تأخذك إلى أعماق الفكر

هل معاناة البشر نسبية؟

بينما كنت جالسة في المقهى، صادفت طفلة تضحك مع أبيها وهو يصطحبها إلى الحضانة المجاورة للمقهى، باغتتني خاطرة حينها: مثل هذه الطفلة وبمثل لون شعرها الأشقر وبياض بشرتها في سوريا تحت لهيب الحصار والحرب خسرت عائلتها تحت ركام القصف، ثم سألت نفسي سؤالًا: هل من السليم تمامًا أن نعتقد بأن نصيب تلك الطفلة السورية من المعاناة في الحياة أكبر من نصيب هذه الطفلة التي يبدو من هيئتها أنها تنعم في ظل الأمان ومحاطة بحنان ورعاية والدها؟

قبل البدء في صلب الموضوع، أود أن أنوه بأني بكتابة هذا المقال لا أحاول الإجابة على السؤال الذي طرحته؛ بل إني أترك الإجابة مفتوحة للقارئ بعد أن أطرح عليه المسألة وأحللها من زوايا عدة ثم اترك له عناء البحث معي قليلًا..

هل الحياة عادلة؟

سؤال من الأسئلة الكليشيه وإجابته معروفة ومتداولة دائمًا، ولا أتصور أن أحدًا يتجرأ مثلًا أن يجيب بـ”نعم” ولكن دعونا نبتعد قليلًا عن الإجابات المختصرة “نعم” أو “لا” ولا نتسرع كثيرًا في الحكم وأن نتعامل مع السؤال بمستوى مختلف.

ينقسم عالمنا إلى عوالم صغيرة متفرقة، قسم منه يعاني من ويلات الحرب والفقر والبطالة وقسم آخر يبدو في ظاهره أفضل من الأول، يحظى مواطنوه بفرص عيش كريمة هانئة، متناقض إلى حد بعيد، هناك فقراء تحت خط  الفقر وهناك أغنياء يملكون ثروات طائلة، هناك مرضى في المستشفيات، وبالمقابل هناك أصحاء ينعمون بصحة جيدة ولكن هل يصح أن نتخذ من ذلك دليلًا قاطعًا على نسبية معاناة البشر أو نجزم بأن هناك فجوة هائلة في المعاناة بين الناس؟ وأن هناك من يعاني أضعافًا مضاعفة عن الآخرين؟  

في الغالب، سيجيب القارئ بحماس “نعم” وسأطلب منه أن يتريث في حكمه قليلًا؛ ذلك لأن الحكم صادر هنا عن الصورة الكلية للقسمين من العالم، الصورة الكلية للقسم الأول من العالم والصورة الكلية للقسم الثاني منه، لكن لا يشمل هذا الحكم مثلًا عناصر وتفاصيل الصورتين (الأفراد وظروفهم الشخصية).

إعلان

كل قسم من هذا العالم يتألف من أفراد وكل فرد ينبغي أن نتعامل معه بمعزل عن صورة المجتمع أو العالم الذي يعيش فيه ،الأفراد في هذه الحالة تحديدًا أجزاء وعناصر مستقلة تمامًا عن ظروف وأحوال محيطهم، كل شخص له ظروفه الخاصة ومعاناته الشخصية و قراراته الحياتية الخاطئة التي نتجت عنها الكثير من المشاكل التي قد تكون جزءًا أساسيًا من معاناته.

