: كان أبو نواس مع المصلين في المسجد فإذا بالإمام يقول: قل يا أيها الكافرون، فصاح أبو نواس من وراء: لبيك، فأخرج.

ويقول:

فقُمنـا إليه واحدًا بعدَ واحِـدٍ               فكـان بهِ من صَـومِ غُـربتنـا الفِــطــرُ

فبِتنا يرانا الله شَرَّ عِصابة                   نُجَرّرُ أذْيالَ الفُسوقِ ولا فَخْرُ

خمرياته: أفرد للخمريات بابًا مستقلًا، فجعل له عالمًا خمريًا متكاملًا  وفي قصائد مستقلة، بل في قالب قصصي، ذكر فيه الساقية ومجلس الشراب والندامى والحانة، وذكر فيه الجواري والغلمان، وترك  أبو نواس الوقوف على الأطلال، وبدأ قصائده بذكر الخمرة، فقال:

لا تبك ليلى ولا تطرب إلى هند         واشرب على الورد من حمراء كالورد

فالخمر ياقوتة والكأس لؤلؤة              في كفّ جارية ممشوقة القدّ

تسقيك من طرفها خمرًا ومن يدها       خمرًا فما لك من سكرين من بد

ويقول:

دع عنك لومي فإن اللوم إغراء        وداوني بالتي كانت هي الداء

ويقول:

دع المساجد للــعباد تسكنها     وطف بنا حول خمار ليسقينا

ما قال ربك ويل للذين سكروا     ولكن قال ويل للمـصلينا

هجاؤه: كان للهجاء نصيب من شعر أبي نواس فقد ازدري العرب وسخر من عاداتهم وتقاليدهم، فقد كان كثيرا ما كان يهزأ بالشعراء العرب القدامى الذين كانوا يبدأو قصائدهم بالبكاء على الأطلال، فيقول:

 عاج الشقى على رسم يسائله   وعجت أسأل عن خماره البلد

يبكى طلل الماضيين من أسد   لاد درك! قل لى من بنو أسد

كما أنه هجا جعفر البرمكي وزير بلاط الرشيد وصوره في هيئة ساخرة، فقال:

عجبت لهاون الإمام وما الذى

يود ويرجو فيك ياخلقه السلق

قفا خلف وجه قد أطيل كأنه

قفا مالك يقضى الهموم على ثبق

شذوذه: نلمح في شعر أبي نواس شذوذًا وصل به إلى حد التغزل بالمذكر، فقال:

مستيقظ اللحظ في أفنان وسنان

قبلت فاه فحيَّاني بريحان

مستبعد للأماني حسن منظره

عف الضمير ولكن لحظه زان

يا من تأنق باريه وصوَّره

دعصًا من الرمل في غصن من البان

ويقول:

مُتَتَايِهٌ بجماله صلفٌ

لا يستطاع كلامه تيها

للحُسن في وجناته بدعٌ

ما إن يمل الدهر قاسيها

لو كانت الأشباح تعرفه

أجللنه إجلال باريها

لو تستطيع الأرض لانقبضت

حتى يكون جميعه فيها

كان ما تقدم كله بعض النماذج التي تبرز لنا تهتك أبو نواس وعبثه، لكن لم يستمر أبو نواس في بقية حياته علي هذا العبث ففي الفصل الأخير من حياته عاد إلى الزهد، وله عدد من القصائد الدينية، على نحو:

يا رَبَّ إن عَظُمَت ذُنُوبي كثرة     فلقد عَلِمتُ بِأنَّ عفوكَ أعظَمُ

إن كان لايرجوكَ  إلا مُحسِنٌ    فبِمَن يَلُوذُ و يستجِيرُ المُجرِمُ؟

وكان رجاؤه بعفو الله عظيمًا كما يقولون، ولذلك أكثر من المعاصي معتمدًا على عفو الله، حتى ختم أبو نواس همزيته المشهورة بهذين البيتين وهما موجهان «للنظام» زعيم المعتزلة الذي كان يقول لا يغفر الله لأصحاب الكبائر:

قولوا لمن يدعي بالعلم فلسفة

عرفت شيئًا وغابت عنك أشياء

لا تحظر العفو إن كنت امرءًا حرجًا

فإن حظركه بالدين إزراء

نرشح لك: كولريدچ وشعراء الخمر.. توافق رغم فارق الزمان وبُعد المكان

إعلان

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.