جماليات السيطرة.. وجماليات اللايقين مقال سامح هواري

1
في محاولات تحليل الأعمال الفنية -بغرض رصد مواضع التقدير بها- يستخدم عادة مصطلح الجمال كتوصيف أخير أثيري لتلك المواضع، بينما يحاوط الغموض هذا المصطلح من كل اتجاه، يفترض شيء ما في تركيب العنصر الفني خارج حدود التناول أو الفحص، فيبدو أن التخلي عنه في سبيل مصطلح جماليات يؤدي وظيفة أفضل على مستوى الوضوح والملائمة للمهمة المحددة، فيمكن ربط الأخير بعدة كلمات أخرى يمكن تتبع ووصف استخداماتها بدرجات متفاوتة من الدقة، بعض من هذه الكلمات ما هو آتي: رتم، بناء، ترتيب، تركيب، تقابل، توزيع، حدة، كثافة. تستخدم هذه الكلمات (وغيرها) لوصف حالات فيزيائية محددة، داخل اللوحة، المقطوعة، المشهد، وتوجد أخرى أكثر غموضا، تقع على جانب ما يدعى خبرة، ولكن لا تفقد جانبها الفيزيائي، مثل هارموني، توتر، تنافر، توازن، وأخرى تضحي بالمعنى الفيزيائي كاملا في سبيل الخبرة الشخصية مثل: جمال، شعور، عاطفة، رهبة، رغبة.
المجموعة الأولى من الكلمات ترتبط بقابليتها للتحليل لكميات فيزيائية، وبمعزل عن حكم قيمي يرتبط بها، يمكن الاكتفاء فقط بالوصف الفعلي للظاهرة، يمكن وصف رتم مشهد سينمائي ما اعتماداً على مقدار تعاقب الصور في الزمن، الفارق الزمني بين الانتقال من كادر لآخر، مكان تصوير لآخر، يمكن وصف توزيع الألوان داخل لوحة معينة بناءً على تحديد مناطق وجود اللون ودرجاته وظلاله وتنويعاته أعلى نسيج اللوحة، يمكن وصف تركيب مقطوعة موسيقية بناءً على تجاور الاصوات لبعضها، الآلات المستخدمة ومدة عملها ونوع الصوت الصادر عن كل آلة، تردده وحدته وكثافة استخدامه.
بشكل مبدأي، يمكن ملاحظة تقابل بين استخدام هذه الكلمات والبيانات التجريبية في اطار عمل نظرية علمية ما، البيانات في حد ذاتها، معزولة عن اطار وجودها، لا تقول شيء، بينما البناء مجتمعاً، متضافراً، ينتج عنه ما يحدد الظاهرة ويرسم ملامحها، يفسرها، يشرح طريقة عملها، المبادئ الأساسية التي تحكمها، ويحاول التنبؤ بما ينتج عنها مستقبلاً، هذا الانتقال من محض بيانات حسية لنظرية لها بناء وحدود وطريقة عمل، تلك القفزة من المواد الخام المتفرقة للصرح في بيئته، من التشتت بلا هدف للمواد في الطبيعة، إلى الترتيب المحدد لها، من لامركزية عمياء إلى مركز تصطف حوله العناصر في سبيل هذا الكل الأخير، ذلك الانتقال هو انتقال وجودي، من العماء للرؤية، للقدرة على إدراك البناء واحتمالاته، ومحاكاته. هذه القفزة لها وجهان، وجه البناء ووجه إدراك البناء، فالرؤية تحتاج رائي، وفجأة نجد أنفسنا في وسط الحدث، ولتأمله نحتاج للانفصال، لعزل أنفسنا عن طرق اليومي ومحاولة صنع نظرية أخرى، تفسر القدرة الأولى على رؤية الأنماط في الطبيعة، الميكانيزمات الخفية التي تدير البناءات، إدراك النظرية، وصنعها وإدراك البناء وصناعته.
عند تقدير مقطوعة موسيقية، لا يتم تقدير مجموعة متجاورة من الاصوات حدث وان تجاوروا بشكل عرضي، بل تقدير هذا التجاور ذاته، كيف تم تصميمه، لحظات انفصال الاصوات واندماجها، تدرجات التصاعد والهبوط للأصوات المختلفة في هذا الحقل الصوتي، نستطيع ان نرى هنا شيء ما مضاف لمجموعة الاصوات المتجاورة (اللغة هنا ملغزة، فكلمة مضاف قد تكون مضللة)، للصور المتلاحقة في شريط الفيلم، للتوزيع اللوني على نسيج اللوحة، كأن هناك قفزة وجودية ما، من التجاور العرضي لأشياء العالم إلى الكلي، الواحدية، التكامل بين العناصر، الهارموني الخفية التي تسري في كل أجزاء العمل وتحكم سيطرتها عليه، الروح الخفية التي تعطي للجسد قيمته.
