تأخذك إلى أعماق الفكر

ما هو التاريخ ؟ لم يعطنا أحد إجابة أكثر عمقاً من إجابة هيجل

كشف بحث هيجل عن الأنماط العالمية للتاريخ مفارقة: الحرية بدأت تظهر، لكنها غير مضمونة على الإطلاق

استقى مثاله المفضّل من تراجيديا صوفوكليس “أنتيجون”، ففي المسرحية، يجد أبناء أوديب وبناته أنفسهم في وضعٍ غير مستقر ومتقلّب. يقاتل اثنان من الأبناء بعضهما على ميراث حكم أوديب ويموتان في القتال، ويستولي خالهما كريون على مقاليد الحكم، ويحرم طقوس دفن أحد أبناء أخته، لكن ابنة أخته أنتيجون تتحداه بتولّيها مراسم الدفن سرًّا. تفعل ذلك لأن واجبها المطلق كشقيقة أن تفعل ذلك، لكنها تعرف جيدًا أيضًا أن واجبها المطلق كشقيقة مساوٍ لواجبها المطلق في طاعة كريون (خصوصًا كامرأة شابة). حُوصرت أنتيجون في وضعٍ يناقض فيه الحق نفسه. لديها أيضًا واجب مطلق بألّا تتخذ قرارها الخاص في ما يُطلب منها -إنها المحطة المخصصة لها في الحياة التي تتلقى فيها ما يجب عليها فعله- وستقوم الجوقة لاحقًا بإدانة هذا الفعل على أنه مسعى غير مبرر للاستقلال.

انشغلت أنتيجون بشغفها لتصل إلى شيء محظور طبيعيًا على النساء: إنها تريد الحرية، الأمر الذي يتطلب منها أن يُعترف بها كفردٍ مساوٍ للآخرين. لكن من لديه السلطة للاعتراف بها؟ ليس زوجًا (ليس في اليونان القديمة)، ليسوا أولادها (إذا أنجبت أيًا منهم)، ليسا والديها، ليست أختها، شقيقاها فقط يستطيعان فعل ذلك، وكلاهما ميت. في شغفها بالحرية، تحاول أنتيجون أن تستجلب هذا الاعتراف من أخيها الميت، كما يدرك أولئك الذين يعرفون المسرحية، ينتهي الأمر نهاية سيئة. ومع ذلك، تمثّل أنتيجون خلال مواجهتها الخطأ الذي حدث في النموذج اليوناني: الطريقة التي أُسس بها نظام للمساواة لبعض الرجال وإنكارها على البعض الآخر. وبفعلها ذاك، تصبح أنتيجون أيضًا صوت المستبعدين، مطالبةً بالاندماج والاعتراف كواحدة منّا، كمتساويةٍ معنا، وبالتالي كحرّةٍ متساويةٍ معنا. تتساءل أنتيجون و تُطالب: إذا كان البعض أحرارًا فلماذا لا أكون أنا أيضًا حرّة ؟ خلق هذا التساؤل في الجمهور اليوناني القديم شعورًا بعدم الثقة في أن نظامهم بأكمله كان بلا معنى و غير منطقي.

عندما قامت روما القديمة للهيمنة على اليونان، بدا ذلك في البداية وكأن طريقةً أكثر منطقية للحياة قد حضرت لتحل محل الفشل البدائي اليوناني، لكن روما نفسها انهارت. في أواخر المرحلة الأنتيكية، عندما أصبحت المسيحية هي الدين الإمبراطوري، ظهرت بذرة فكرة جديدة ضمن الهدف المتحرك لحياة الوعي الذاتي: إذا كان كل الناس أبناء الرب، فإننا جميعًا مجازيًّا إخوة وأخوات. قد تكون العبودية والاضطهاد هي القاعدة على الأرض، لكن المساواة كانت القاعدة في الحياة الآخرة، وعلى الرغم من أن التناقض ربما لم يكن جليًّا تمامًا في البداية، إلا أن بذرة الحساب الأخروي كانت قد زُرعت في أرض مسرح العالم، فمطالبة أنتيجون كانت في طريقها لتصبح كونيّة.

