من نورمبيرج إلى تل أبيب: تقاطعات الصهيونية والنازية

في سبتمبر عام 1935، في اجتماع للحزب النازي في مدينة نورمبيرج الألمانية، تم الإعلان عن قانون “حماية الدم الألماني والشرف الألماني” الذي حظر الزواج والعلاقات الجنسية بين اليهود والألمان. كان تعريف “اليهودي” حسب هذا القانون هو أي فرد وُلد لثلاثة أو أربعة أجداد يهود، بغض النظر عن الديانة أو الممارسة، بينما تم تصنيف الأفراد المنحدرين من جد أو جدين يهود باعتبارهم «هجينًا مختلطًا-Mischling».

على إثر هذا القانون العنصري، جرى تصنيف 502,200 مواطن ألماني کيهود بين عشية وضحاها، وما بين 70,000 إلى 75,000 کهجين مختلط من الدرجة الأولى، وما بين 125,000 إلى 130,000 كهجين مختلط من الدرجة الثانية.[1] كما جرى تصنيف الأجداد المولودين لعائلة يهودية كيهود “عرقيًا”، وأنّ هذا الوصف العرقي يتم تمريره إلى أبنائهم وأحفادهم من بعدهم.

شمل هذا التعريف القانوني لليهود عشرات الآلاف من المواطنين الألمان الذين لم يعتبروا أنفسهم يهودًا، ولم تكن لهم أي روابط دينية أو ثقافية بالمجتمع اليهودي، حتى أنه شمل الأفراد المولودين لآباء أو أجداد مسيحيين من أصول يهودية. [2] وحرم هذا القانون اليهود من حق المواطنة وحقوقهم الأساسية، الأمر الذي مهَّد لارتكاب الانتهاكات الجسيمة بحقهم لاحقًا.

وكما هو واضح، فإنّ هذا القانون العنصري يرى اليهودية كوصف عرقي وليس كديانة، مما يدعو للتساؤل، هل هناك حقًا شيء من قبيل “اليهودي بالدم”؟

المنهجية المتبعة

لقد تم توظيف فكرة اليهودية بالوراثة لتحقيق مكتسبات سياسية تاريخيًا على يد كل من الكيانات المعادية لليهود، والكيانات التي تدعي تمثيلهم، مما يستدعي تحريرًا للمقصود بهذه الدعوى وموقعها من الصحة.

إعلان

بلا شك، فإنّ أيّ حديث عن نقاء عرقي لليهود في القرن الحادي والعشرين هو ضرب من ضروب العبث، فأي نقاء عرقي مشترك بين الأشكيناز والسفرديم والمزراحيين ويهود الفلاشا يمكن أن يكون؟

إلّا أنّ من يتبنون هذه الفكرة يميلون لإلصاق هذا الوصف العرقي بالعبرانيين القدماء أو ما يعرف ببني إسرائيل، ولتحري الدقة والتنزّل مع هذا التصور، فإنّ الفترة الذهبية التي كان يمكن لأي “نقاء عرقي” أن يوجد فيها هي قبل السبي البابلي، أي قبل حدوث أي اختلاط محتمل بالشعوب الأخرى على نطاق كبير، لذلك سنحصر النظر في تاريخ بني إسرائيل على هذه الفترة من داخل العهد القديم، وليس هذا تسليمًا بصحة كل الخبر التاريخي الوارد في العهد القديم، ولكن باعتباره وثيقة تاريخية كتبها عبرانيون، عن تاريخ العبرانيين، وللعبرانيين، أي أنها تعكس تصور هذه المجموعة البشرية عن نفسها.

الآباء الأوائل والزواج من شعوب أخرى

يحلو لمناصري هذا التصور اختزال اختلاط العبرانيين بالشعوب الأخرى في المراحل اللاحقة من تاريخ بني إسرائيل، بينما تكفي نظرة سريعة في أسفار العهد القديم الأولى لتبديد هذا الوهم، حيث يبدأ الاختلاط والزواج من غير العبرانيين مع الآباء المؤسسين أنفسهم.