إعلان
2
الكلي، الواحدية، الروح الخفية، استخدام هذه الكلمات الضخمة يثير الريبة، يضخم من صور الحقائق، يرفع اليومي للعام بلا وجه حق، حسنا، الآن، لننظر لليومي في يوميته، في حقول تفاعله وطرق تفاعله، تستمع لمقطوعة موسيقية فتستحسنها، تقول يا له من بناء، فأين يكمن ذلك البناء؟
الأفكار الأولى التي تحضر عند ذكر هذا السؤال هي الآتية، الثنائية بين الذات والموضوع، الاقتران البنيوي، تدريب على طرق الحياة، وماذا يعني أن توجد داخل حقل بيئي وثقافي محدد.
عند الحديث عن علاقة الفرد بالعالم فالصورة الأولى هي المسيطرة، هناك فرد وعالم، وذات وموضوع، مستمع ومقطوعة موسيقية، أراضي منعزلة، وحدود فاصلة، واضحة، وعلاقات ثنائية يمكن مناقشتها، من خلال اثرها في الذات، فحص التقارير الفنومينولوجية للذات، والقوانين الفيزيائية التي تحكم العالم، وكيف يمثل الأول الثاني، وكيف يحتوي الثاني الأول، هنا، البناء هو تمثيل الذات للموضوع، هذا الاطار يفترض حدود صارمة، هناك هذا الكيان الغامض، الأثيري، الموجود في بعد آخر، الذي يدعى العقل، وهناك المادة الخام للوجود، وكما بنى الله الطبيعة، يبني العقل المقطوعة الموسيقية، ولإدراك هذا البناء نحتاج عقل آخر، يخرج من قمقمه، يتفاعل مع العالم، يميز البناءات، ويدرك، بمعرفة أولية أوجدها الخالق الأصلي داخله، أيها حسن وأيها قبيح.
مع سيطرة العلوم الطبيعية المعرفية، وسيطرة صورة العالم الميكانيكي، ونفي طبقة الأثير، لم تعد الصورة الأولى مقبولة، ولكن العقل يظل كنقطة توتر لم تتفكك بعد، كتحدي سافر لصورة العالم/الماكينة. أحد الحلول لهذا التوتر هو مقاربة العقل المتجسد كما قدمها فاليرا، ثومبسون، وروش في كتاب بنفس الاسم، ويمكن اختصار مبادئه الاساسية ببساطة كالآتي:
العالم غير موجود بشكل مستقل عنا، ليس هناك ذات مقابل موضوع، ولكن الذات والموضوع ينشآن بالاعتماد على بعضهما البعض، ولا حد فاصل بينهما.
الإدراك الحسي للعالم، كيف ترى الحواس العالم، يعتمد على عالم غير منعزل عن النظام المدرك، فاستجابة النظام الإدراكي تغيير العالم، وهذا العالم المدرَك حسياً دائم التغير، وأحد أسباب تغيره هو الفعل المستجيب للنظام الادراكي ذاته، فبشكل ما، أحد روافد الإدراك الحسي هو مشاركة النظام المدرك فيما يتم ادراكه.
الإدراك ليس تمثيل للعالم، لا تعمل الدماغ والشبكات العصبية كطريق أحادي من تلقي العالم ثم تمثيله ثم الفعل، ولكنها شبكة معقدة من إشارات تذهب وتعود بين مناطق الدماغ المختلفة والمسؤولة عن مختلف العمليات الإدراكية والحركية.
البيئة تنتج عن العالم من خلال قدرة الكائن الحي على الوجود داخلها، أو تفعيل إمكانياته خلالها، بينما يستطيع الكائن الحي الوجود فقط من خلال وجود بيئة مناسبة لإمكانياته.
