العميل السري The Secret Agent: هروب من الذات أم بحث عنها؟

يؤسّس “كليبر مندوسا فيلهو” سرديته السينمائية في فيلمه الجديد “العميل السري – THE SECERT AGENT” لفكرة هشاشة الذاكرة واختلاط الماضي بالحاضر عبر العديد من الشخصيات بالغة التعقيد وكذلك عبر سلسلة من الأحداث المتتالية والتي تبدو في ظاهرها منفصلة وغير مترابطة إلى نصل لنقطة نور تتكشّف فيها كل خيوط الحكاية لتبدو من خلالها الأحداث أكثر واقعية.
الفيلم من كتابة وإخراج المخرج البرازيلي “كليبر مندوسا فيلهو” والذي لفت الأنظار بشدة بفيلمه “باكوراو” الذي اقتنص جائزة لجنة التحكيم في مهرجان كان عام 2019، تم عرض فيلم “العميل السري” للمرة الأولى في مهرجان كان السينمائي في دورته الـ 78 واستطاع حصد أربع جوائز منها أحسن ممثل “فاجنر مورا” وأحسن مخرج “كليبر ميندوسا” وكذلك جائزة “الفيبريسي”، كذلك عُرض الفيلم هذا الشهر على هامش مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي في دورته الخامسة في قسم الإختيارات العالمية، الفيلم من بطولة “فاجنر مورا” في دور مارسيللو وماريا فيرناندو كانديدو وأليس كارفاليو.. كما سجل الفيلم حضورًا شرفيًا أخير للممثّل الألماني “أودو كير” والذي رحل عن عالمنا في نوفمبر الماضي.
يسرد الفيلم حقبة الديكتاتورية العسكرية في البرازيل والتي حكمت البلاد بقبضة حديدية في الفترة من أبريل 1964 حتى مارس 1985، يبدأ “ميندوسا” فيلمه بعودة أرماندو إلى مسقط رأسه “ريسيفي” أثناء الاحتفال بالكرنفال وذلك بغرض التخفي من متعقبيه عن طريق العيش بهوية مزيفة في ملجأ يدار بواسطة حركة مقاومة سياسية مناهضة للدكتاتورية وهناك يلتقي العديد من اللاجئيين السياسيين الآخرين، يغير أرماندو اسمه إلى مارسيللو ويعمل بهويته الجديدة في أرشيف التسجيل المدني في المدينة وهنا يبدأ فصل آخر خفي من الحكاية حيث يبحث أرماندو/ مارسيللو في السجًلات عن أمه التي لم يرها أبدًا، فـ أرماندو وُلد نتيجة علاقة عابرة تركته بعدها أمه وعاش في كنف أبيه.
وهنا يبرز السؤال: هل هي رحلة هروب أم بحث عن ماضي؟..أم بحث عن إجابات لأسئلة كثيرة عن ماضي أرماندو؟
يروي ميندوسا القصة عبر لغة سينيمائية بديعة ومتنوعة تمزج ما بين العديد من الأنواع السينمائية، فالفيلم كونه نوعاً من الدراما السياسية لم يمنعه من إضافة أبعادٍ أخرى للحكي؛ موسيقى كلاسيكية، ورعب.. وساق قاتلة تحيا من جديد، مشاهد دموية، وتحية حب للسينما عن طريق الإشارة إلى العديد من الأعمال الخالدة كـ “الفكّ المفترس JAWS” و”البريق – THE SHINING”
إعلان
يخلق “ميندوسا” إيقاعًا مغايرًا من خلال آليات سرد تخلق توترًا داخليًا يقودنا لتتبع القصة من البداية إلى الذروة فيما يشبه جدارية متناسقة الألوان والتكوين، فهنا لا مجال للحكي التقليدي، فالقصة تحكى من خلال تفكيك الذاكرة وإعادة تكوين القصة نفسها، يتجلّى ذلك في المشاهد التي تصوّر الباحثة “فلافيا” والتتي تتبع القصة في العصر الحديث وتعيد رسم أبعادها من خلال الاستماع لجلسات تسجيل قديمة لأرماندو والعديد من الشهود اللذين عاصروا الأحداث، تبدأ فلافيا بعدها رحلة عودة إلى ريسيفي لمقابلة فرناندو إبن أرماندو لتحاول سد ثغرات القصة، والتي لا يعرف عنها فرناندو الكثير سوى بقايا ذكريات عن خوفه الطفولي من مشاهدة فيلم الفك المفترس، كما لا يُخفي “ميندوسا” إنتماءه إلى تراث سينمائي عريق من خلال استخدامه لأدوات سينمائية رصينة تحيلنا لحقبة السبعينيات كتقسيم الشاشة واللقطات الطويلة.
أما بالنسبة للحديث عن عناصر الفيلم الفنية، فلا يمكن تجاوز الأداء التمثيلي لـ “فاجنر مورا” والذي ذاع صيته بعد أدائه البديع لشخصية بابلو إسكوبار في المسلسل التلفزيوني “ناركوس“، قدّم مورا شخصية أرماندو من خلال فهم عميق لأبعاد الشخصية بكل تعقيداتها ومخاوفها، أما بالنسبة للسيناريو فقد استطاع “كليبر ميندوسا” رسم سيناريو مُركّب من خلال الحكي عبر ثلاثة أزمنة مختلفة يتنقل بينهم بخفة ليرسم لوحة فنية متكاملة العناصر، أما باقي العناصر من موسيقى وملابس وديكور فكانت من العناصر المميزة في الفيلم والتي لا تخطأها عين المشاهد، ومن الملاحظ أيضًا في معالجة ميدوسا لقصته أنه رسم شخصيات تتأرجح ما بين الخير والشر؛ فمفتش البوليس الذي يساعد أرماندو هو نفس الشخص الذي يسخر من الألماني الناجي من الهولوكست أو تعامله بأريحية مع قاتل مأجور، حتى أرماندو نفسه تتأرجح شخصيته ما بين النسيان والذاكرة وكأنّه فقد بوصلته فجأة.
وللعام الثاني على التوالي تتحفنا البرازيل بفيلم عن حقبة الديكتاتورية ولكن بتناول مختلف، فيلم “العميل السري” رحلة سينمائية بديعة تنقلنا ما بين العديد من الأنواع السينمائية لترسم صورة صادقة عن أخطاء الماضي والتي لولاها ما كانت هناك تلك الصورة المشرقة لما تعيشه البرازيل اليوم، والتي تركت عصر الديكتاتورية والإنقلابات وراء ظهرها للأبد.
إعلان
