تأخذك إلى أعماق الفكر

عندما يتوقف الزمن: قصة “الساعات الثلاث عشرة” لكاتبها جيمس ثوربر

في عام 1949 كان جيمس ثوربر قد شارف على العمى بالكامل ومتخلفاً عن جدوله لإنجاز عمله على كتاب ما؛ توجه إلى برمودا على أمل أن تغيير المشهد قد يشجعه على إنجاز بعض العمل. عوضاً عن ذلك -ووفقًا لقصته- وجد نفسه يفكر في دوق شرير وأميرة فاتنة وثلاث عشرة ساعة. ووصف كتابه على أنه “مثال للتهرب من الواقع والانغماس في الملذات”، ونمى هوسه بالكتاب لدرجة أنه أخذ يعدله مرارً وتكراراً حتى أنه قال:

“في النهاية أخذوا الكتاب بعيدًا، عني بحجة أنه كان مكتملاً وأنني كنت أستمتع بالعبث بالساعات وصعود سلالم سرية وهبوطها. وقد أصابوا في ذلك.”

والنتيجة أن قصة “الساعات الثلاث عشرة” ستكون واحدةً من أكثر أعماله إبهارًا؛ وذلك بجكم أنها خليط ما بين حكاية خيالية وحكاية رمزية من جهة، وقصة وقصيدة من جهة أخرى. ولكنها دائمًا وأبدًا ما توصف بأنها سحرية.

كانت عملية كتابة هذا الكتاب بمثابة تحدٍ بالنسبة لثوربر؛ فلأنه كان معتادًا على الكتابة باليد، كان يكتب كلماته بعجلة على الأوراق مستخدماً القلم الرصاص، وينتظر مساعدة فريتزي كوجيلجن لتعيد نسخ كلماته وتتلوها عليه مرة أخرى، وكان يرضى بالتصحيح بعد التصحيح بكل ما يحمله ذلك من ألم. وحسب رواية ثوربر: راجع بمساعدة كوجيلجن النص عشرات المرات، مصححين أثناء ذلك الأخطاء. ويبدو أنه من الممكن أن كوجيلجن قد كانت صاحبة دور مهم في أخذ الكتاب بعيدًا عنه، على الرغم من أنّ هذا ليس مؤكدًا.

اقتراب ثوربر من العمى جعل من المستحيل له أن يصور الكتاب برسومات الكاريكاتير التي اعتاد رسمها لأعمال سابقة ولجريدة نيويورك تايمز. لذلك، تواصل ثوربر مع المصور ورسام الكاريكاتير مارك سيمونت، والذي ربما كان مشهورًا وقتها لسماحه لزميله في الغرفة -روبيرت مكلوسكي- بأن يربي صغار البط في حوض استحمامهم. هذه الطيور الفاتنة -إن لم يكن حوض الاستحمام كذلك- انتهى بها الأمر مُصورةً في كتاب Make Way for Ducklings الذي فاز بوسام كالديكوت عام 1942 لمؤلفه روبيرت مكلوسكي. في غضون الفترة تلك، عمل سيمونت في مجال الإعلانات قبل انضمامه للجيش الأمريكي من عام 1943 حتى عام 1945؛ وعندما عاد بدأ في مسيرته الوظيفية في كتابة الأعمال قصصية. فكان يكتب في الأصل لصالح دار النشر Harper Collins، ولكنه أحيانًا ما كان يكتب لصالح ناشرين آخرين – كما كان الحال عند نشره لكتاب “الساعات الثلاث عشرة” الذي نشر لصالح شركة سايمون وشوستر.

بحلول عام 1949، كان تحت يد سيمونت العديد من المشاريع؛ من ضمنهم كتاب The Happy Day -اليوم السعيد – للكاتبة روث كراوس؛ والذي سيكون السبب لينال سيمونت أول وسام كالديكوت له. لكنه ورغم انشغاله وافق بسرور على العمل مع ثوربر، تحديدًا أن يبتكر القبعة صعبة الوصف والتي ارتدتها شخصية جولكس (Golux) . وتدعي الأقاويل أنّ ثوربر كان راضيًا حينما عجز سيمونت أن يصف له الرسم الذي ابتكره (إنها إلى حدٍ ما وليس بالضبط تشبه ثعبانًا سمينًا مبرومًا لونه وردي، أو زينة حلوى صُنعت بشكل سيء للغاية، رغم ذلك لا يعتبر هذا أدق وصف للرسم).