صورة العالم المنفصل، المعطى المسبق الذي تزيل عنه الذات الرتوش، تحاول أن تصل لجوهر وجوده، المبدأ الذي يحكمه، يتم استبدالها بصورة أخرى حيث لا العالم ولا الذات منتج نهائي ثابت، أراضٍ نقف عليها وننطلق منها، انما تكون نقطة الانطلاق هي تلك العلاقة ذاتها التي تجمع بينهما، فالذات هي ما هي عليه كنتاج لوجودها في بيئتها، تشكلها محكوم بالحقول البيولوجية والثقافية المختلفة التي وجدت وتوجد بها ومن خلالها، وتلك الحقول بالتبعية ليست بناء ثابت موجود بمعزل عن الذات وطرق وجودها، بل أنها تتشكل بدايةً كمجال من المحفزات التي تحقق الاثارة للنظام الادراكي، وثانياً باعتبارها مجال لاستجابة هذا النظام الادراكي وتفاعله معها ومشاركته في صنعها.
تبعاً لهذه الصورة، العمل الفني باعتباره مجال إدراكي للذات، وبالنفي التعسفي لوجود صانع العمل حتى، هو ليس منفصل عن الذات، حتى في أكثر المناظر الطبيعية انعزالاً عن أيادي البشر، التقدير الجمالي لها ينتج من كونها مجال من العتبات المثيرة لامكانات الذات/الكائن الحي، تدرج ألوان قوس قزح، صوت خرير الماء، اصطدام الأمواج بالتلال، يتم تقديره لأنه في الأساس يحفز استجابة مجموعة متنوعة من الحواس البشرية.
3
في طريقنا للوجود، للتشكل في الحياة، نوجد من خلال أشكال عديدة، طرق للوجود في العالم، لسنا نوجد في العالم ومن ثم نتفاعل معه، ولكننا أنفسنا نتاج لهذا التفاعل، يمكن النظر لقدرتنا على تقدير الأعمال الفنية كنتاج لعملية اقتران مستمرة بين النظام الادراكي والبيئة المحيطة، فكر في طفل تتوفر له مجموعة ألوان للمرة الأولى، كيف يتفاعل معها في هذه الظروف، هل ينتج عن ذلك محاكاة مبدئية للسماء؟، هل يحاول رسم عناصر من بيئته؟ أم يأتي في مراحل لاحقة بعد عبثه غير المنظم للألوان في البداية، بعد مدة من اكتشاف الأدوات، امكانياتها وطرق عملها، فكر أيضاً في المرة الأولى التي يتعرف بها شخص على السينما، بلا أي معرفة مسبقة مباشرة أو شفاهية بالأفلام، وفكر في ردود أفعاله في مقابل ردود أفعاله بعد الفيلم العاشر.
فكر أيضاً في شكل الأفلام، كيف أنها نتاج تطور مستمر للفن والصناعة على مدار ما يفوق المئة السنة، هذا التطور غير محكوم فقط بصناع الأفلام، ولكن شكل تلقي الجمهور للفن نفسه، وهذا الجمهور هو مجال واسع من التفاعلات المختلفة، ومن داخله يوجد صناع أفلام جدد لديهم نقاط تفاعلهم مع المعروض، وكأنها عملية من التجاذب والتنافر المستمر، البيئة تتشكل من جديد من خلال الإدراك الحسي وفعل النظام المدرك، في إطار عمل أبدي يحتوي على مساحات واسعة من الاتساق والتقارب والتنافر والتوتر الذي يضمن تعقيده وعصيانه على التنبؤ الحتمي.
ولذا، لا تستطيع هذه الصورة أن تقدم سوى إطار تفسيري لقدرتنا على تقدير مقطوعة موسيقية، ولكن ميزاتها الأهم أنها تنفصل عن الصورة الأولى التمثيلية، وبالتالي تقلل التوتر حول نقطة العقل كمادة أثيرية تتفاعل مع العالم من خارجه، وتضمن لنفسها مساحة مبتعدة عن الاختزال المخل للنموذج التفسيري الذي يتعامل مع العقل كماكينة أو حاسب آلي يمكن رده لمجموعة معقدة من الميكانيزمات التي تمثل العالم بشكل آلي.
