تأخذك إلى أعماق الفكر

“حكاية أَمَة”: كيف شاركَت نظريَة “الانتقاء الجنسي” في بطولةِ المسلسل

“حكاية أَمَة The Handmaid’s Tale”، مسلسلٌ تلفزيونيٌ مستوحًى من روايةٍ تحمل العنوانَ نفسَه لمؤلفتها مارغريت آتوود ونُشِرَت عام 1985، وتدور أحداث المسلسل في أجواءٍ دستوبيّةٍ، حيث تؤول مقاليدُ الأمورِ  إلى مجتمعٍ يسيطرُ عليه الرّجل و الذي يُعرَفُ باسم “جلعاد”،وفي ضوء انتشار العُقم، تمَّ استعباد  القادراتِ على الإنجاب من النَّساء.وعلى إثر معدَّلات العُقم المنتشرة على نطاقٍ واسعٍ، تقومُ حكومة جلعاد بأسرِ من تبقَّى من  النّساء الخصْبات، ليُصحبن إماءً مرهوناتٍ للتَّوالد وإنتاج الذّرية المستقبليّة لقادة “جلعاد”. يتتبّع المسلسل معاناة “جون”، التّي تُفصَلُ عن أسرتها، وتُعيّن كأَمَةٍ لأحد القادة.

ونتسائل هنا حول المغزى من الإشارة إلى ” تشارلز داروين”، صاحب نظريَّة النّشوء والارتقاء، في إحدى حلقات المسلسل؟

كمختصٍ في تاريخ العلوم، وكون مشروع كِتابي الحاليّ عن “الثّورة الدّاروينيّة”، أجدُني مُنشغـلًا في فهم علائقِ التّرابط بين داروين وبين هذا النّسق الاجتماعيّ المُتَخيّل.

وقد يتبادَرُ بداهـةً إلى أذهاننا؛ أنّ محلّ الإحالة هنا هي آليّة التّطوّر الرّئيسة:“الانتخاب الطّبيعيّ والصّراع من أجل البقاء”. لكنْ ما تمّ إدماجه في واقعِ أحداث المسلسل، هو الشّق الثّانويّ والأقلّ شُهرةً من نظريَّة التّطوّر والنّشوء، والذّي عَرّفه داروين “بالانتقاء الجنسي”.

“يمكن الاستفادة من النّساء”

في الحلقة الثّالثة من الموسم الثّالث، والمُعنونة “بمفيدة Useful”، نلاحظ إعادة تعيين جون إلى حيازة قائدٍ آخرَ برتبةٍ عاليةٍ، يُدعى جوزيف لورانس، ونراه يستضيفُ حشدًا من قادة “جلعاد” في منزلهِ، يتوسَّطهم في غرفة الجلوس، بينما يتباحثون في مصير المُتمرّداتِ الّلاتي تمَّ إلقاء القبض عليهنّ مؤخرًا.

إعلان

هل يُرسلن إلى المُستعمرات، ويُجبرن على العمل الشّاق، أم يُعدمن عَلَنَـًا؟ وكلا الخيارين لم يلقيا استحسان القائد لورانس، ففي اعتقاده أنّ تَراجع معدّلات الخصوبة هو ما منحَ “جلعاد” شرعيّة وجودها، ومادام الحال كذلك، فإنّ التّخلّص من نساءٍ يملكْنَ القُدرة على الحمل والإنجاب، لم يبدُ أمرًا صائبًا، إذ يمكن الانتفاع بهنَّ؛ حتّى وإن كنّ مارقاتٍ عن القانون.

يطلب لورانس من جون تزويده بكتابٍ من خزانة الكتب، والذّي من شأنه أن يقرِّبَ مفهوم ” أهميّة الأفراد في عالمٍ تحكمه التَّراتبيّة الجنسيّة” إلى أذهان القادة، والكتابُ المقصودُ هنا هو “أصل الانسان Descent of Man” لتشارلز داروين، وبينما يقلِّب لورانس الكتابَ بين يديه، يُثني على قيمته التّي لا تبطلُ بمرور الزّمن، ويلتفت بعدها إلى جون التّي سلّمته الكتابَ لتوّها، مُعلنًا وسط ذلك الحشد من ضيوفه رفيعِيّ المُستوى : ” أرأيتم؟ يمكنُ الاستفادة من النّساء”.