وفقًا للرواية التوراتية، يرجع نسب العبرانيين إلى اثني عشر سبطًا من نسل يعقوب، أحد هذه الأسباط هو يهوذا، الذي يخبرنا العهد القديم أنه تزوج من امرأة كنعانية تدعى “ابنة شوع”، وأنجب منها عير وأونان وشيلة (تكوين ٣٨: ٢-٥)، كما يخبرنا نفس السفر عن علاقته الجنسية مع ثامار (الكنعانية) أرملة ابنه، والتي أنجب منها توأمين هم فارص وزارح (تكوين ٣٨: ١٤-٣٠). سيصبح فارص لاحقًا جد الملك داود، الذي تمثل فترة ملكه الحقبة الذهبية للسيادة القومية للعبرانيين حسب روايتهم.

كما أنّ يوسف ابن يعقوب تزوج من أسنات (المصرية)، وأنجب منها أفرايم ومنسى (تكوين ٤١: ٥٠-٥٢)، وهما سبطان من أسباط بني إسرائيل، أي أنّ سبطين من الأسباط كانا نصف مصريين بيولوجيًا.

لم يتوقف الزواج من الشعوب الأخرى عند يهوذا ويوسف، بل إن موسى النبي نفسه تزوج من صفورة (المديانية)، وأنجب منها جرشوم وأليعازر (خروج ٢: ٢١-٢٢)، (خروج ١٨: ٤)، ثم تزوج لاحقًا من امرأة كوشية (حبشية) لم يخبرنا سفر العدد عن اسمها (عدد ١٢: ١).

الانفجار السكاني في مصر والكثرة المختلطة

يخبرنا سفر التكوين أن مجموع من أتى مع يعقوب إلى مصر كان 70 فردًا يمثلون نواة المجتمع العبراني. (تكوين ٤٦: ٢٧). يخبرنا سفر الخروج بعد ذلك أن هذا العدد وصل إلى ما قوامه 600,000 رجل (خروج ١٢: ٣٧)، ومع احتساب النساء والأطفال والعجائز، يبلغ العدد مابين مليوني إنسان إلى ثلاثة ملايين، وتنبغي الإشارة هنا إلى أنّ هذا الانفجار السكاني حدث في أربعة أجيال فقط (خروج ٦: ١٦-٢٠)، مما يعني استحالة الوصول إلى هذا العدد – إن صح – من 70 فردًا في تلك الفترة القصيرة، وهو ما يخبر ضمنيًا بأنّ الخارجين من مصر لم يكونوا أحفاد يعقوب حصرًا. [3] (هناك خلاف كبير بين النص الماسوري (العبراني) والنص السبعيني (اليوناني) في تحديد مدة بقاء بني إسرائيل في مصر، حيث يقول النص الماسوري أنها 430 سنة، بينما يقول النص السبعيني أنها 215 سنة فقط، والراجح أن المدة الأقصر هي الأكثر اتساقًا مع باقي النصوص حيث يصرِّح النص الماسوري نفسه بوجود أربعة أجيال فقط بين يعقوب وموسى النبي). [4]

هذا ما يصرح به سفر الخروج متحدثًا عن بني إسرائيل ورحلة خروجهم من مصر، إذ يقول: “وَصَعِدَ مَعَهُمْ لَفِيفٌ كَثِيرٌ أَيْضًا مَعَ غَنَمٍ وَبَقَرٍ، مَوَاشٍ وَافِرَةٍ جِدًّا.” (خروج ١٢: ٣٨). ثم إنً الأصل العبري لكلمة “لفيف كثير” الواردة هنا في ترجمة «فان دايك-Van Dyke» هو “עֵרֶב רַב” [إيرف راف]، ونجدها في ترجمة KJV الإنجليزية بعبارة «كثرة مختلطة-mixed multitude».

