تأخذك إلى أعماق الفكر

فلسطين كاستعارة في شعر وحياة محمود درويش

في المخيلة العربية فلسطين ليست مجرد قطعة أرض، أكثر بكثير من اعتبار “إسرائيل” مجرد قطعة أرض في المخيلة اليهودية، وكما لاحظ الشاعر الفلسطيني محمود درويش فإن فلسطين هي أيضًا استعارة أدبية، يكنّى بها فقدان عدن ونكبة أحزان الاحتلال والشتات وتراجع قوة العالم العربي مقابل الغرب.

لقد طور درويش، 59 عامًا، والذي يعتبر على نطاق واسع الشاعر الوطني الفلسطيني، هذه الاستعارة لإحداث تأثير ضمني غني. ولد درويش في قرية دمرها جنود إسرائيليون محتلين في الحرب العربية الإسرائيلية -النكبة- عام 1948 في عكّا، وسطّر ضياع وطنه في أكثر من عشرين كتابًا من الشعر والنثر، بيعت منها ملايين النسخ وجعلته أشهر كاتب شعر في العالم العربي.

قال الناقد الشعري السوري صبحي حديدي: “يشعر الكثير من الناس في العالم العربي أن لغتهم في أزمة، وليس من قبيل المبالغة القول إن محمود يعتبر منقذًا للغة العربية”.

تجذب شخصية محمود درويش في القاهرة أو دمشق آلاف الأشخاص، من أساتذة الجامعات إلى سائقي سيارات الأجرة، وعلى الرغم من انتقاداته اللاذعة للحكومات العربية -“زنازين السجون” على حد وصفه- فقد التقى على انفراد بكل زعيم تقريبًا في العالم العربي، لكنه كان لا يستطيع الذهاب إلى مقهى في مدينة عربية دون أن يلاحظه أحد، ولهذا يتجنب الجلوس في الأماكن العامة.

قال السيد درويش مؤخرًا أثناء جلوسه في بهو فندق ماديسون في قلب الحي اللاتيني الأمريكي هنا: “أحب أن أكون في الظل، لا في الضوء”.

إعلان

في باريس بدا محمود درويش سعيدًا لوجوده في المكان الذي عاش فيه لعدة سنوات في الثمانينيات، بالعودة إلى الوطن المتحلة، تحديدًا رام الله حيث تبلورت عملية السلام، يقول إنه يجد صعوبة في الكتابة، قائلًا: “الشعر يحتاج إلى هامش، قيلولة”، وأضاف “الوضع في رام الله لا يمنحني هذه الرفاهية، أن تكون تحت الاحتلال، أن تكون تحت الحصار، ليس مصدر إلهام جيد للشعر، ومع ذلك لا يمكنني اختيار واقعي، وهذه هي مشكلة الأدب الفلسطيني برمتها: لا يمكننا تحرير أنفسنا من اللحظة التاريخية”.

لقد كان درويش، الذي يرتدي سترة زرقاء وبنطلونًا رماديًا ونظارة محدبة العدسات بكل أناقة، دبلوماسيًا وذو لغة منغمّة ومحسوبة بروعة، وبعد أن أضعفته حالة قلبية خطيرة قال إنه كان يفكر في أمر مخيف أكثر من المنفى: الخلود.

كان محمود درويش غير معروف فعليًا في الولايات المتحدة، حيث لم يُترجم سوى عدد قليل من كتبه، لكن صورته الأمريكية بدأت تتصدر قليلًا، في نوفمبر فاز بجائزة مؤسسة لانان للحرية الثقافية، والتي تبلغ قيمتها 350 ألف دولار، قالت جانيت فورهيس المديرة التنفيذية للبرامج في المؤسسة: “قصائد درويش قاسية ومتقنة وجميلة، لقد كان صوتًا لمن لا صوت لهم”، تقوم المؤسسة، ومقرها سانتا في نيو مكسيكو، بتمويل ترجمة رئيسية لأعمال درويش والتي ستنشرها مطبعة جامعة كاليفورنيا في الخريف.

قال درويش: “إن الجائزة ذات قيمة خاصة، كونها تأتي من الولايات المتحدة”، “كما أنني قرأت عن مكانة الجائزة على المستوى السياسي، ربما تمثل فهمًا أفضل للدور الذي لعبته في وطني”.