من وجهة نظر هيجل، ضلّت الحياة الأوروبية طريقهاإلى حدّ ما- لفترةٍ طويلة بعد زوال الديمقراطية اليونانية.

فقد استُبدل بالمزيج المكون من الثقافة الرومانية والقانون الروماني، وقبل كل شيء، القوة الغاشمة للجحافل الرومانية عالم مُغترب، شَعَر الناس فيه بأنهم مجبرون على الامتثال لمعايير واجهوا فيها مشكلةً في رؤية أنفسهم. مثل هذا العالم كان يترنح دائمًا بين الاستقرار الهش والشعور بالخوف من حماقته الخاصة. ومن وقتٍ إلى آخر كان هذا العالم ينزلق إلى الجنون المطلق. جنون الحروب الصليبية كان مثالًا على ذلك، إذ كان الهلع الجماعي بخصوص الشعوذة مثالًا آخر كانت نتيجته “القتل القضائي” لمئات من النساء. كل هذا حدث على خلفيّة ما وصفه هيجل “شعورٌ عالميٌّ بالعدم يتعقب أحوالهم خلال العالم”. كان العالم يعيش في نوع من الخوف لم يكن معقولًا في المقام الأخير.

هذا المزيج القابل للاشتعال المكوّن من الاغتراب عن النفس بسبب “العدم” و الغضب من ظلم النظام السائد اشتعل عام 1789 إبّان الثورة الفرنسية، التي سقطت فيها الدعائم التي تسند هيئة حياة الاغتراب. لقد تركت الثورة في أعقابها نوعًا من الحرية اعتبرت نفسها فيه غير مقيدة بالماضي، ومقيدة قليلًا بالطبيعة، وغير مقيدةٍ بالدين على الإطلاق. وكنتيجة لذلك، أو كما عدّها هيجل كنتيجة، فقد تركت لنفسها في البداية القليل من أجل بناء عالم جديد، باستثناء الأفكار الأكثر تجريدًا المتعلقة بالحرية غير المقيدة ذاتها والمزايا التي من المفترض أن تكون أكثر تقييدًا للمواطنين في دعمهم للحكومة الثورية. ومع ذلك، بعد التشنج القصير بسبب العنف في عهد الإرهاب (1793-1994)، استقرت الأمور، وبعد عام 1815 كان النظام الجديد غير المتغير قد تأسس بحيث تصبح ثمار الثورة تدريجيًا أكثر واقعية. أو هكذا أمل هيجل.

إعلان

لم يتردد هيجل أبدًا في إبداء إعجابه بالثورة الفرنسية -كان يحتفل بها دائمًا في الرابع عشر من يوليو لأنه اعتقد أنها مثلت لحظة فاصلة في الحداثة الأوروبية؛ فقد طبقت الانتقال في التاريخ من “البعض أحرار” (كما هو الحال في اليونان وروما) إلى “الجميع أحرار”، أو لنقلها بعبارة أخرى، لقد جعلت فكرة أن لا أحد لديه سلطة أعلى طبيعيًا على أحد آخر، فكرةً حقيقية: لا أحد، لا سلطة لعرقٍ على آخر، ولا سلطة للرجال على النساء، ولا سلطة لملّاك الأراضي على أقنان الأرض، ولا سلطة للأرستقراطيين على العوام، فبمجرد أن يقبض الناس على هذه الفكرة من الحرية و المساواة، لا يعود ممكنًا إعادة الجنّي إلى الزجاجة. أفَلَ النظام القديم القائم على الخضوع الطبيعي الآن -نظريًا على الأقل- فبما أن الـ Geist قد تطوّر، فإن فكرة التبعية الطبيعية المتضمنة فيه لم تعد منطقية على الإطلاق.