وبغض النظر عن خلاف المفسّرين اليهود حول دلالة هذه الكلمة، فبين قائل بأنها تشير إلى مجموعة من المصريين آمنوا مع بني إسرائيل وانضموا إليهم، وقائل بأنها تشير إلى أناس أصبحوا من الإسرائيليين عن طريق الزيجات المختلطة، أيا يكن ما تعني، فهي حتمًا تشير إلى أن المجموعة الخارجة من مصر – والتي ستستقر لاحقًا في أرض كنعان (فلسطين) – لم تكن متجانسة عرقيًا بأي حال من الأحوال.

لعله من الجدير بالذكر هنا أن هذه الكلمة تستخدم في الجدل الإسرائيلي المعاصر لوصم المخالفين من اليهود أنفسهم، ولنزع صفة “النقاء” والانتماء عنهم، حيث استخدم الحاخام «عوزي ميشولام-עוזי משולם» هذه الكلمة كإهانة يوجهها لليسار الإسرائيلي. [5]

العبرانيون في عصر القضاة

“فَسَكَنَ بَنُو إِسْرَائِيلَ فِي وَسَطِ الْكَنْعَانِيِّينَ وَالْحِثِّيِّينَ وَالأَمُورِيِّينَ وَالْفِرِزِّيِّينَ وَالْحِوِّيِّينَ وَالْيَبُوسِيِّينَ، وَاتَّخَذُوا بَنَاتِهِمْ لأَنْفُسِهِمْ نِسَاءً، وَأَعْطُوا بَنَاتِهِمْ لِبَنِيهِمْ وَعَبَدُوا آلِهَتَهُمْ.” (قضاة ٣: ٥-٦).

يبدو أن العبرانيين لم يهجروا سنَّة آبائهم الأولين، فعلى الرغم من التذمر الذي يبديه كاتب سفر القضاة من كون هذه الزيجات مصحوبة بعبادة آلهة الوثنيين، إلا أنه يعطينا صورة عن انصهار تام بين العبرانيين وستة شعوب من جيرانهم، مما يعني أن الأجيال العبرانية اللاحقة، والتي سينبني مجد مملكة داود وسليمان عليها، كانت مزيجًا من شعوب مختلفة، ولم تكن كتلة متجانسة أحادية التكوين كما يتخيلها البعض.

سبق تبيان أنّ جدة الملك داود (ثامار) كانت كنعانية، وهنا تنبغي الإشارة إلى أنّ الاختلاط في سلسلة نسبه لم يتوقف على تلك الحادثة فقط، فجدته راعوث (الموآبية)، تزوجت من محلون بن أليمالك من سبط يهوذا (راعوث ١: ١)، ثم ما لبث أن توفي حتى تزوجت من بوعز (راعوث ٤: ٩-١٢)، لتصير ضمن سلسلة نسب الملك داود.

خلاصة النظر في هذا الباب

يمكن استخلاص حقيقة أنً العبرانيين لم يكونوا مجموعة بشرية منعزلة تتزاوج داخليًا، وعلى الرغم من خطاب الانعزال في بعض أسفار العهد القديم الذي يحرم الزواج من الأغيار (نحميا ١٣: ٢٥)، إلا أن هذا الخطاب أتى في مرحلة متأخرة بعد حدوث السبي البابلي، أي أنّ الأصل عند العبرانيين – من باب الممارسة على الأقل – لم يكن الانعزال وإنما مصاهرة الشعوب الأخرى.

