تأخذك إلى أعماق الفكر

لغة الاكتئاب .. كيف نميزها؟

0

هل يُوجَدُ سرٌ في لغةِ الاكتئاب ؟

يُعاش الاكتئاب تجربةً كاملةً، لا تخلو من انتكاسةٍ تعبِّرُ عن كل شيءٍ، فهو لا يصيبُ جانباً محدوداً من إدراكِ الإنسانِ وعقله، بل يصيبُ كلَ شيءٍ . تراجعٌ كاملٌ في القدراتِ يصلُ إلى انحطاطٍ لا يقعُ ضمن نطاقِ تجربةِ البشرِ الممكنةِ، كلُ هذا في جوهره تقييدٌ لطبيعةِ الحياةِ من الأنشطة المجدولة وحتى الذهاب إلى السرير نهاية اليوم، لتجدَ قواك خائرةً ومنهكةً.

من هنا يبدو الاكتئاب مختلفًا عن المفاهيم، ومتناقضًا معها. لكن لو نظرت متفحصًا ستجدُه يسيرُ على نفس الخط، ولكن في الاتجاه المعاكس، غالبًا بنفس الحمولة، أو لنَقُلْ مجموع الأجزاء التي تتفاعلُ مع بعضها مكونةً السلوكَ.

وعلى هذا، فاللغةُ ليست استثناءً من جملة الهموم، بل تذهبُ أبعادُها إلي ما وراء ملاحظات المقربين أو الدوائر الآمنة، في الطريقة التي تتحدَّثُ وتروِّحُ بها عن نفسك. في بعض الأحيان، يمكن أن يكون للغة الاكتئاب – تأثيرٌ شرسٌ لدرجةٍ قد تمنعُ الشخصَ المصاب من إدراكها حتى، هناك شيءٌ خطأ وحسب. كما تتأمل أدبيات كل من سيلفيا بلاث وكيرت كوبين قبل أن يضعا حدًا لشبح جرار بعد معاناة طويلة ومستمرة.

ولأهمية العمل في هذا المجال، فقد عانى العلماء طويلًا لتحديد العلاقة الدقيقة بين الاكتئاب واللغة، هل هي أعراض لها دلالةٌ على أي شيءٍ أم عديمةُ الصلةِ ببعضها؟ هذه مُهمَّةُ التكنولوجيا اليومَ في الاقتراب من الصورة الكاملة عمّا يدورُ هناك.

إعلان

يتحدث الكاتب محمد الموساوي في مقاله عن بحثه المنشور بمجلة Clinical Psychological Science الذي يكشف عن فئةٍ من التعبيراتِ التي يمكن أن تساعد بدقة في التنبؤ بما إذا كان شخصٌ ما يعاني من الاكتئاب.

لم تكن اللسانيات الحاسوبية متطورة كما هو متبعٌ اليوم. قبل ذلك كانت الطريقة التقليدية، وتم حساب الكثيرِ في هذا المجال بواسطةِ تراكمِ قراءاتٍ وملاحظاتِ الباحثين. أما في الوقت الحاضر، طوَّر التقنيُّون أساليبَ تسمحُ بسهولةِ فرزِ وتنظيمِ وتحليلِ كمياتٍ كبيرةٍ من النصوص أو غيرها من البيانات في غضونِ دقائقَ. يمكنُ أن يساعدَ هذا في اكتشافِ السماتِ اللغويةِ التي تخدعُ خبراتِ البشرِ أحيانًا في الحصولِ على رؤيةٍ نقديّةٍ، بالإضافة إلى تقديمِ رؤًى حول مجموعةِ البياناتِ النوعيةِ دونَ اقتراحِ التفسيراتِ استنادًا إلى تحليلِ المحتوى؛ لاستخلاصِ نسبةِ الانتشارِ تحديدًا ومعالجتها لتسهيلِ إدارة التفسيرات والنتائج. ببساطة، نحن نتحدث هنا على جميع الأصعدة، المستوى الدلالي بشقيه (النظري والعملي الذي يتضمنُ كلَ المستوياتِ اللغويةِ من (أصواتٍ، وأبنيةٍ صرفيةٍ، وأنساقٍ تركيبيةٍ وما تحمله من دلالاتٍ، والمعاجم بمختلف تقنيات أدائها)، والعديد من المقاييس الأخرى.

حتى الآن، كانت المقالات الشخصية ومذكرات الأشخاص المصابين ذا عونٍ لا تقلُّ فائدةً عن أعمالِ فنانينِ مشهورينِ مثل كوبين وبلاث. كما قدّمت على مستوى الإلقاء قصاصاتٍ طبيعيةٍ لأشخاصٍ في نفس القالب نظرةً ثاقبةً. لتكشفَ هذه النتائجُ في مجموعها عن اختلافاتٍ واضحةٍ ومتَّسقةٍ في اللغة بين أولئك الذين يعانون من أعراض المرض معها، وبدونها.