بذلك، فإن كل شيء آخر، من الحياة الأسرية إلى بنية الدولة، يجب أن يتغير أيضًا. (تضمن ذلك بالتأكيد تحويل “طرق تقليدية لفعل الأشياء” إلى أسئلة أكثر مما كان حتى هيجل نفسه ينوي الاعتراف به). كما أنه أيضًا لم يكن هنالك أيّ شيء يمثّل بشكلٍ كامل وبطريقة مباشرة خبرة القرن التاسع عشر الأوروبيّة. لم تعنِ جملة “الكل أحرار” أنه في ضربة واحدة قد زال الاضطهاد، لكنها عنت أن صورة جديدة كليًا “للوكالة” قد صعدت لأول مرة على مسرح العالم. والأهم من ذلك أن هذه الصورة قد أشارت إلى حدوث تغيّر في مفهوم العدالة.، أن العدالة لم تعد بعد الآن عنصرًا ميتافيزيقيًا من عناصر نظام العالم الأبدي، وأنها الآن أصبحت الميزة الرئيسية لعالم المواطنين الأحرار و المتساوين.

تاريخ العالم هو كيف أن فكرة الحرية والمساواة قد فُرضت علينا بواسطتنا “نحن” أنفسنا.

عقب انتهاء قصة الثورة، اتخذ العالم الحديث شكله الجديد باعتباره “شكلًا للحياة”، وقد تضمن ذلك بالطبع لائحة المعايير الخاصة بالحقوق العامة والمجرّدة التي انشهرت في القرن السابع عشر على يد الفيلسوف الإنجليزي جون لوك (حق العيش وحق الحرية و حق الملكية)، ولكن الأهم من ذلك أنه هذا الشكل قد جعل الحياة الأخلاقية بشمولها العيش بأسباب مقبولة للجميع وليس قبول المجتمع الصغير للشخص لها فقط، جزءًا أساسيًا من تركيبتنا النفسية الحديثة، ولقد جعل هاتين الميزتين للحياة حقيقيّتين بتضمينهما في ممارسات ومؤسسات أكثر تخصيصًا. على سبيل المثال، ضمّنها في الأهمية المطلقة لعلاقات الحب والصداقة و العلاقات الأسرية المتمحورة حول تربية الأطفال ليصبحوا أفرادًا مستقلين بذاتهم ليكونوا بدورهم مواطنين صالحين أيضًا. كما قد جعل الحكم بسيادة القانون مبدأً دستوريًا، وبالتالي حوّل وضع الناس إلى الأبد من رعايا للأمير إلى مواطنين في دولة دستورية. ولقد أمّن هذا الشكل مجالًا حيويًّا من الحياة أطلق عليه هيجل اسم “المجتمع المدني” الذي جمع قوى إنتاج السوق المكتشفة حديثًا مع مجموعة من المؤسسات من صلبها، التي من المفترض أن تهدئ وتذلل قوى الرأسمالية الهدّامة الأخرى التي هددت بالتهام وتشويه أعمدة الحب والصداقة الأساسيّة من جهة، والمواطنة والعدالة من جهة أخرى.