ولأننا لا نريد مخاطبة شبح النازية البائد، فيجب التنويه إلى أنّ فكرة النقاء اليهودي قد اتخذت رداءً جديدًا مغايرًا لرداء النازية، فلم يعد اليهودي يُعرف بقياسات الجمجمة أو “الدم اليهودي”، في الواقع لم يعد اليهودي يعرَّف بأي شيء غير ولادته لعائلة يهودية أو انحداره من أصول يهودية – مجددًا، بغض النظر عن الإيمان أو الممارسة – في اعتقاد ضمني بوجود جوهر يهودي لا يسقط بترك الدين أو الثقافة اليهودية، ولا يعدو هذا كونه محاولة أخرى للاختباء وراء جدار لا يمكن استهدافه، فإذا كانت ادعاءات النازيين البيولوجية يتبين تهافتها عند التدقيق العلمي، فعلى النقيض، لا يمكن كشف زيف وجود “جوهر يهودي” ينتقل بالوراثة، ولا يقل سخف هذه المحاولة عن سخف الادعاء نفسه.

فإذا تبين من النظر أنً فكرة “النقاء اليهودي” فكرة مستحدثة، متطفلة على التاريخ، غريبة عنه، فلماذا نراها حاضرة في الخطابات المعاصرة؟ ومن المستفيد منها؟

الصهيونية وإعادة إنتاج المأساة

في عام 1950، وبعد 15 سنة فقط من صدور قوانين نورمبيرج، أصدرت دولة إسرائيل الناشئة قانون “حق العودة”، الذي يعطي أي يهودي بالميلاد – حتى وإن لم يكن يهوديًا بالممارسة – من أي مكان في العالم الحق في القدوم إلى دولة إسرائيل والحصول على حق المواطنة، وذلك لزيادة عدد اليهود في الدولة الجديدة والمساعدة على تكوين أغلبية يهودية. [6]

وهنا تبنت الصهيونية سردية مبنية على وجود رابط بين اليهود المعاصرين والعبرانيين لا ينفك بمرور الزمن، بينما تنكر نفس الحق للفلسطينيين الذين استمر وجودهم في الأرض قرونًا، إذ لا تجد الصهيونية حرجًا في تجاوز ألفي عام من الاختلاط والانصهار مع شعوب من خلفيات عرقية وثقافية أوروبية وآسيوية وإفريقية (بدرجات مختلفة)، والنظر إلى هذه القرون المتطاولة باعتبارها “منفًى” مؤقتًا يجب انتهاؤه لاسترداد الأصل وهو عودة اليهود إلى وطن الآباء والأجداد، بينما تجد الصهيونية أشد الحرج في إعطاء نفس حق العودة للاجئين الفلسطينيين الذين هُجِّروا من ديارهم من سنوات معدودات، وهو حق يكفله قرار الأمم المتحدة رقم 194. [7]

إنّ هذه الثنائية من العطاء والمنع إذ تعكس فلا تعكس إلا نظرة عنصرية لسكان هذه الأرض التاريخيين، نظرة لم يكن يمارسها العبرانيون الأصليون الذين يتطفل على تاريخهم بعض صهاينة اليوم.

ولا تتوقف العنصرية عند هذا الحد، بل تصل إلى اقتراح بروفيسور القانون في الجامعة العبرية في القدس «روث جافيسون-רות גביזון» بالتحكم في معدلات مواليد الفلسطينيين من أجل الحفاظ على أغلبية يهودية، حيث قالت: “لإسرائيل الحق في التحكم في النمو الطبيعي لعدد الفلسطينيين”، وأضافت معقبة: “التحكم في معدلات المواليد ليس عنصرية”. [8]

وفي رده على الرئيس السابق لحزب العمل الإسرائيلي «أبراهام بورج-אברהם בורג»، يقول الرئيس السابق لحزب ميرتس «يوسي بيلين-יוסי ביילין»: “إن لم تكن هذه الدولة دولة اليهود ولم تكن فيها أغلبية يهودية، فإنها لا تهمني”. [9]

تبلغ العنصرية مبلغًا صعبًا مع المؤرخ الإسرائيلي «بيني موريس-בני מוריס»، والذي كان مستاءً من الفشل في طرد جميع الفلسطينيين عام 1948، ذاكرًا أن هذا قد يتم في المستقبل، إذ قال موريس عن الفلسطينيين في مقابلة له: “يجب أن يُبنى لهم شيء مثل القفص، أعلم أنّ هذا يبدو فظيعًا، إنه حقًا قاسٍ، لكن ما من خيار آخر. هناك حيوان بري يجب حبسه بطريقة أو بأخرى”. [10]

قد يظن القارئ أن هذه التصريحات صادرة عن اليمين الإسرائيلي المتطرف، لكن للمفارقة، فإن هؤلاء يعرِّفون انفسهم على أنهم صهاينة ليبراليون.