المحتوى

حسنًا، يمكن تقسيم اللغة إلى عنصرين: المحتوى والأسلوب. يتعلق المحتوى بالموضوع الذي نناقشه -أي معنى أو فحوى أقوالنا-.

أولاً، لن يُفاجَأ أحدٌ إذا علم أن المصابين بأعراض الاكتئاب يميلون إلى استخدامِ طابعٍ سلبيٍّ من الكلمات لنقل المشاعر السلبية، خاصةً الصفات مثل الوحدة، الحزن، البؤس.

الأكثرُ إثارةً للاهتمامِ، كان في استخدام الضمائر المُفرَدة التي تمنح وجه التسلط بأريحيّةٍ في المعاناة، أي تضع الإنسان تحت ضغطِ اختياره بالكاملِ بحيثُ يكونُ الوحيدَ المسؤولَ. وجدَ الفريقُ أن المصابين بالأعراض يستخدمون الاقتصاد في ضمائر تعود على الخواء بشكل كبير -السمات الشاخصة وما إلى ذلك- ومراتٍ أقلَ بكثيرٍ من ضمائرِ الإسنادِ نحن وهم وهي… إلخ. أصبحَ هذا النمطُ شائعَ الاستخدامِ في الحياة العصريّة بنزعتها الفرديّة، هذه السلوكيّات في المُجمَلِ تحدُّ من الدور المجتمعيِّ إن لم تكنْ تقصيه تمامًا، ولأنَّها قيمٌ حديثةٌ في طريقها إلى الاعتداد، ولها من الإحباطات بقدر مزاياها، إلا أنّ هذه الفكرةَ في اتساع مساحة الخيارات المفتوحة على مصراعيها مُدمِّرةٌ. مما دفع الباحثين في الاعتقاد بأنَّ الضمائر هنا، في الواقع أكثر موثوقيّة في تمييز المرض من الانفعالات العادية.

ثانيًا، نحن نعلمُ أن الاجترارَ (المناحة وصعوبة العيش بدونها) والعزلةَ الاجتماعيةَ من السمات الشائعة للاكتئاب. ومع ذلك، عندما تتداخل هذه الأشياء تعطي علامات مضلِّلة لم يُفصلَ فيها بعدُ، نحن لم نتبينَ على وجه الصحة نتائجَ البحث وما إذا كانت تعكسُ الاختلافاتِ في أنماطِ الانتباهِ وأساليبِ التفكير. بمعنى آخر، هل بسبب الاكتئاب يلتف الأشخاص على ذواتهم أم أن ذلك في الأساس يصب في دافعٍ حميميٍّ أو عدوانيٍّ لتجنب سوء الفهم، فهو إذًا من أعراض الاكتئاب؟

الأسلوب

الطريقة التي نتفاعل بها مع العالم ترتبط بنا أكثر من المحتوى نفسه. أجرى مختبرُنا مؤخرًا فحصًا لمزيدٍ من المطابقة في هذا الشأن، على 64 تطبيقًا ومنتدى من برامجِ العلاجِ النفسيِّ المختلفةِ عبر الإنترنت،  إذ تم فحص أكثر من 6400 عضو. وكانت النتيجة أنّ معظمَ المشاركين يبدون وكأنّهم في مؤامرةٍ لإخفاءِ أمرٍ ما، باستخدام كلماتٍ لا تتوقع منها أن ترمي لشئٍ بل تُحيلُ إلى مزيد الاحتمالات، مثل دائمًا، لا شيء أو تمامًا، وكانت البدايةُ لمسكِ علاماتٍ نوعًا ما ثابتةً أفضلَ من الأمزجة الحادة ونقلاتِ اليأسِ المطلقِ.

منذ البداية، توقعنا نظرةً مُعتِمةً -رغم مساحة الإفصاح والحرية- في رؤية العالم، يألفُ بها المصابون، وأن هذا سيظهر في طريقتهم عندما يأتي دورهم في الحديث. مفاضلةٌ بـين 19 من منتديات النقاش المختلفة Mums netو Student Room على سبيل المثال، فإن انتشارَ الكلماتِ المترددةِ يَزيدُ بنسبة 50٪ تقريبًا في تطبيقات القلق والاكتئاب، وحوالي 80٪ تقريبًا لمنتديات التفكير الانتحاري.

أنتجت الضمائرُ نمطاً توزيعيّاً مماثلاً للعمومية عبر المنتديات، لكن بتأثيرٍ أصغرَ. وفى المقابل، كانت الكلماتُ المستخدمة في الأحاسيس السلبية أقلَ انتشارًا في منتديات التفكير الانتحاري مقارنةً بمنتديات القلق والاكتئاب.