ابتدأ هيجل خلال عقده الأخير بالقلق أكثر و أكثر حول آرائه بخصوص هذه القفلة التاريخية. على الرغم من أنه أشار إلى طلابه أنه من غير المنطقي كليًّا الآن أن تشن الدول الأوروبية الحروب على بعضها البعض، و لقد كان محقًا في ظنه ذلك، ولكنه كان مخطئًا بشأن ما إذا كانت ستُشنّ هذه الحروب. و لقد أصبح أيضًا متشائمًا بشكل متزايد بشأن ما إذا كانت السوق الرأسمالية يمكن أن يُسَيطر عليها بواسطة المؤسسات الأخرى للمجتمع المدني (على الرغم من أنه لم يتخل عن فكرة أنها يمكنها فعل ذلك). كما أنه قلِقَ من أن الفردية المفرطة التي تحثّنا عليها السوق ستكون كافيةً ربما لجعل العرض (أي المجتمع المدني) بأكمله مستحيلًا. في الواقع، و كما قال لصفه في دروس فلسفة التاريخ عام 1831، فإن عدم التوافق هذا بين الفردية المتطرفة الحديثة و الاحتياجات الضرورية لحياة اجتماعية وسياسية جيدة ومستقرة قد شكّل تعارضًا أسماهُ “عقدة” التي توقف عندها التاريخ بعد عام 1830. فعندما تقود تنافسيّة السوق إلى التنافس ولا تقود بالضرورة إلى مجتمع تعاونيّ، ينقسم الناس إلى زُمَر، وهذا يجعل وجود أي حكومة مستحيلًا، ذلك لأن الحكومة ستبدو دائمًا مجرد زمرة واحدة تحكم الآخرين مؤقتًا. إنها هذه العقدة، كما أخبر هيجل طلابه، التي يجب على المستقبل حلّها. ولقد توفّي هيجل بشكل غير متوقع بعد بضعة أشهر فقط من قوله هذا.

نستخرج أخيرًا من انهيارات أشكال الحياة الاجتماعية السابقة تصورًا فلسفيًا كاملًا تقريبًا وأكثر وضوحًا عن الفاعليّة الإنسانية. الفاعلون واعون ذاتيًا، ميتافيزيقيون اجتماعيًا في وعيهم الذاتي؛ يجعلون هذه الفاعلية المجردة حقيقيةً ومحددةً بأشكال مختلفة من الحياة، وهذه الأشكال من الحياة تقوض نفسها تدريجيًا في التاريخ. مجازيًا، توصل الـ Geist “نحن” إلى هذه الخلاصة من خلال عصر نفسه داخل تصوّرٍ ذاتي بأن الجميع أحرارٌ ومتساوون، ولا يمكنه منطقيًا أن يتراجع عن ذلك. نظرًا لأن كل شيء أتى من قبل قد انهار الآن، فقد اضطررنا الآن إلى تحويل أفكارنا إلى أي مدى جعلنا هذه الفكرة حقيقية، ومع اهتمامنا الجديد بالحقيقة الموضوعية، فلقد اكتشفنا أن استعمارنا وعنصريتنا والتمييز على أساس الجنس لدينا وتجاهلنا لسياقنا الطبيعي على خلاف حقًا مع كل ما اعتبرنا أنفسنا نصبو إليه.

ما تعلمناه “نحن” الآن من الناحية الفلسفية والعملية هو أنه من الشكل المفترض للفاعليّة في المدن الديمقراطية لليونان القديمة مرورًا بالأنفس المغتربة عن ذاتها في أوروبا الحديثة المبكرة، وانتهاءً بوجهة النظر ما بعد الثورية بأننا “جميعًا أحرار”، فإن تاريخ العالم ليس إلا الطريقة التي فُرضت علينا بها فكرة الحرية والمساواة بواسطتنا “نحن” أنفسنا وتُطالب الآن بأن تكون حقيقة. إذن، إلى أين سينتهي حالالـ “نحن “؟ لن تخبرنا الفلسفة، هكذا أشار هيجل. بومة مينيرفا (إلهة الحكمة) تطير فقط عندما تغرب الشمس فعلًا. الحرية والمساواة تظلّان غير قابلتين للتفاوض، الجميع يطالبون بتضمينهما في تلك المطالبة، لكنّ عقدة تحقيق ذلك تبقى مربوطة.

المصدر
The spirit of history

إعلان

مصدر
فريق الإعداد

إعداد: فراس حمدان

تدقيق لغوي: اسماء اسماعيل

الصورة: مريم

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.