ولكن هذا التعقيد المبالغ فيه لهذه الصورة الجديدة، بوضعها النظام الإدراكي في منتصف العملية، والتخلي عن أي أرض ثابتة نعرف من خلالها العالم، تفرض إعادة النظر في الصرامة العلمية، والقدرة على الموضوعية كركيزة أساسية للعلوم، لأنها بوضعها النظام الادراكي كرافد لتكون العالم، تفرض على المنظّر إدراك لحظته الحالية ومكانه الحالي، وأن يأخذ بعين الاعتبار مشاركته فيما يلاحظه وينظر حوله، وبالتالي يخاطر بالصورة العلمية الصارمة، وتستبدل صورة العالم الخارجي المعد مسبقا والجاهز للتحليل والادراك، بعالم آخر مرتبط بتعدد أنظمة الادراك داخله ومتغير بالنسبة لها، وبالتالي مفتوح للتأويلات، فتنتقل الصرامة العلمية لحقل طالما حاربته، بل وربما احتقرته، وهو عالم الفلسفة الدائم التوتر.
4
شكل تفاعلنا مع العالم، مع الفن، تقدرينا لمقطوعة موسيقية، لمشهد سينمائي، شكل استجابتنا لعمل ما، وحتى طريقة بناء عمل ما، يمكن فحص ذلك والنظر له من خلال هذا الإطار.
5
يمكن النظر لما يتم تقديره في عمل فني ما على أنه نتاج تاريخ متعدد الروافد (بيولوجي، تاريخي، اقتصادي، اجتماعي، ثقافي، جغرافي) من التفاعل مع الإطار الفني الذي ظهر من خلاله هذا العمل، النسق الذي يوجد داخله العمل ومجموعة النشاطات المرتبطة بالتفاعل مع العمل، ويمكن ملاحظة عمق الاختلاف النوعي بين القيم الجمالية التي يتم تقديرها في مقارنة كيف تُقدر الأعمال الحديثة في مقابل الأعمال الكلاسيكية، تفرض الأعمال الكلاسيكية انعزال عن حقول التقدير المرتبطة بلحظة انتاج العمل زمنياً، فلا يتبقى منها سوى القيم الأكثر قدرة على البقاء، القيم المحفورة في الطبقات الأكثر ثباتا وتأسيسية في تكوين الكائن البشري، والتي استطاعت أن تستفزها هذه الأعمال، على عكس ذلك، تفرض الأعمال الحديثة العديد من حقول التفاعل مع العمل، بعضها بل أكثرها مرتبطة بكونه خرج في لحظة قريبة من لحظة التفاعل معه، وبالتالي تستفز طبقات مختلفة من الكائن البشري، لا يستطيع (إلا بشكل نسبي وغير حتمي) في الزمن المقارب للحظة التفاعل أن يميز أي قيمة جمالية قادرة على إعادة تشكيل دائم لطبقات تكوينه، أيها لها القدرة الأعظم على البقاء داخله، فقط بمرور الزمن، يتلاشى التأثير من الطبقات السطحية، الأكثر مرونة والأكثر استجابة لليومي، ويتبقى الأثر في الطبقات الأكثر ثباتاً، الأكثر قدرة على مقاومة حركة التاريخ، وقدرة العمل على التفاعل مع هذه الطبقات، على اجتياز العتبات الكافية لاستفزازها، هو ما يضمن استمراره عبر العصور.
انظر لمعلقة طرفة مثلا، كيف تنجح قصيدة منذ آلاف السنين، نتجت من مجتمع بدوي، أن تستفز المتلقي حتى اليوم، سوى بتلك الصور الخلابة والإيقاع المتناغم العابر للظرف التاريخي، بعض المكونات البشرية أكثر رسوخا من غيرها، استعارة سياسية جيدة يمكن أن تحظى بتقدير لأنها مرتبطة بالظرف التاريخي، ولكن استعارة جيدة ترتبط بالخوف من الموت أكثر قدرة على تجاوز الظرف التاريخي، كما أن بعض الاستعارات أكثر قدرة على استفزاز الحواس من غيرها، وبعضها أقدر على استفزاز الخيال من غيرها.
