تأخذك إلى أعماق الفكر

هل أثر الفراشة حقيقة مؤكدة؟ الجواب قد يفاجئك!

يمكن لأجنحة الفراشة القيام ببعض الأشياء المدهشة، ولكن، هل يشمل ذلك قدرتها على تغيير حالة الطقس؟ قد يُفاجئك الجواب قليلًا؛ لذا كن مستعدًّا، فبعض الفوضى على وشك أن تبدأ.
كيف نفسّر أثر الفراشة ببساطة؟

من أفضل الطرق لتبسيط أي فكرة معقّدة هو تمثيلها في قالب الاستعارة أو التشبيه؛ لتصبح يسيرة الفهم والاستيعاب. ومصطلح تأثير الفراشة هو استعارة لفظية تستخدم للتعبير عن”نظرية الفوضى”، ومحاولة لتوضيح معناها بشكل أكبر.

إذ تقول: “هل لرفرفة جناح فراشة في البرازيل أن تتسبب بحدوث إعصارٍ في تكساس؟”

بالطبع لن يحدث شيء من هذا القبيل إطلاقًا، ولكن القصد أن حدثًا صغيرًا -كرفرفة الفراشة- إذا تمّ في الوقت والمكان المناسبين، قد يؤدي من الناحية النظرية إلى إثارة سلسلة من الأحداث، والتي ستتراكم وتؤدي إلى مجموعة من الأحداث التي ستنتهي إلى تشكيل إعصار على الجانب الآخر من العالم.

منذ ما يقرب الـ 45 عامًا، وخلال الاجتماع الـ 139 لجمعية التقدم العلمي، طرح إدوارد لورينز هذه النظرية التي تبين أنها تحظى بشعبية كبيرة، كما تبنّتها العديد من الثقافات الشعبية منذ ذلك الحين.

كان لورينز أستاذًا في علم الأرصاد الجوية في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، وقد طوّر مفهوم النظرية خلال ذلك الوقت بطريقة تختلف عن ما يتم تطبيقه اليوم بشكل شائع بين الناس.

إعلان

قد ترى مفهوم أثر الفراشة سخيفًا بعض الشيء، إلا أن معناه ليس حرفيًا كما يطرحه، بل يشير ببساطة إلى أن الأحداث الصغيرة التي تبدو غير ملحوظة قد تؤدي لحدوث تأثيرات كبيرة ومهمة على المدى البعيد.

بعبارة أخرى، يمكن للتفاصيل الصغيرة التي تتشكل في الظروف الأولية أن تُحدث تأثيرات عميقة ومتباينة على أنظمتنا بشكل كبير، ولهذه الأنظمة الفوضوية طبيعة متقلّبة بحد ذاتها؛ إذ أنّه يصعُب التنبؤ بها.

وانطلاقًا من هذه الفكرة تأسست قاعدة لفرع الرياضيات تُعرف باسم نظرية الفوضى، التي طُبِّقت في سيناريوهات لا تعد ولا تُحصى منذ أن تم طرحها.

إلا أن هذا الفرع يُشكك في صحّة بعض قوانين الفيزياء الأساسية، لا سيّما ما اقترحه إسحاق نيوتن حول الطبيعة الميكانيكية الحتمية والتنبؤية للكون.

كذلك، تحدّى لورنز بيير الرياضي سيمون لابلاس، الذي زعم أن قدرتنا على التنبؤ بالمستقبل أمر غير ممكن في كوننا، مؤكدًا أنه فقط إذا توصلنا للمعرفة التامّة بجميع القوانين الفيزيائية للطبيعة؛ فعندئذٍ “لن يكون ثَمَّةَ شيء غير مؤكَّد، وسيكون المستقبل تمامًا مثل الماضي ماثلًا  أمام أعيننا”.

كما أشار لورنز إلى أن إحدى المشكلات الرئيسة التي نواجهها تتمثّل في عدم دقة أجهزة القياس الخاصة بنا للتنبؤ بأشياء مثل الظواهر الفيزيائية، لذلك فإنّنا نضع جُلّ أملنا فيما نقدمه من تخمين أو تقريب لما يجري من أحداث.

ينطبق ذلك بشكل خاص على الأنظمة شديدة التعقيد كأنماط الطقس مثلًا، في حين تحاول النظريات في مجالات العلوم الأخرى، كالفيزياء أن تحاكي الطبيعة، فهي في الواقع تُشكّل أنظمة معقدة أيضًا.

عادةً ما تكون معظم الأشياء في الطبيعة نتيجة للعديد من علاقات السبب والنتيجة المترابطة والمتداخلة فيما بينها، ما يعني أنها معقدة بشكل مذهل، لدرجة أنه قد يستحيل حلّها وفكّ شيفرتها على نحو مناسب على أرض الواقع.

ما هو أثر الفراشة بشكل عام؟

بدايةً، تذكّر أن مفهوم “أثر الفراشة” هو مجرد استعارة مجازية تشير لمجال معيّن في الرياضيات يسمى نظرية الفوضى.

نظرية الفوضى تمثّل علمًا مليئًا بالمفاجآت غير الخطيّة وغير المتوقعة، فهي نظرية مفادها أن تبقى مُتأهّبًا لما ليس في الحسبان.

إلا أنها بهذا المعنى تقف متناقضةً بشكلٍ مباشر مع أغلب مجالات العلوم الأخرى، تلك التي تميل إلى التعامل مع الأنماط المتوقعة التي يمكن التنبؤ بها؛ ذلك أن دقة المبدأ العلمي وموثوقيته من بين الأسس التي يقوم عليها هذا المبدأ. ومن الأمثلة الأساسية المطروحة على ذلك: الجاذبية الأرضية، والكهرباء، والتفاعلات الكيميائية.