إعلان

ما هي الحكاية التي استحوذت على ثوربر للغاية؟

في الواقع، تتحدث الحكاية جزئيًا عن دوق شرير وابنة أخيه الجميلة الأميرة ساراليندا (معلومة سوف تحرق عليك أحداث القصة: الأميرة ليست فعليًا ابنة أخيه) وثلاث عشرة ساعة في قلعتهم تشير جميعها إلى الساعة الخامسة إلا عشر دقائق تحديدًا. وكان هذا من دواعي سرور الدوق بارد المشاعر والخائف من الحاضر بدفئه وإلحاحه. وتتحدث القصة كذلك عن منشد يسمى زنجو ” Xingu” والذي تفاجأت لمعرفة أن اسمه يعتبر نقطة محورية لحبكة القصة توضح اهتمام ثوربر الشديد بهذا الكتاب وأنه اسم لأمير في رحلة بحث عن أميرة. كما وتتحدث القصة عن هاجا (Hagga) الذي بكى مرة من عيونه جواهر ولم يعد يبكي بعدها إطلاقًا. (وتشير ملاحظة جانبية في هذا الجزء من القصة أن ثوربر قد قرأ القصة الخيالية Diamonds and Toads. وأكدت هذه الملاحظة على شكوكي القوية عن التأثير الاقتصادي للقصة). وعلاوة على ذلك، تتحدث القصة عن جولكس (Golux) الذي يرتدي قبعة غير ممكنة الوصف، والذي عادةً ما ينسى الأشياء، ولا يُمكن الاعتماد على السحر الذي يمارسه.
من الصعب عدم اعتبار الدوق -الذي أصاب عينه أثناء طفولته- كانعكاس لجيمس ثوربر الذي أصاب عينه أثناء طفولته هو الآخر. وكما كان من المفترض أن يكون ثوربر يكتب كتابه لكنه لم يكن، كان الدوق محاصرًا في حالة من الركود؛ فشخصيات القصة تتحرك من حوله، لكنه لا يتحرك.

والمفترض أنه على عكس ثوربر-لكنه على الأغلب ليس كذلك- يتمسك الدوق بهذا الركود، فيضع شروطًا تجعل من الصعب والمستحيل على أي شيء في القلعة أن يتغير دون لمسة من السحر. وبالتالي، ساعد هذا الانعزالُ الدوقَ على شحذ قسوته.
لا أرغب في أن اقترح أنّ ثوربر-كما هو حال الدوق- حاول بشدة أن يقتل أو يدمر أي شيء من الممكن أن يغير هذه العزلة. ولكن عندما أفكر بالموضوع، أرى أنّ التركيز على هذا الكتاب أدى إلى توقف العمل على الكتاب الآخر الذي كان ثوربر يعمل عليه قبل توجهه لبرمودا؛ لذا ربما يعتبر اقتراحي صحيحًا إلى حد ما. لكن قصة “الساعات الثلاث عشرة” تتمحور بالأحرى حول ما يمكن أن يحدث للناس المرعوبين من التغيير، وإلى أي مدى يمكن أن يتمادى هؤلاء من أجل منع هذا التغيير.

إذا أمكن، أنا أرشح إما محاولة قراءة الكتاب بصوتٍ عالٍ، أو الاستماع لأحد تسجيلات الكتاب. ومن ضمن نسخ الإنترنت، واحدًا للورين باكال والذي لم أتمكن من تعقبه. ولأن ثوربر أراد أن تُقرأ القصة بصوتٍ عالٍ؛ كانت -على الأقل ظاهريًا -قصة أطفال. ورغم ذلك قد أجادل أنها كُتبت للبالغين كذلك، وغالبًا قراءة الأعمال بصوتٍ عالٍ، أو سماعها، يخدم كعدا د دقيق تتألق الأعمال من خلاله. وهذا العمل أيضًا قصيدة نثرية، إذا كان عمل بحوار وفقرات، ولحظات قافية، كهذه:

“وهنالك شيءٌ يجب أن تعلموه بخصوص جواهر الضحك. دائمًا ما تعاود التحول مرة أخرى إلى دموع بعد خمس عشرة يومًا.”
حتى إذا كنتم لا تستطيعون قراءته أو سماعه بصوتٍ عالٍ، تظل الساعات الثلاث عشرة عمل يستحق القراءة القصيرة، خصوصًا إذا كنت في حاجة للمسة سحر في حياتك.

مصدر الترجمة

إعلان

فريق الإعداد

ترجمة: شروق تركي

تدقيق لغوي: راما ياسين المقوسي

تدقيق علمي: راما ياسين المقوسي

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.