تأخذك إلى أعماق الفكر

المنهج الهيغليّ وعلاج الأفكار: كيف يعلّمنا هيغل معالجةَ الأفكار؟

كلّ فكرة هي وليدة وسجينة عصرِها.

مقولةٌ لعلّ من شأنها أن تلخّص ما أتى به الفيلسوف الألماني المثالي “فريديرتش هيغل” من طرح فكريّ وفلسفيّ كان ثورةً في المسار التاريخيّ للفلسفة جاعلة منه أهمّ مفكري عصره وأكثرهم شهرةً في أوروبا والعالم.
رغم ما تحمله فلسفة هيغل من تعقيد وضبابيّة في بعض المفاهيم الفلسفيّة حسب العديد من الدّارسين له، إلّا أنّ هذا لا ينفي التّأثير العميق الذي خلّفه هيغل في فهم حركة التّاريخ ولنا من المفاهيم التي بمجرّد ذكرها نستحضر فلسفة هيغل، مثل مفاهيم: “الديالكتيك” و”الرّوح المطلق“…
تنطلق فلسفة هيغل من مفهوم أساسيّ وأوّل هو “الديالكتيك” أو الجدليّة، ويعتبر هذا الفيلسوف أنّ حركة التّاريخ تقوم على هذا المفهوم وتحديدًا جدليّة الأفكار.

فماذا يعني هيغل بجدليّة الأفكار؟

باعتبارِه فيلسوفًا مثاليًّا، يرى هيغل أن دراسة حركة التّاريخ الإنسانيّ ستفيض بنا إلى استنتاج أنّ التاريخ كان ومازال يقوم على جدليّة وصراع الأفكار، يتعمّق هيغل أكثر فأكثر داخل هذا الطرح ليشرح أن هذا الديالكتيك يقوم عندما تظهر فكرةٌ أولى يسمّيها “الأطروحة“، ومن ثم يقابلها ظهور فكرة أخرى مناقضةٍ للأخرى يسميها “نقيض الأطروحة“، وحينها تحصل عملية الجدل والصّراع بين الفكرتين إذ أن كلّ منهما في علاقة تأثّر وتأثير بالأخرى، إذا نحن أمام ديالكتيك.

وهذا الجدل بجوهره سيفرز فكرةً جديدة تجمع بين الأطروحة والنّقيضة يسميها هيغل ” الجميعة” وتستمرّ الجدليّة لتكوّن هذه الفكرة الجديدة في حدّ ذاتِها ستظهر أمامها فكرةً مناقضة لها، ويحصل الجدل مرّةً أخرى إلى حين ظهور “جميعة” جديدة، وهكذا دواليك…
وهذا بالنسبة لفلسفة هيغل في الديالكتيك، إذ أنّه ينطلق من الأفكار والمثل والوعي والرّوح وكلّ المفاهيم المجرّدة الفوقيّة نحو الأسفل ونحو الواقع ونحو المادّة، إنّه ينطلق من السّماء نحو الأرضِ، وهذه الأفكار هي من ستحدّد وعي الإنسان وطبيعة المادّة.

لكن كيف يعلّمنا هيغل التّعامل مع الأفكار ومعالجتها ونقدها؟

ينطلق هيغل من مبدأ أنّ “كلّ فكرة هي وليدة عصرِها“، حيث أن كلّ فكرة ظهرت منذ تاريخ البشرية هي مرتبطة أشدّ الارتباطِ بعصرها وزمن ظهورها و ظروف نشأتِها(سواء كانت سياسيّة، اجتماعيّة، اقتصاديّة، ثقافيّة…) وبما أنّ حركة التّاريخ في سيرورة لا يمكن تجريد وفصل كلّ فكرة عن زمن ظهورها ونقدها، وتبعًا لذلك يحثّنا هيغل على وضع كلّ فكرة في زمن ظهورها ونقدها وفق معايير ذلك العصر، إذ بالنسبةِ له نحن نعتبر العبوديّة جريمة وفق مفاهيمنا عن الأخلاقِ والقيم في عصرنا الحالي، ولكن في السّابق -العصر الذي ساد به مفهوم العبوديّة- لم يُنظر للعبودية على أنّها جريمة من قبل النّاس رغم وجود بعض الحركات المناهِضة لها، وكذلك الأمر بالنسبة لمفهومِ الحرب حيث كانت الحروب في السابق عاملًا من عوامل بناء الدولة وكانت وسيلة الدّول للسيطرة والتوسُّع غير أنّ نظرتنا اليوم للحروبِ مختلفة بفضلِ ظهور قواعد القانون الدَّولي وتنظيم الحرب ووسائل الحرب.

ولهذا نسبةً لهيغل لا يمكن نقد ومعالجة فكرة معيّنة بتجريدِها من سياقها التّاريخيّ ووضعِها أمام محكمة العقلِ الّتي تعتمد مفاهيمًا ومعاييرًا مغايرةً تمامًا لما كان موجودًا زمن ظهور تلك الفكرة المعنيّة، وبهذا يؤطّر هيغل عملية نقدِ الأفكار ويؤكّد عليها، حيث أنّ الجدل هو وسيلة الإنسان للتّطور داخل حركة التّاريخ، وبهذا المنطق لم يكن هيغل يعتبر الحرب شيئًا سيّئًا بل مساهمةً في تطوّر الوعي والفكر الإنسانيّ باعتبارِها مندمجة في حركةِ التّاريخ ووجودها ساهمَ في ظهورِ أفكار أخرى مناقضة لها واستمرار تطور الفكر الإنساني وفق ما يقتضيه الجدلُ الهيغليّ.

إعلان

ختام

قد يتحاملُ البعض على هيغل، ويعتبره من دُعاةِ الحروب والتّنظير لديكتاتوريّة الدّولة دونَ وضع أفكارِه في إطارِها المُناسبِ لفهمٍ سليم لها، والعجيب أنّ هذا ما كان يعلّمنا إياه هيغل صاحب فلسفة الديالكتيك، هذا الفيلسوف الذي اندمجَ أيضًا في حركة التّاريخ، وظهرت أفكار أخرى مناقضة لفلسفته لعلّ أبرزها وأهمها وأشهرها هي الماركسيّة مع الفيلسوف الألماني كارل ماركس

نرشح لك فهم العالم: الماركسية والحرية، لماذا لا يزال يتردد صداه

إعلان

فريق الإعداد

إعداد: أحمد الكنزاري

تحرير/تنسيق: نهال أسامة

تدقيق لغوي: أمل مصري

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.