نظريَّة داروين حول “الاصطفاء الجنسيّ”

والإشارةُ إلى كتاب داروين “أصل الانسان” في المشهد السّابق، ليست مجرّد لمحةٍ عابرةٍ، بل هي دلالةٌ جليَّةٌ على الطّبيعة الدّاروينية لجمهوريّة “جلعاد”، ومن الجدير بالذِّكْرِ أنَّ كِتاب “أصل الأنواع On the Origin of Species” الذّي وضعه داروين سنة 1859م، والذَّي كان له الدّور الأكبر في تأسيس التّطوّر والنّشوء كفرعٍ من العلوم، لم يأتِ على ذِكْرِ الخطّ التّطوريّ للإنسان، ونجده قد أفرد كتابًا خاصًا بالموضوع أسماه: “أصلُ الإنسان والاختيار بالجنس The Descent of Man and Selection in Relation to Sex “، والذَّي صدر سنة1871. وتضمَّن الكتابُ كذلك شرحًا وافيًا لنظريّة “الانتقاء الجنسيّ”.

أحد الَّتطبيقات الشَّائعة لنظريَّة “الانتقاء الجنسيّ”، هو تفسيرها للتّمايز الجماليّ لريشات ذكرِ عصفورِ الجنَّةِ، ولطقوس التّزاوج العجائبيّة الُمصمّمة لإغواء الإناث وجذبهنّ، ويضع داروين في كتابه عددًا من الفصول، حول الكيفيَّة التّي تؤدّي بها  التّفضيلات الجماليّة بين الطّيور دورًا بارزًا في إنشاء التّكيُّفات التّطوريَّة للنّوع، وقد امتدّت تطبيقات نظريّة “الانتقاء الجنسيّ”، لتشملَ أنواعًا أُخرى من الحيوانات.

ومؤرِّخ العلوم ” إيفلين ريتشارد” يوضِّح كيف آمنَ داروين بقدرة النّظريّة على تفسير جوانب النّشأة التّطوّريّة للإنسان، إذ من خلال نظريّة “الانتقاء الجنسيّ”، يمكن تفسيرُ الفروقات العقليّة والجسديّة المُتباينة بين الرّجال والنّساء، ويرى ريتشارد أنَّ في تناول داروين لموضوعَيّ الجنس والعرق، تَطابقـًا مع مُواضَعات عصره عن محدوديَّةِ المرأة، فقد أقرّ داروين بالفروقات العقليّة الضّخمة التّي تفصل بين الجنسين، والتّي تُعزّز بدورها من مكانة الرَّجل وتفوُّقِهِ، ونراه في مَعْرِض أحد سجالاته يقول: “إنَّ الفارق الجوهريّ في المَلكات الإدراكيّة بين الجنسَيْن، يضع الذَّكر دائمًا في مرتبةٍ أعلى من تلك التّي تحتلُّها المرأة؛ فهي تعجز عن مجاراته أو الإتيان بمثل قُدراته التَّأمُليّةِ أو الاستدلاليّة أو التّخيُّليّة، أو حتّى بمجاراته في استخداماتِ الحواسِّ والأيدي”.

والمحدّدات التّمييزيّة كما يرى داروين؛ مَرْجِعها إلى طبيعة التّنافس الحاصلِ بين الرّجال للظّفر بالنّساء، بينما تتسمُ المرأة بالسّلبيّة، فإنّ على الرّجل التّزوّد بالقُدرات والمهارات اللّازمة لإنجاح مَقصدِه بالحصول على شريكةٍ للتّزاوج، ممّا يضعُه في مرتبةٍ أعلى في سُلّمِ التّطوّر، كما أنّ ملكَاته التّنافسيّة لا يَرثُها سوى نسلُه من الذّكور وحدهم.

وتبعًا لما تقدّمَ، فإنّ الحالةَ العقليَّة للمرأة من منظورِ داروين تَجعلُها أسيرةَ ظرفها، إذْ هي في رُتبةِ الأجناس الأدنى، التّي تحتلّ مَوقعًا بدائيًا ومُتأخرًا في سُلّمِ التَّحضّر.