كيف يمكن فحص الأعمال الفنية من هذا المنظور؟ في البداية بوضعها داخل التقليد الفني الذي وجدت من خلاله، بنيت على تاريخه، تفاعلت معه، وحاولت التمرد على بعض عناصره، ولكن يقابلنا الآن مشكلة الحدود، أين يبدأ وأين ينتهي التقليد الفني، فيما نعلم يمكن أن تمتد هذا الحدود لحدود مجمل الثقافة البشرية، ولكن بادراك لتواضع القدرات البشرية، وبالحضور الدائم لاحتمال وجود روافد خلفية سواء واضحة أو تحتاج للتمحيص، يمكن نصب حدود للتقليد الفني التي يتفاعل معه العمل، مثلا، الفيلم السينمائي يحدد أولاً بإمكانيات الوسيط نفسه، منتميا بذلك لتاريخ السينما كوسيط للصور المتحركة، ومن ثم داخل نوع الفيلم، سواء روائي، وثائقي، تعليمي، وتبعا لزمنه، لمكان انتاجه، ولكن ربما أهم من كل ذلك، شكل الفيلم، الطريقة التي بني بها الفيلم، طبيعة التفاعل معه، تضعه في أي سلة من الأفلام، يمكن دراسة بناء الفيلم قياسا لتلك الخلفية، وملاحظة أماكن التقاطع مع الأفلام الأخرى، وتنصيب هذا التقاطع نفسه كمجموعة الشروط التي تحدد هذا التقليد الفني.
يمكن أيضاً ملاحظة آثار التقليد الفني التابع له العمل من خلال مقارنته بعمل آخر من تقليد مختلف، الاختلاف هنا لا يعني مسافة فاصلة بين العمل والآخر من كل الاتجاهات، فربما تكون تلك مقارنة مستحيلة، أو على الأقل تتخطى حدود الفحص هنا، ولكن فقط مجرد مسافة في أحد عناصر العملين، كاختلاف زمن الإنتاج لعملين من نفس النوع، أو كاختلاف البيئة الجغرافية لعملين لهما سمات مشتركة على مستوى البناء، أو اختلاف شكل الإنتاج بين مركزي وهامش.
يمكن أيضاً أن ينتمي العمل لعدة تقاليد فنية، بل ربما من الضروري أن ينتمي لعدة تقاليد فنية، ومن خلال ذلك يتأسس بناءه، على خلفية هذه التقاليد، بشكل يعي فيه الفنان شروط انتاج العمل التي تجعله قابل للتقدير جزئياً، ولكن فقط من خلال الوجود التاريخي للفنان داخل حقول التفاعل مع التقليد، الذي يقترن مع التقليد بشكل يومي كتدريب على طريقة وجود معين، شكل تذوق محدد، قيم جمالية متضمنة في بناء الأعمال، يقترن بها الكائن البشري، ليس مجرد تمثيل للأعمال داخل ماكينة العقل ولكن من خلال عملية مستمرة من الادراك الحسي للعالم والمشاركة في صنعه ومن ثم إعادة إدراكه مجدداً، يدرك الفنان التقليد الفني بمعرفة تتخطى اللغة، كما يتخطى السباح الحديث عن كيفية السباحة بفعل السباحة نفسه.
6
يمكن الآن الإشارة للتقليد الفني باعتباره مجموعة الشروط التي تحدد شكل تفاعل مجموعة معينة من البشر بمجموعة معينة من الأعمال الفنية، ومن ثم إعادة إنتاجها من خلال هذه الشروط بشكل واعي وغير واعي، ينتج عن تدريب وجودي على التفاعل مع هذه الأعمال من خلال عملية اقتران بنيوي.
يمكن اعتبار أيضا مواضع التقدير في تقليد فني ما، أنه نظام من القيم الجمالية التي يقوم عليه هذا التقليد باعتبارها شروطه الأولية، لكي يقدر كائن حي رتم مقطوعة موسيقية، لابد في البدء أن تستطيع هذه المقطوعة على استفزاز حواسه، وأن يوجد في طرق للوجود تؤهله لتمييز هذا الرتم كموضع للتقدير، ومن خلال هذا التاريخ الطبيعي والثقافي فقط، بإرساءه لهذه المبادئ في التعامل مع هذا الشكل الصوتي من الظواهر، يبدأ التقليد الفني نفسه بإرساء قواعده الخاصة، طرق تفاعل الكائن معه، من خلال شروط بدأ تحدد وجوده.
7
القيم الجمالية إذا، يتم إدراكها من داخل التقليد الفني، ومن خلال مقارنة تقليد فني بآخر يمكن ملاحظة التغيرات التي التحقت بها، او التمرد على بعض أعضاءها، يمكننا الآن الانتقال لمقارنة عدة أعمال فنية ببعضها من أجل ملاحظة هذا الاختلاف.