ولا تقتصر هذه التصورات ذات الطبيعة الإقصائية على النخبة الأكاديمية والسياسية في إسرائيل فقط، بل تتجاوزهم إلى تعريف الدولة لنفسها على المستوى القانوني، فإسرائيل – وفقًا لتعريفها الذاتي – لا تعرِّف نفسها على أنها دولة لكل المواطنين، بل هي دولة لليهود من كل أنحاء العالم، وهذا يعطي أولوية في المواطنة لليهود الأجانب عن الفلسطينيين الذين كانوا يشكلون عام 2009 حوالي 20% من السكان. [11]

ويذكر تقرير منظمة العفو الدولية أن القانون الإسرائيلي يمنع المواطنين الإسرائيليين من مجرد التشكيك في تعريف إسرائيل كدولة يهودية، أو حتى القوانين التي تؤسس لهذه الهوية. [12]

هذا الهوس بالتكوين الديموغرافي – على المستوى الرسمي وغير الرسمي – الذي يصل إلى تشبيه الفلسطينيين بالحيوانات واقتراح تعقيمهم أو تهجيرهم قسريًا لا يختلف كثيرًا في جوهره ومنطلقاته عما كان يقوله النازيون عن اليهود والمجموعات الأخرى التي كانوا يريدون التخلص منها للحفاظ على تركيب سكاني متخيّل لديهم، وإن دل هذا على شيء فإنما يدل على وجود تصورات تفوق نوعي أو عرقي مترسخة لدى هؤلاء، وإن لم يقولوا هذا صراحةً.

لكن نيران هذا الهوس لم تحرق الفلسطينيين فحسب، بل اكتوى بها بعض أبناء الدولة اليهود الذين تقوم سرديتها الدعائية على حمايتهم.

العنصرية ضد اليهود غير الأوروبيين

كشفت التحريات أنً آلاف النساء من يهود الفلاشا كُنَّ يعطَين حقن “Depo-Provera” في عيادات إسرائيلية كل ثلاثة أشهر، وهي حقن لمنع الحمل ذات تأثير طويل المدى تؤدي إلى انقطاع الدورة الشهرية ومشاكل في الخصوبة، مما أدى إلى انخفاض معدل مواليد يهود الفلاشا بنسبة 50% في 10 سنوات فقط.

أظهر وثائقي إسرائيلي أنّ هؤلاء النساء كُنَّ يعطَين موانع الحمل منذ أن كانوا في المخيمات الانتقالية في إثيوبيا قبل الهجرة إلى إسرائيل، بعضهن دون دراية أو موافقة منهن أو معرفة لآثارها الجانبية، وتقول إحدى النساء في هذا الوثائقي أن المسئولين أخبروها أنها ستُمنع من الهجرة إلى إسرائيل أو حتى تلقي أي رعاية صحية في حال رفضها الخضوع لهذا الإجراء. [13] إلّا أنّ التمييز ضد اليهود داخل إسرائيل ليس من نصيب اليهود الإثيوبيين حصرًا، فليهود اليمن نصيبهم من المأساة.

في بداية الهجرات اليهودية من اليمن إلى إسرائيل، كثرت شكاوى اليمنيين من اختفاء أطفالهم، حتى أنه في بعض الحالات كان الأطفال اليمنيون يُعالجون في المستشفيات من اعتلالات صحية طفيفة، بينما يخبر الأطباء آباءهم أنهم قد ماتوا، وتتراوح تقديرات عدد الأطفال المفقودين من المئات إلى الآلاف.