وفي هذه الحالة، تلقي نظرية الفوضى بفكرة القدرة على التنبؤ بالمستقبل عرض الحائط، على الأقل فيما يتعلق بالأنظمة شديدة التعقيد. فهذا المبدأ يتعامل مع الصور اللاخطيّة، التي -وبحكم طبيعتها- يستحيل التنبؤ بها أو السيطرة عليها مهما كانت بلغت درجة تيقّنك.

وعمليًا، تستحيل الإحاطة بكل تفاصيل البيانات في النظام بدقة تامة، كما أننا لا نستطيع العودة بالزمن إلى الوراء، لنرى بداية تكوّن الأشياء ونسجّل كافة البيانات المتعلّقة بنشأتها. نحن ببساطة لا نستطيع معرفة كل شيء ولا يمكننا التأمل بحدوث ذلك يومًا ما.

خلاصة القول، ما يسعنا فعله هوأن نُخمّن مثل هذه الأمور على أفضل نحو ممكن، فلا يمكننا أبدًا أن نصل إلى درجة كاملة من الصحة؛ لأن التباينات الصغيرة التي تحدث في البداية قد تُلقي بجميع النتائج بعيدًا، ولأن حدوث أي خطأ في نموذج أو معادلة أو خوارزمية سيتراكم ويتداعى بمرور الوقت.

ويعدّ الاضطراب وحالة الطقس وحتى سوق الأسهم من الأمثلة على هذه الأنظمة.

“طالما تشير قوانين الرياضيات إلى الواقع، فهي غير مؤكدة، وبقدر ما تكون مؤكدة، فإنها لا تشير إلى الواقع” آلبرت آينشتاين.

تُبدي العديد من الكائنات الطبيعية أيضًا نتائج التفاعلات المعقدة التي أدت إلى إنشائها. فأشياء مثل المناظر الطبيعية والسحب والأشجار وأنظمة الأنهار تُجسّد ما يُسمى بالخصائص الكسرية.

تُمثل هذه الخصائص أنماطًا لا نهائية تميل لتكون معقّدة بشكل غير محدود، كما تشتمل في نفس الوقت على مستويات مختلفة من التشابه الذاتي بينها، فجميعها يتم إنشاؤها بتكرار عملية بسيطة مرةً تلو المرة في حلقة مُفرغة.

بفعل التكرار المستمر يمكن رؤية هذه الأنماط صورًا للأنظمة الديناميكية، أو بمعنى آخر صورًا للفوضى، وإذا نظرت عن كثب إلى الطبيعة، فسترى أنها ظاهرة شائعة للغاية.

ومن خلال إدراكنا لحقيقة أن أنظمتنا البيئية، والاجتماعية، والاقتصادية تُمثل سلسلةً مترابطة، نستطيع إذًا أن نأمل تجنُب السلوكيات التي قد تُلحق الضرر بصحتنا على المدى الطويل.

كيف نشأ مصطلح “تأثير الفراشة”؟

إن مصطلح “تأثير الفراشة” مجرّد وصف مجازي لمبدأ نظرية الفوضى، بمعنىً آخر: فهو يُشيرإلى “الاعتماد الحساس على الظروف الأولية”.

غالبًا ما يُنسب هذا المفهوم إلى إدوارد لورنز الذي كتب عنه ورقة بحثية، نشرت في عام 1963 في أكاديمية نيويورك للعلوم، ولكن مع اختلاف طفيف؛ إذ قال: “إذا كانت هذه النظرية صحيحة، فإن رفرفة واحدة لأحد أجنحة طائر النورس ستكون كافية لتغيير مسار الطقس إلى الأبد”.

ولكن بحلول عام 1972، وفي الجمعية الأمريكية لتقدّم العلوم/واشنطن، لم يلبث ما قاله طويلًا، وسرعان ما استُبدل النورس برمز الفراشة المشهور الآن.

ترجع قصة هذه النظرية بأكملها إلى ما حدث مع لورينز في محاولةٍ لتشغيل بعض نماذج الطقس باستخدام معادلات قطعية على إحدى الحواسيب العملاقة، وحينها كانت المفاجأة!

نظريًا، من السهل جدًا إدخال عوامل قابلة للقياس، مثل درجة الحرارة، والضغط، وسرعة الرياح، وأنت تملك حاسوبًا عملاقًا يقوم ببعض الحسابات؛ للتنبؤ بحالة الطقس في المستقبل.

بدأ لورنز بإدخال مجموعة أولية من البيانات، وشغل الحاسوب، وانتظر نتيجة النسخة المطبوعة، ثم وضعها بجوار الجهاز، وقرر إعادة إدخال بعض البيانات مرة أخرى وتشغيل البرنامج لفترة أطول.

ولكن النتائج كانت مختلفة بشكل كبير في كلتا المرتين، وسرعان ما أدرك أنه ارتكب خطأً بسيطًا جدًا أثناء عملية الإدخال في المرة الثانية، الأمر الذي قلب النتيجة بأكملها!

ففي الموضع الأول أدخل القيمة العشرية 0.506 المأخوذة من النسخة المطبوعة، بدلًا من إدخال القيمة 0.506127 كاملةً.

حَظِي لورينز بإلهام ووحيٍ كبيرين، أسفر عن ولادة مجال جديدٍ بالكامل في علم الرياضيات المتمثل في “نظرية الفوضى”. توفيّ لورنز في عام 2008، تاركًا مساهماته الراسخة في فهمنا للأنظمة المعقدة، والتي تُعتبر بلا شك على قدرٍ من الأهمية.

مصدر الترجمة

إعلان

فريق الإعداد

ترجمة: دعاء الكيلاني

تحرير/تنسيق: خالد عبود

تدقيق لغوي: سلمى عصام الدين

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.