تأخذك إلى أعماق الفكر

نيكولا تسلا – معاناة أن تكون عبقرياً

في ليلة عاصفة مليئة بأضواء البرق بقرية “سميلجان” التابعة للإمبراطوية “النمساوية” حينها – حالياً تابعة لـ “كرواتيا”- ولد العالم العبقري “نيكولا تسلا” -“Nikola Tesla” أثناء عاصفة رعدية، ربما هي إشارة من القدر لميلاد “القديس شفيع الكهرباء الحديثة” كما أطلق عليه لاحقاً.

١- الميلاد والنشأة

ولد “تسلا” في العاشر من يوليو عام 1856 م. لأسرة صربية مكونة من خمسة أطفال، وكان والده كاتبًا وأيضًا كاهنًا في الكنيسة الأرثوذوكسية، ووالدته كانت شديدة الاهتمام به، فكانت هي المحفز الأول والأهم في حياته. التحق بمدرسة “البوليتكنيك” “Poly Technic School” في “گراتس” “Graz” .

٢-النبوغ المبكر

كان أكثر ما يميزه عن زملائه إجرائه حسابات التكامل والتفاضل في عقله دون الحاجة إلى ورقة وقلم، وتسبب هذا بالمشاكل له حيث أن معلميه شكوا في كونه يغش الحلول ولم ينتبهوا لذكائه، واستطاع “تسلا” أن ينهي دراسته في وقت أقل من المعتاد، ثم درس الفيزياء والرياضيات في جامعة “كَراتس” النمساوية، وفي أثناء ذلك أسس نادياً ثقافياً صربياً، لدرجة أنه حصل على خطاب توصية من عميد الكلية إلى والده كتب فيه “إن ابنك نجم من الدرجة الأولى “.

٣-الصدام و الهبوط المفاجئ

تسبب ذكاء “تسلا” ونبوغه في حدوث صدام مبكر مع أساتذته بالجامعة، حيث تصادم مع أستاذه “بوشيل” عندما صارحه “تسلا” بأن عواكس التيار في مولّد غرام ليس ضروريًا، وبنهاية السنة الثانية فقد منحته الدراسية وأصبح مدمنًا للمقامرة ، وفي السنة الثالثة وبحلول وقت الامتحانات لم يكن تسلا مستعداً، وطلب التأجيل للمذاكرة لكن طلبه رُفض، وفي النهاية لم يتخرج من الجامعة، ولم يحصل على درجته العلمية في الفصل الأخير.

٤-الانحدار

غادر “تسلا” من “كَراتس” سريعاً وقطع كل علاقاته بعائلته حتى لا ينكشف أمر تسرّبه من المدرسة إلى والديه، وعمل كرسام للمخططات، وأمضى وقت فراغه في لعب الأوراق. وبعدها بعام عانى “تسلا” من وقت عصيب وأصيب بانهيار عصبي، وفي نفس العام 1879م توفي والده بالسكتة الدماغية مما تسبب إلي “تسلا” بحالة من الهلع .

إعلان

٥-الصحوة

كانت صدمة موت والده بمثابة جرس إنذار له، فعاد إلى الدراسة في نفس عام الوفاة والتحق بمدرسته القديمة، وفي العام الذي يليه نزح إلى “براغ” مرة أخرى حيث جامعته القديمة، وحاول الالتحاق بجامعة “كارلوفا” لكنه تأخر في اللحاق بالدراسة هناك، فعوضاً عن ذلك التحق كمستمع بها، رغماً من عدم معرفته بالتشيكية واليونانية التي تعد اللغة الرسمية للدراسة بهذه الجامعة .

٦-تأصل اهتمام تسلا بالكهرباء

في عام 1881م انتقل “تسلا” إلى “بودابست” للالتحاق بشركة “بودابست للبرق” وكانت لاتزال تحت الإنشاء، فعمل كرسام للمخططات في مكتب “البرق” المركزي ، وبعد اكتمال إنشاء الشركة تم تعيينه اختصاصي الكهرباء الرئيسي، وخلال هذه الفترة قيل أنه اخترع مضخم هاتفي لكنه لم يحصل على براءة اختراع له .

