نظرية فيبلن: بين الاستهلاك الاستعراضي والفستق الذي أصبح بستاشيو

أعتقد أن السّاعة مهمة، فهي تخبرنا عن الوقت، ربما لهذا السّبب يشتري البعضُ منا ساعاتٍ ويرتديها، فالوقت سيبقى ثمينًا ومن ذهب سواء كانت السّاعة حول معاصمنا من ذهبٍ أو قصدير. إذن لماذا ينفقُ البعضُ أموالًا طائلة على سلعٍ يمكنه الحصول عليه بالقليل؟ هل الاستهلاك الاستعراضي مرض أم ظاهرة اجتماعية؟

الاستهلاك الاستعراضي أداة الظهور الاجتماعي

المجتمعات الحديثة على اختلاف ثقافتها وتكوينها تكون مقسمة بخطوطٍ غير مرئيةٍ إلى طبقات، تدركها العقول وتتعامل معها بوصفها واقع موجود، قد تختلف التّسميات مع اختلاف العصور، لكن الطبقة العليا التي تمثّل أعلى شريحة اجتماعية ستبقى هدفًا تطمح إليه الطبقات الأدنى. إن تسلّق السلّم الاجتماعي يحتاجُ من المرء الوقوف على ما يرفعه، وأن يمتلكَ ميزةً معينةً تحملهُ على كتفها إلى الطبقة الأعلى، وتختلفُ هذه الميزة باختلاف معالم الطبقة المستهدفة وآلية تعريفها لنفسها ولأفرادها. كان الإنسان سابقًا يستهدف الطبقة النخبوية عن طريقِ التحصيل العلميّ والوعي الاجتماعي والأفكار التحررية، فانتشرت الصّالونات الأدبية والمجالس العلمية وكانت طريقًا للتّرفع والاحتكاك مع النخب. وبما أنّ لكلّ زمانٍ أحكامه أخدت الطبقة العليا في المجتمع تأخذُ طابعَ الترفِ والبذخ، وترتبط بإظهارِ الماديات وتعميق فكرة التّفاخر لشراء الاهتمام وهو ما يطلق عليه الاستهلاك الاستعراضي أو الاستهلاك التفاخري.

نظرية الطبقة المترفة لثورستين فيبلن

أعتقدّ _وبرأيي الشخصيّ_ أنّ الاقتصادي وعالم الاجتماع الأميركي ثورستين فيبلن كان سابقاً لأوانه، فلقد وصف في كتابه نظرية الطبقة المترفة ظاهرة الاستهلاك الاستعراضي بدقة، وأعادها إلى جذورها النفسية والاجتماعية، ومن المثير للدهشة أنّ هذا الكتاب صدر في عام 1899. أن تتحدّث عن الاستهلاك التفاخري قبل عصر العولمة والانفتاح والتسوّق الالكتروني المحقق بكبسة زر، وقبل مواقع التواصل الاجتماعي التي أصبحت الأم الروحيّة للتفاخر وحب الظّهور والتّنافس على توثيق نوعية الحياة.

يعتبر ثورستين فيبلن أنّ الاستهلاك الاستعراضي هو استهلاك دافعه الظهور وليس الحاجة الحقيقية، ويتجلّى بشراء أشياء كرمز لمكانة معينة، وصلة وصل مع الطّبقة وهو الهدف الذي يُسعَى للوصول إليه، هذه الطّبقة لا تعمل ولا تكترث لكسبِ الرزق، لكنّها تستعرض مقتنياتها لتعبّر عن ثروتها وقوتها وتفوقها الطبقي، حيث لا توجد غاية حقيقية خلف هذا الاستهلاك التفاخري إلّا الإعلان عن طبقتهم الاجتماعية. والطّبقات الأقل دخلًا تقلّدُ الطبقات الغنية كي تخلق لأنفسها قبل الآخرين شعورًا بالارتقاء والانتماء إلى الطّبقة المترفة، مما يجعلنا نشعرُ بالحنين إلى أيامٍ مضت حَسِب فيها الناس العلمَ والعمل والإبداع أدواتاً للارتقاء، وللأسف إنّ هذه الطبقات الأقل دخلًا هي أكثر من يدفعُ ثمنَ اختلال الموازيين، لأنها تنفق ما لا تملك لتحقّق وهم الإنجاز ووهم الانتماء.

الاستهلاك الاستعراضي هوية بصريّة وفكريّة

الاستهلاك الاستعراضي ليس استهلاكًا لتلبية حاجة مادية بل لخلق هويّة بصرية وفكرية تسهّل عملية فرز الأشخاص في المجتمع حسب طبقاتهم، فهم يشترون كي يُرَى ما يشترون، ويستهلكون ليظهر للعامة ما يستهلكون. كوب القهوة المزينُ بشعارٍ معيّن والموضوع بشكل بارزٍ وظاهرٍ حتى يُرَى، السّيارات الفارهة التي تخلق حسب شركاتها المصنّعة طبقات داخل الطّبقة المترفة، المبالغة في تصوير الطعام وتشكيله وتزيينه إلى حدّ تزييفه في بعض الأحيان، إن الاستهلاك في هذه الحالات يتعدى الكافيين والتنقل والغذاء، يتجاوز حدود الاحتياجات البشريّة الطبيعيّة المفهومة والمبررة. الانغماس في الاستعراض يتلائم مع نظام التّفاهة الذي أحكم سيطرته على حياتنا، ويجعلُ البشرَ أكثر تنافسًا على المظاهر بدلًا من التطور الحقيقي؛ نقص داخلي يتمّ تعويضه من الخارج وقرابيين من المشتريات تُبذَل على مذبح الانتماءات.