8
من داخل حقل السينما، ونوع الويستيرن بالتحديد، يمكننا أن نتتبع فيلمي عزيزتي كليمنتاين، وحدث ذات مرة في الغرب، باعتبارهما يمثلان قمتان لفن السينما، من داخل هوليود، وفي نفس النوع، وينتميا زمنيا لعصرين قريبين، ولكن بعيدين زمنيا كفاية لملاحظة نوع من الانفصال الحادث في مواضع التقدير المفترض في كليهما، والتي تعكس بشكل ما، تغير في الشروط الأولية التي تحكم عالم الفلمين والتقليد الذي ينتمي له كلا منهما.
يبدو عزيزتي كليمنتاين في تكوينه أشبه بميثولوجيا دينية، يقدم فيها وايت ايرب كالمبعوث الإلهي الذي يحمل على عاتقه تخليص قرية من مستنقع الآثام والفوضى الغارقة بها، فهو ماء يروي أرض بور، يعيد تنصيبها على الهيئة الأصلية، النقية، التي خربتها عوامل طارئة، خبيثة، شيطانية، تتسامح مع القيم الدنيا، وتفتح أبوابها لأمم ذات مرتبة أدني حضارياً.
وكمجموعة الفروض التي تسبق النظرية، المعلن منها والمخفي، الواعي وغير الواعي، وكما يتم البحث في البيانات التجريبية عما يثبت هذه الافتراضات، ويبنى حوله إطار النظرية، كذلك يتم بناء الفيلم حول تلك الصور، المعبرة عن تصور معين للعالم ينتمي له الفيلم وصناعه، من الكادرات الأولى في الفيلم، الظهور الأول لوايت، راعي البقر الجاد، المنغمس في العزلة عن المجتمع، وجه وسيم، مهندم، فوق حصانه ومن خلفه تصطف السحب، ينصب وايت ككلمة الحق القادمة من خارج العالم.

وبأخلاق مسيحية نبيلة، ترتكز على قيمة التواضع في التعامل مع العالم، تبنى صورة البطل، قوي لا يتفاخر بقوته، يظهرها عند الحاجة، ويحجم عنها عندما لا يوجد داعي لها.

يبنى عالم عزيزتي كليمنتاين على صورة الأرض الصلبة، التراثية، الروح الحقة المنطمسة، الأخلاق الأمريكية المسيحية المشتتة، التي لم تفقد بعد ولكن غطاها الروث، ويستلزم الأمر بطل من نفس الأصول، بداخله صورة الأرض الصلبة، ومنعزل عن مجتمع الفساد، فيأتي بالحق الأولي ويبشر به، من خلال سلوكه المتجسد على صورة أبطال الأساطير.

ما يتم تقديمه للتقدير هنا هو النظافة، أمل متجسد في صورة أخلاقية عليا، وعد بالخلاص بشرط العمل، بشرط التحول لصورة ايرب، الهدي بهديه، التمسك بقيمه، ترى وجوه الناس في حضرته، مبتسمة وسعيدة، تشاهده يرقص على الأنغام الكنسية، هذا هو العالم الحق، تلك هي صورته، فقط اقفز قفزتك الايمانية، فالإيمان هو ما ينجيك.
في حدث ذات مرة في الغرب، تنتقل القيم الجمالية، من التكوين السماوي لعناصر العالم، للزمن، يتتبع العادي، الافرازات الجسدية وما تفعله الحرارة بالجباه.

اذا كان عزيزتي كليمنتاين هو نص التأسيس فحدث ذات مرة هو نص هدم التأسيس، وفقط من خلال التفاعل مع البناء الأساسي يصبح هدمه ممكناً.
وإذا كانت الميثولوجيا تهتم بالمتعالي، بالأحداث الجلل، محاولة القفز خارج التاريخ لتنصب مثل أعلى أفلاطوني، الهروب من مسار تتالي الأحداث، الغث منها والسمين، في سبيل صورة يقتضي بها التاريخ وتسمو إليها الأحداث محاولة تتبع هذه الصورة وإعادة انتاج قيمها، فإن التاريخ ينظر للميثولوجيا كظاهرة تاريخية من العالم لا فوقه.
يحتفي التاريخ بالتراكم، بآثار الفراشة وكيف تتكشف الأسباب، على مهل، في الزمن، لتؤدي للنتائج المحورية، جماليات التاريخ، مواضع التقدير المفترضة داخله، لا تؤسس على صور المجد ومشاهد الأبطال يهزمون الشرير، أو حتى على الشرير وهو يقهر قوى الخير، إنما على البحث والتحليل، وعلى هدم هذه الصور، من خلال تتبع روافد تكوينها المختلفة في الزمن والجغرافيا والنسيج الاجتماعي.