تسلا

٧-العمل مع إديسون

انتقل “تسلا” إلى فرنسا وعمل في شركة ” إديسون” لتطوير الأجهزة الكهربائية وأثبت وجوده لمدة عامين، ثم هاجر إلى “الولايات المتحدة الأمريكية” في عام 1884م وفي يده خطاب من أحد أصدقاء “إديسون” في أوروبا، وهذا الخطاب عبارة عن رسالة توصية جاء فيها: “عزيزي إديسون أعرف رجلين عظيمين أحدهما أنت والآخر هو حامل هذه الرسالة، فقام “إديسون” بتعيينه في شركته للأعمال الميكانيكية كمهندس كهربائي، وسرعان ما بدأ في حل معضلات تقنية واجهت الشركة، وعمل الرجلان بلا كلل مع بعضهما البعض وكان “لتسلا” دور كبير في تحسين إختراعات “إديسون” .

٨-الخلاف و الوجه القبيح لإديسون

أوكل “إديسون” إلى “تسلا” مهمة إعادة تصميم مولد شركة “إديسون للتيار المستمر”، فادعى “تسلا” أنه بإمكانه أن يعيد تصميم مولدات وآليات “إديسون” غير الفعالة بطريقة تضمن الخدمة الجيدة والكفاءة الاقتصادية وبدون أي مخططات على الورق، ووفقاً “لتسلا” فقد عقّب “إديسون”على ذلك قائلاً : سأمنحك خمسين ألف دولار إن استطعت ذلك.

بعد شهور أنجز “تسلا” المهمة وطالب بجائزته، وتهّرب “إديسون” من الدفع، وبعدها استقال “تسلا”، لكن يبدو أن عمق الخلاف كان أكبر من ذلك ، فكان “إديسون” يظن أن الاستخدام العملي للكهرباء يجب أن يعتمد على التيار المستمر، وهذا عكس ما أثبته “تسلا” حين نجح في اختراع نظام يعتمد على التيار المتردد، ومن هنا بدأت حرب “أديسون” على “تسلا” و محاولة محوه وطمس اختراعاته .

تسلا

٩-آفاق جديدة

عندما ترك العمل مع “إديسون” نجح “تسلا” بعد جهود مضنية فتح معمل خاص به، وبمساعدة بعض المستثمرين ” روبرت لين” و”بنجامين فيل” اللذان وافقا على تمويل شركة للإنارة الكهربائية سمّاها “تسلا “شركة تسلا للإضاءة الكهربائية والتصنيع” ثبتت الشركة أنظمة إضاءة تستخدم المصابيح القوسية الكهربائية التي صمّمها “تسلا” ، كما صمم مفاتيح تحويل لمحركات الدينامو الكهربائية التي كانت أول براءات اختراع “تسلا” الصادرة في الولايات المتحدة، وتمكن أخيراً بعدها من تصميم وتنفيذ مولد التيار الكهربي المتردد وسجل براءة اختراعه في مايو عام 1888م.

١٠-الحرب

أعلن “إديسون” الحرب على “تسلا” فيما عرف بـ”حرب الترددات” ، وبدأ “إديسون” في نشر دعاية مضادة لـ”التيارات المترددة” من خلال اقتراح استعمالها في تنفيذ أحكام الإعدام، ومبرهناً على عدم الحاجة إليها أقام العروض العامة بالشوارع وصعق بها الحيوانات التى سرعان ما نفقت ، لكن كل هذه التجارب لـ”إديسون” تم محوها عندما قام “تسلا” بإضاءة المعرض الكولومبي ب”شيكاغو” بالكامل في أوائل تسعينيات القرن الـ19 معتمداً فقط على التيارات المترددة .

١١-الثورة الكهربائية

وفي عام 1895. صمم “تسلا” أول محطات توليد الطاقة الكهرومائية في “الولايات المتحدة” في “شلالات نياجرا” والذي استخدم لتشغيل مدينة “بافالو” و “نيويورك” في العام التالي، وهو إنجاز حقق انتشاراً كبيراً في جميع أنحاء العالم، وأصبح النظام المتناوب للتيار الكهربائي نظام الطاقة السائد في القرن العشرين وحتى الآن.

١٢-اختراعات غيرت مسار البشرية

اكتشف “تسلا” وصمم وطور أفكاراً للعديد من الاختراعات الهامة الأخرى، لكن معظمها حصل على براءة اختراع رسمية من قبل مخترعين آخرين، منها الدينامو ومحرك الحث، كما كان رائداً في اكتشاف تكنولوجيا الرادار وأيضاً تكنولوجيا الأشعة السينية وجهاز التحكم عن بعد، واكتشف الحقل المغناطيسي الدوار، وتقنيات حزمة الأشعة والتلفزيون ومحرك يعمل على الأشعة الكونية والاتصالات بين الكواكب وأدوات التداخل الموجي، والتي دعيت باسمه منذ ذلك الوقت “المدفع القذاف تسلا Tesla howitzer” و درع تسلا “Tesla shield”.