كشفت التحريات لاحقًا أنّ بعض هؤلاء الأطفال المختطفين كانوا يؤخذون إلى المستشفيات لتُجرى عليهم التجارب الطبية، بل وحتى تم إجراء التجارب على جثث الأطفال بعد موتهم، في مخالفة سافرة لتعاليم الدين اليهودي، بينما أُعطي البعض الآخر لأسر من اليهود الأشكيناز (الأوروبيين) التي لم يكن لديها أطفال بهدف التبني. [14]

هذا التمييز ضد اليهود من أصحاب البشرة الداكنة إنما يعكس عنصرية على النمط الاستعماري الأوروبي، حيث الصورة المثالية للدولة اليهودية هي دولة على النمط الأوروبي فقط، وهو ما ظهر في تصريح رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق «دافيد بن جوريون – דָּוִד בֶּן־גּוּרִיּוֹן» عن المزراحيين: “لقد عاشوا في مجتمعات متخلفة وفاسدة وغير متعلمة تفتقر إلى الاستقلال واحترام الذات”، ويضيف: “المهاجرون الأكبر سنًّا لن يتغيروا بشكل جذري، لكن الصغار يجب أن يمتلئوا بالمزايا الأخلاقية والثقافية الأسمى لهؤلاء الذين أسسوا دولة إسرائيل [يقصد الأشكيناز]، وإذا لم ننجح في هذا – لا سمح الله -، فهناك خطر في أن يحوِّل الجيل القادم إسرائيل إلى دولة شامية”. [15]

في تنصل تام من تاريخ العبرانيين المختلط الذي يتطفلون عليه لتبرير الاستيطان تارة ويتركونه تارة حينما لا يخدم أهدافهم العنصرية، فحتى تحت مظلة الدولة “اليهودية”، هناك يهود متساوون أكثر من غيرهم.

في الختام

عندما سُئل قائد القوات الجوية الإسرائيلية السابق «دان حالوتس-דני חלוץ» عن شعوره أثناء قصف مباني المدنيين في غزة، رد قائلًا: “أشعر بهزة خفيفة في جناح الطائرة”. [16]

هذا الرد المقتضب والخالي من أدنى مظاهر التعاطف هو ثمرة طبيعية لتربة التصورات العنصرية، إذ ما من شيء قادر على خلق سردية “نحن وهم” وتعميق الهوة الفاصلة بيننا وبين الآخر حد نزع صفة الإنسانية عنه مثل هذه التصورات. وهذه التصورات والمسافة التي تخلقها بيننا وبين الآخر هي ما يسمح برواج سرديات العنف وتشرعن ارتكاب أفظع الفظائع تجاه الآخر دون أدنى شعور بوخز الضمير، وليس ما حدث في غزة منّا ببعيد.

 —————————————————–

المراجع

[1] The National WWII Museum

[2] Holocaust Encyclopedia

[3] The Bart Ehrman Blog

[4] TheTorah.com

[5] TheTorah.com

[6] الصراع العربي-الإسرائيلي: مئة سؤال وجواب – بيدرو برييجر – ترجمة: إبراهيم صالح – ص.60

[7] UNRWA

[8] False Prophets of Peace: Liberal Zionism and the Struggle for Palestine – Tikva Honig-Parnass – p.64

[9] Ibid., p.65

[10] CounterPunch

[11] False Prophets of Peace: Liberal Zionism and the Struggle for Palestine – Tikva Honig-Parnass – p.10-11

[12] Israel’s Apartheid Against Palestinians – Amnesty International – p.21

[13] The Guardian

[14] BBC

[15] Three Worlds: Memoirs of an Arab-Jew – Avi Shlaim – p.257

[16] الصراع العربي-الإسرائيلي: مئة سؤال وجواب – بيدرو برييجر – ترجمة: إبراهيم صالح – ص.138

إعلان

اترك تعليقا