يبني ليوني فيلمه على خلفية مشاهد قضبان القطار وهي تقتحم الغرب الأمريكي، وهو بذلك من ناحية يؤطر عملية الهدم، من خلال دخول العصر الحديث للغرب الأساطيري، ولكن من ناحية أخرى يجعل الغرب نفسه تاريخي، يوجد داخل العالم ويتغير بتغيراته، وتتشكل مجتمعاته على خلفية التكنولوجيا المستحدثة.

وتبنى المشاهد المحورية في الفيلم حول الصمت، وتتبع لأدق التفاصيل، ربما حتى المبالغة في تتبع تراكم دقائق الأحداث، لا يحدث ذلك زيادة في الترقب فقط من جانب المشاهد، بل ينمي قدرته على تقدير التاريخي، من خلال العديد من اللقطات المقربة، من مواضع التوتر الخفي، ومن أعين الشخصيات، عاكسة تغير مستمر طبيعتهم، استجابة لمتغيرات الأحداث، في عالم له روافد لا نهائية لأحداثه، ولا شيء متوقع، ولأنه عالم لا متناهي الروافد، فهو عالم بلا رافد، نزوع أعضاءه الخفية هي الشك واللايقين.
9
لا يعكس التقليد الفني سوى إطار عام يتم تقدير الفيلم من خلاله، تدريب يتلقاه المشاهد من خلال تفاعله مع عدة أعمال داخل هذا التقليد، ولكن تظهر المشكلة عندما يحاول عمل ما تأسيس تقليد جديد، قفزة نوعية عما سبقه في استخدام نفس الأدوات وتطويعها في طرق تعبير تبتعد عما سبقها، وبالتالي تحاول الانفصال عن مجموعة من جماليات التقليد القديم.
يمكن أن ترى ذلك في جودار، فيرجينيا وولف، جويس، إبراهيم أصلان، مواضع التقدير في أعمال هؤلاء تحاول أن تقفز عن محيطها، وبالتالي تحتاج تدريب جديد على تلقيها، إعادة تربية للتذوق الجمالي.
10
هناك العديد من الافتراضات في هذا الطرح، مثلا، أن الكائن الحي متعدد الطبقات، يمكن التفاعل معه على أكثر من مستوى، ولا تتساوى هذه الطبقات فيما بينها، فبعضها تأثيره أكثر استدامة من الآخر، وبعضها تأثيره أوضح من الآخر، مثلا، عند فحص الأعمال الكلاسيكية، يتضح أن هناك جماليات قادرة على تحدي الزمن، وتخطي التقاليد الفنية، أو ربما الأصح هو أنها هي المرجعيات الأكثر سلطة للتقاليد الفنية، ربما ليس هناك هروب من الميثولوجي، ربما لابد للإنسان من مثل أعلى يطوق له في النهاية، وربما حتى الأساليب العلمية الأكثر تحليلية وصرامة لها الميثولوجي الخاصة بها في النهاية.
من الافتراضات أيضاً، أن القيم الجمالية هي قيم يتم بناءها بالتفاعل بين الكائن الحي ومحيطه، وبالتالي هي قيم تاريخية، ولكن يبدو أن بعض القيم أكثر تاريخية من غيرها، بمعنى أنها ترتبط بالإطار التاريخي الموجودة داخله، هل هذا يجعلها أقل قيمة؟
أحد تعريفات الفن هو تعريف كانط له بأنه لعب حر بملكتي المخيلة والفهم، يفترض الفن دائماً مساحة حرية أوسع من غيره من الأنشطة البشرية، يتفاعل مع العالم كطفل صغير بلا جهاز مفاهيمي صارم، وربما في ذلك الفعل يتأسس غموض هذا النشاط، لا يمكن تأسيسه على الصرامة بل فقط من خلال اختباره داخلياً، من خلال علاقة ليست فقط معقدة مع العالم، ولكنها علاقة لا يمكن فض اشتباكها، حيث لا فاصل بين ذات وعالم فيها، ربما من هنا يمكننا رؤية الكثير عن اللا شيء، ذلك الذي في عبارة فتجنشتاين عن الإحساس الداخلي: انه ليس شيء ما، ولكنه كذلك ليس لا شيء، النتيجة فقط أن “لا شيء” يؤدي نفس وظيفة “شيء ما” لا يمكن أن يقال عنه أي شيء
إعلان