إعلان

يرى ثورستين فيبلن أنّ الاستهلاك الاستعراضي عند الطّبقة المترفة لا يقتصرُ على المشتريات المادية الملموسة، بل يحول طريقتها بالاستجمام أو قضاء أوقات الفراغ إلى وسيلة لإظهار المكانة الاجتماعيّة، فبرزت مصطلحات مثل «مطاعم النخبة» أو «منتجعات النخبة»، والتي يتطلّبُ الدّخول إليها ما يفوق الاستعداد المادي لتحمل التّكلفة، ولها معايير خاصة وتوصيات من مرجعيات معينة لتصبح جزءًا من التّجربة التي تقدمها. وحتى الرّياضة التي قد تبدو حسب افتراضنا نشاط جسدي غايته الصّحة والحيوية، أصبحت هوية اجتماعية مرسخّة للانتماء النّخبوي، فالطّبقة المترفة تبتعد عن الرياضات الشّعبية والتي تتطلّب تعامل جسديًا مباشرًا مثل كرة القدم، وتنخرط في رياضات معينة كالفروسية والغولف والتنس، وتمارس فوق ملاعبها المزيد من الاستهلاك الاستعراضي للملابس والخيول وكلّ ما يسهم في تعزيز التفاخر وحبّ الظّهور.

الفستق الحلبي الذي أصبح بستاشيو

لقد أكرم الربّ الفستق الحلبي في العامين الفائتين والتحق بشوكولا دبي، وشقّ طريقه صعودًا نحو الطّبقة المترفة ليترك الماضي خلفه ويصبح اسمه «بستاشيو». فالسّلع يجب أن تتمتّع بصفات معينة حتى تصبح صالحة للاستهلاك الاستعراضي، يتمّ أولًا إعادة تسميتها لفكّ الارتباط مع ماضيها غير النّخبوي، ثمّ تُقدَم بطريقة جديدة مبهرجة ومتحذلقة وتعرض للبيع في أماكن تهبها شرعيّة نخبوية، وبعد الاسم والشّكل والمكان يأتي السّعر ليرسّخ الفرق بين النسخة الشعبية والنسخة النخبوية. فالأمر يعتمد على رفع القيمة الرمزية مقترنًا بالسعر، والتسويق النفسي للعب على وتر الانتماء الطبقي، وتفعيل الصّورة الذّاتية المقترنة بالقبول الاجتماعي، والتجديد الضروري لضمان استمرار عمليتي الاستهلاك والاستعراض.

فالاقتصاد حسب فيبلن لا يمكن عزله عن سياقه الاجتماعيّ والثقافيّ، والنّظريات الاقتصادية الجامدة التي تقوم على الحساب والورقة والقلم ستعاني في أغلب حالاتها من الانفصال عن الواقع. إنّ التّأزم الذي تخلّفه الطّبقة الوسطى خلال محاولاتها الالتحاق بركب الطّبقة المترفة يتجلى بالديون وضعف الإدخار وعدم السّعي وراء الإنتاجية، ويوّجه للمنطق صفعةً مدويةً تصيبهُ في مقتل. فلقب «أجهزة الكلية» يطلقُ من باب السخرية على إحدى شركات الهواتف المحمولة، بعد قيام شاب صيني ببيع كليته لشراء أحد منتجاتها!

الإنسان يشتهي أمورًا لو تأمل فيها لوجدها تافهة لا تستحق العناء والتكالب. ولكنه مدفوع نحوها بدافع الإيحاء الاجتماعي الذي يشبه التنويم المغناطيسي من بعض الوجوه.

علي الوردي

من كتاب مهزلة العقل البشري

الأرضية الاجتماعيّة للاستهلاك التفاخر

ستضع الحياةُ دومًا الإنسان أمام خياراتٍ كثيرة ومفترقات طرقٍ عسيرة، والخيار مهما كان صغيرًا سيكون عظيم الأثر مع الاستمرارية. لذلك فالإنسان الذي لا يعرف نفسه ولا يجيدُ إعمال العقل وترتيب أولوياته سيعاني الضّحالة والخسارة، وسطوة المجتمع على الفرد تتضخم وتتمكّن كلما كان قليل التفرد، إن حالة الأنوميا الاجتماعية أو انعدام المعايير التي تفتت المجتمع من لبّه إلى قشرته، تلعبُ دورًا كبيرًا في جعل أفراده ينغمسون في آلة الحصاد الاستهلاكيّة، والإنسان المفتقر للضوابط الصّحيحة والوعي الاجتماعيّ سيستمد قيمته من الاستهلاك الاستعراضي، ولن يقاوم تيار الطبقة المترفة الجارف إلى التفاخر المادي دون قيم أو إنجازات حقيقية. في الحقيقة ليس كلّ تصفيقٍ نجاح، والنّفوس السّامية وحدها من تدركُ قيمة الأشياء التي لا تلمع، والتّقليد الأعمى لا يحتاج عيوناً مغلقة بل عقولاً مغيّبة.

إعلان

اترك تعليقا