١٣-مشروعه الأضخم

احترق مختبر “تسلا” عام 1899م لكنه قام بإعادة بنائه واستمر في إجراء تجاربه، ثم نقل مخبره إلى “كولورادو” ، ثم بنى جهاز إرسال ضخم، وأجرى التجارب في مجال الطاقة الكهربائية اللاسلكية، والراديو والرنين الأرضي، ثم درس البرق واستطاع بعدها صنع البرق “برق صناعي” ثم عاد إلى “نيويورك ” بتشجيع من مموله “جي بي مورجان” وقام بتطوير نظام عالمي للبث الإذاعي للطاقة الكهربائية باستخدام أجهزة إرسال مكبرة، وبنى برجاً ضخماً لتقوية الإرسال في “واردنكليف لونج آيلند” كأول محطة في النظام الكهربائي العالمي الجديد، وبعد أن استلم ما يكفي من “مورجان” لإخراج المحطة إلى الوجود وإكمالها، وبحلول عام 1915م توقف التمويل فجأة وانهار، و قال عنه “برنارد كارلسون” أنه كان أول من يفكر في ثورة المعلومات، أي تقديم المعلومات لكل مستخدم على حدة.

١٤-سنوات عَصيبة

عمل “تسلا” عام 1919م لدى شركة ” أليس-شالمار”،  وفي عام 1928 م حصل على براءة اختراعه الأخيرة بتصميمه لطائرة ثنائية السطح قادرة على الإقلاع والهبوط عمودياً، ومن ثم تميل تدريجياً حتى تطير كالطائرات التقليدية، التي كانت على الأرجح كانت أقدم تصميم معروف لما أصبح يعرف بالأجنحة المائلة، وكذلك كانت أقدم مقترح لاستخدام المحركات التوربينية في الطائرات الدوارة. ومنذ عام 1934 م بدأت شركة “ويستنغهاوس للكهرباء والصناعة” بدفع مبلغ شهري ” لتسلا” بالإضافة إلى دفع أجرة إقامته في فندق “نيويوركر” وهي الأجرة التي ظلت الشركة تدفعها حتى وفاته، وقد صيغت تلك المبالغ في صورة رسم استشارات للتحايل على نفوره من تقبّل الصدقة، وفي مقابلة أخيرة مع تسلا بمناسبة عيد مولده سنة 1935 م أعلن عن طريقة لنقل الطاقة الميكانيكية بأقل فقد للطاقة مهما بعدت المسافة.

١٥- رحيل العبقري نيكولا تسلا

في عام 1937م تعرض “تسلا” لحادث سير حيث صدمته سيارة أجرة بقوة وهو يحاول تخطي حاجزين أمام الفندق. أصيب ظهره بشدة، وكُسر له ثلاثة أضلع، لزم “تسلا” السرير لأشهر، وفي بداية سنة 1938 م، استطاع تسلا النهوض من الفراش ولكن بصورة أقل من المعتاد، و لم يستطع العودة لممارسة حياته بصورة طبيعية حتى وفاته، ولكن لن ننسى ابداً أن الكهرباء بالشكل الذي نعرفه لم تكن لتصل إلينا لولا جهود “تسلا” الجبارة وعبقريته وإصراره وكفاحه، وكذلك العديد من الاختراعات التي تعتمد عليها البشرية اعتماداً كلياً الآن، وقع فضل اكتشافها على عاتق العبقري ” تسلا” الذي عاش وحيداً، لم يتزوج وقرر تكريس نفسه للعلم فقط، والذي توفي وحيداً وفقيراً عام 1943 م بإحدى فنادق “نيويورك” عن عمر يناهز 86 عام، وقضى منهم مايقارب 60 عام للبحث العلمي .

المصادر:
كتاب : تسلا صورة و أقنعة- لفلادمير بشتالو
كتاب: نيكولا تسلا و الفصل المفقود في تاريخ الكهرباء - لعلاء الحلبي

إعلان

فريق الإعداد

إعداد: هند عزت

تحرير/تنسيق: نهال أسامة

تدقيق لغوي: مصعب محيسن

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.