تقديسُ الأُمومة

حاجج داروين عن عدم جدوى المساعي المَبذولةِ في شحذ قُدرات المرأة العقليَّةِ، لتستطيعَ مُضاهاةَ الرّجل، ورأى في ذلك هَدرًا للطّاقاتِ، لذا على المرأة الالتفاتُ لغريزة الأُمومة ولدورها الرّئيس المُتمثّل في رعايةِ الصّغار، وتوفيرِ مناخٍ أُسريّ مُستقر ودافئ.

ونهجت “إيما”، زوجة داروين المنوالَ ذاتَه، فقامت بخلقِ بيئةٍ منزليّةٍ مُستقرَّةٍ، كي يتمكّن داروين من تَتبُّع مساعيه العلميّةِ، وأنجبت عشرةَ أطفالٍ، ووضعت آخر أولادها وهي في الثَّامنة والأربعين من العُمر.

وبصورة أو أُخرى، فإنَّ “حكاية أَمَة The Handmaid’s Tale” يقدِّمُ مُجتمعًا يحدّدُ إمكانيّات الفاعلِيْن وفق قوالبَ نمطيّة ذات تراتُبيّة جَندريَّة، وهو ما يَتطابقُ مع نظريّةِ “الانتقاء الجنسيّ” التّي وضعها داروين، فتتلخّص فائدةُ الأُنثى باعتبارها أداةً للتّوالُد والإنجاب، واللّواتي يَملكنَ تلك القُدرة مثل “جون”، يُصبحنَ ضحايا الاسترقاق الجنسيّ في حوزة رجلٍ من ذوي السُّلطةِ، أمّا الرّجل فيتحكَّم جسديًا وفكريًا، مُحكمًا قبضتَه على مقاليدِ الأُمور.

وإذْ يطلبُ القائد لورانس من جون أن تناوله كتاب “أصل الانسان” من خزانةِ الكُتب، فإنّه يُذكِّرُها بمجالِ فعاليّتِها القاصر بالحتميَّة البيولوجيَّة المُتمثّلة في الحيّزِ الخاصّ بلإنجاب، ويقدِّمُ لنا المسلسل في الواقع نقدًا لاذعًا لمثل هذه الحتميّةِ الجندريَّة، كما نراه في مآلاتِ الأحداث والانقلاب المأساويّ في حياة جون.

إلَّا أنّ علاقات القِوى البيولوجيّة لا تقتصرُ على كونها مُجرّد إرثٍ فكريّ من القرن التّاسع عشر، أو كونها أحد مُخرجاتِ الخيال العلميّ، فكما تُشِيرُ الفيلسوفة “كورديليا فاين” لا تزالُ الحتميّة البيولوجيّة مفهومًا مُعترفًا به في أوساط علماء التّطوّر المُعاصرِيْن، إذ يرون أنَّ أصل التّمايز بين الجنسين تحكمه الحتميّات البيولوجيّة، وليس العامل الثّقافيّ.

وقد يُخيّل لنا أنَّ جمهوريّة “جلعاد” مُجرّد كيانٍ افتراضيّ، اضطرّه صراعُ البقاء إلى تبنيّ رؤيةٍ مُتطرّفةٍ فيما يخصّ التّراتبيّة الجندريّة، وهنا تكمُن عبقريّة المسلسل، أيْ  قُدرتُه على إبرازِ أنّ الكثير من هذه الآراء في سياقاتٍ بعينها لا تُعدُّ راديكاليّة، بلْ قد تَحفَل بها نصوصُ علمِ  البيولوجي الكلاسيكيّة.

بناء على ما قدَّمنا، يتّضِحُ لنا أنّ الإشارةَ إلى كِتاب “أصل الانسان” لداروين، لم تكن مُجرّد ذات صلة مع أحداث المسلسل، بل هي إشارةٌ ضروريَّة.

نرشح لك: الثيوقراطية والمرأة: قراءة في The Handmaid’s Tale لمارجريت أتوود

مصدر الترجمة

 

إعلان

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.