شمل بحثُنا أيضًا منتدياتِ الشفاء، وهي تُمكِّنُ الأعضاءَ من التعبير عمّا يجول في نفوسهم وتحفز المشاعر الايجابية لديهم. هنا وجدنا أن الانفعالات السلبية تم وصفها بمستويات متقاربة من جروبات المعاينة، في حين سيطرت أجواءُ الطاقةِ الإيجابيةِ بنسبة 70 ٪ تقريباً. ومع ذلك، فإنّ انتشارَ المطلقِ لا يزالُ أكبرَ بكثيرٍ من الضوابط، ولكن أقلُ قليلاً مما كانت عليه في المنتديات الأخرى.

قطعاً، بالنسبة لهؤلاء الذين مروا بتجاربَ سابقةٍ مع المرض وعانوا منها هم في الحقيقة أكثرُ عرضةً للإصابة بها مرة أخرى. لذا، فإنّ ميلَهم الأكبرَ إلى التفكير المطلق، حتى في حالة عدم وجود أعراض للاكتئاب في الوقت الحالي، يُعدُّ علامةً على أنَّه منحنى خَطرٍ ويلعبُ دورًا مُؤكَّدًا في نوبات الاكتئاب. ولُوحظَ نفسُ التأثير أيضًا عند فئةِ مستخدمي الضمائر.

آثارُ أو نتائجُ عمليةٍ مترتبة

وبالتالي وفقًا لما ذكر، لن يساعدنا سبر لغة الاكتئاب على فهم المزيد بوضوح عن الطريقة التي يفكر بها المرضى وحسب، بل ويحقق آثارًا عمليةً متحركةً ناحيةَ الموضوعيّة والبرهنة. حيث لم يعد يعتمد الباحثون على الآلية في التحليل، وأصبحوا يُجرون العمل على مهاراتٍ تعني لنا الكثيرَ إذا قدرنا على أن يكتسبها الكمبيوتر بالتعلم بواسطة التجريب! ( في هذه النقطة يمكن للذكاء الصناعي أن يتعلم من التجربة دون الحاجة إلى الأكواد) والتي تساعد الباحثين الآخرين على فهم الخطوات التحليلية المختلفة، لتصنيفِ ظروفٍ متنوعةٍ وأكثرَ تعقيدًا وتعدديةً بحيث لا تترك سمتًا مُهمًّا من الحالات الصحية.

بالإضافة إلى ذلك، يَسمحُ برنامجُ تحليلِ البياناتِ المتطورُ باستيراد البيانات الذي تنتمي إليها الظاهرةُ اللغويةُ المرادُ تحليلُها، أيًّا كان الشكلُ الذي تتخذه، ومعالجتها تلقائيًّا في البرنامج كما في المدونات.

هذا التصنيف الذي وضعناه، يتفوق بالفعل عن الذي أدلى به المعالجون. الأهمُ من ذلك، لكي يتحسنَ التصنيفُ الآليُّ، يجب أنْ يتوفرَ في المقابل المزيد من البيانات لشَغْلِ العملِ على خوارزمياتٍ أكثرَ تطورًا. هذا يتجاوزُ النظرَ إلى الأنماطِ الواسعةِ من التصوراتِ الفضاضةِ وإشكاليّةِ الضمائرِ التي نُوقِشت بالفعل. وبدأ العمل فعلًا على الأجهزة لتحديد فرعٍ لا زال أحدَ الفروع المتردِّدة والمتزايدة بشكل كبير داخل الفئة الواحدة – مثل إشكاليّةِ الكمال، ومشاكلَ أخرى حول تقدير الذات والقلق الاجتماعيّ، وما ينجمُ عن كلٍ منهما.

مع ذلك، ينبغي الإحاطة؛ لأنّ الأخطاءَ هنا أكثرُ مرواغةً وتأثيرًا، هناك فرقٌ بين الاكتئاب الطبي وبين التجارب الحياتيّة المتعِبة، فإنَّ الشخص يتغيرُ مزاجُه بسهولةٍ، ليس معناه أن يُرجعَ مجموعةً من الأعراض كسببٍ لمصدرِ الإصابةِ، فهو على الأرجح يمر بمرحلة سيئة من حياته لا أكثر.

في نهاية المطاف، ما تشعرُ به مع مرور الوقت هو الذي يحددُ ما إذا كنت تعاني أم لا. بعيدًا عن سمعة الاكتئاب الطيبة هذه الأيام بالطبع، ولكن كما تشير تقديراتُ منظمةِ الصحةِ العالميّةِ إلى أنَّ أكثرَ من 300 مليون شخص في العالم يعانون الآن من الاكتئاب، هذا العددُ في تزايدٍ مستمرٍ منذُ العامِ 2005 حتى بلغَ أكثرَ من 18٪، ومن المؤكدِ أنَّ وجودَ المزيدِ من الأدوات المتاحة لاكتشاف الحالة أمرٌ مهمٌ للأسباب التي ذكرناها، ولمنعِ تكرار مأساة بلاث وكوبين وغيرهم.

 

فريق الإعداد

إعداد: محمد حلاوة

تدقيق لغوي: أحمد المسيري

تدقيق علمي: عمر العجيمي

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.
مصدر مصدر الترجمة
تعليقات
جاري التحميل...