ولكي لا يكون الحديث هنا مجرد كلام نظري سنضرب مثالًا: أنا شخص مقتدر ماديًا وأعيش في بلد يمنحني كافة حقوقي، متزوج وأعمل في شركة خاصة بمنصب إداري مرموق، أنا في نظر عامل النظافة الذي أقول له كل يوم “صباح الخير” شخص محظوظ وسعيد، لكن عامل النظافة هذا لا يعرف بأنه قد تم تشخيصي البارحة بمرض السرطان من الدرجة الثانية، أو لا يعرف بأني مصاب بمرض الاكتئاب ثنائي القطب، أو لايعرف بأني عقيم وهذه المشكلة تهدد زواجي، أو لا يعرف بأني مصاب بمرض الوسواس القهري كل هذه مجرد أمثلة توضيحية لا تؤخذ بحرفيتها ولكن بفكرتها المحورية والأساسية وهي أن الإنسان يواجه شكلين من أشكال المعاناة في الحياة، معاناة واضحة صريحة كمعاناة الإنسان في الحروب ومعاناته مع الفقر والمرض وأخرى خفية داخلية يتعذر على الآخرين معرفتها، إما رغبة منه في إخفائها عنهم أو أن طبيعة تلك المعاناة سرية كالوحدة والاغتراب الذاتي والصراع مع الوجود والذات.. إلخ.

معايير تقييم المعاناة:

ثمّة سؤال مهم ينبغي أن يطرح على طاولة أي نقاش حول معاناة البشر: كيف يتم تقييم معاناة الإنسان؟  فمن يقول مثلًا بأنها نسبية (أي أن معاناة البشر متفاوتة من شخص لآخر) أو متساوية (لكل إنسان نصيب متساوٍ من المعاناة) كيف استنتج ذلك؟ ماهي المعايير التي اعتمدها حتى خرج لنا بهذا الاستنتاج ؟

 لنأخذ مثالًا  آخر: شخص سجين وشخص آخر حر طليق، سأطرح السؤال التالي على القارئ : أيهما يعاني أكثر في نظرك؟ الحر أم السجين؟ لن تتسنى لي الفرصة بالطبع لأعرف إجابات كل القراء ولكن سنفترض نموذجين محتملين من الإجابات، الإجابة الأولى المحتملة والمتسرعة هي  أن معاناة السجين بالطبع تفوق معاناة الحر؛ ذلك أنه مقيد في مكان و زمن محددين ولا يستطيع أن ينجز أو يفعل الكثير من الأمور التي باستطاعة نظيره الحر فعلها، لا أحلام ولا طموحات سوف تتحقق، هذا عوضًا عن الحالة النفسية المزرية التي من المفترض أنه يعاني منها، بينما الحر معظم الفرص متاحة أمامه في الحياة ليحقق ذاته وطموحاته والإجابة الثانية المحتملة هي ببساطة لا أعرف أو لايمكنني أن أجزم بإجابة محددة .

ولكن قبل أن نجيب على هذا السؤال بموضوعية تامّة ألا ينبغي أولًا أن نعيش معاناة السجين ومعاناة الحر أيضًا؟ أو بعبارة أدق أن نعيش حياة السجين ونعيش حياة الحر أيضًا حتى نخرج بإجابة دقيقة وموضوعية لا تنحاز لطرف دون الآخر؟ كيف نقول بأن فلان يعاني بنسبة أقل من فلان آخر ونحن لم نعش لا معاناة  هذا ولا ذاك؟ لعل السؤال الأهم هل من السليم تمامًا أن نقيّم معاناة الآخرين من خلال تجاربهم الظاهرية؟ ألا يعيش المرء أيضًا تجارب نفسية وصراعات داخلية خفية لا يعلم بها الآخرون؟ وهذا من شأنه أن يضيف إلى سؤالنا مستوى آخر من التعقيد فوق تعقيده.

هل معاناة البشر نسبية؟ ربما تتطلب الإجابة على هذا السؤال الخروج عن دائرة معاناتنا وحياتنا الشخصية وخوض معاناة الآخرين واكتشافها، لكن هذا الأمر مستحيل لأننا لن نعيش إلا حياتنا ومعاناتنا الشخصية أما حياة الآخرين ومعاناتهم فهي تخصهم وحدهم.

إعلان

فريق الإعداد

إعداد: شيماء يوسف

تدقيق لغوي: سدرة الأصبحي

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.