عاش محمود درويش زخم السياسة الفلسطينية منذ السبعينيات، عندما كان يدير مركز أبحاث في بيروت-لبنان تابعٍ لمنظمة التحرير الفلسطينية، لقد كتب درويش خطاب الجزائر لعام 1988 الذي أعلنت فيه منظمة التحرير الفلسطينية دعمها لحل الدولتين، في المجلة الأدبية التي كان يحررها -الكرمل- عرّف درويش القرّاء العرب على ما يدور في خلد الكتاب الإسرائيليين، وهي لفتة نادرة في العالم العربي.

اشتهر السيد درويش بآرائه المستقلة والتي غالبًا ما تكون حادة، وقد اصطدم في مناسبات عديدة مع القيادة الفلسطينية، كان من أشد المنتقدين لتورّط منظمة التحرير الفلسطينية في الحرب الأهلية اللبنانية، عندما اشتكى الزعيم الفلسطيني ياسر عرفات من أن الفلسطينيين “شعب ناكر للجميل” رد السيد درويش بالقول: “اعثر لنفسك إذن شعبًا آخر”.

في عام 1993 استقال السيد درويش من اللجنة التنفيذية في منظمة التحرير الفلسطينية رافضًا اتفاقية أوسلو، ليس رفضًا للسلام مع “إسرائيل” ولكن لأنه قال: “لم يكن هناك ارتباط واضح بين الفترة الانتقالية والوضع النهائي، ولا التزام واضح بالانسحاب من الأراضي المحتلة، شعرتُ أن أوسلو ستمهد الطريق للأسوء، وكنت آمل أن أكون مخطئًا، لكني حزين جدًا لأنني كنت على حق”.

عاش درويش حياته متنقلًا مع ذلك بين الاتحاد السوفيتي والقاهرة وبيروت وتونس وباريس، حتى استقر في الضفة الغربية من فلسطين المحتلة عام 1996، بعد 25 عامًا في المنفى، وجاء شعره ليعكس رحلته الخاصة، مشبهًا تجربة الشتات الفلسطينية برحلة ملحمية يعيشها الملعونين، ومعبرًا عن مطالب شعبه ورغباته الأساسية، قائلًا أنه يكتب “بعينٍ تقدّر الجمال”، وبنفس القدر من الجمال يود لو تُقرأ أشعاره وإسهاماته الأدبية.

وأضاف درويش “في بعض الأحيان أشعر وكأن شعري يُقرأ قبل أن يُكتب، عندما أكتب قصيدة عن والدتي يعتقد الفلسطينيون أن والدتي رمز لفلسطين، إنني شاعر وأمي هي أمي، إنها ليست رمزًا”.

هذا لا يعني أنه لم يكتب القصائد الوطنية، بعضها لم يمر مرور الكرام، لقد أثارت قصيدته “أيها المارون بين الكلمات العابرة” عام 1988 والتي نُشرت في الأيام الأولى من الانتفاضة الأولى غضبًا بين الإسرائيليين، بما في ذلك بعض أصدقاء الشاعر اليساريين، خصوصًا حول قوله:

“آن أن تنصرفوا، وتقيموا أينما شئتم ولكن لا تقيموا بيننا
آن أن تنصرفوا، ولتموتوا أينما شئتم ولكن لا تموتوا بيننا
فلنا في أرضنا ما نعمل، ولنا الماضي هنا
ولنا صوت الحياة الأول
ولنا الحاضر، والحاضر، والمستقبل”

وعلّق درويش: “لقد قلت ما سيقوله كل إنسان يعيش تحت الاحتلال: آن أن تنصرفوا، لكني أدبيًا لا أعتبرها قصيدة جيدة، ولم أقم بإدراجها في أي من مختاراتي”.

في آذار (مارس) 2000 اقترح يوسي ساريد الذي كان آنذاك وزيرًا للتعليم في إسرائيل إدراج بعض قصائد درويش في مناهج المدرسة الثانوية الإسرائيلية، بعد أن هدد أعضاء الجناح اليميني في الحكومة الائتلافية للرئيس إيهود باراك بالتصويت بحجب الثقة، أعلن السيد باراك أن “إسرائيل” ليست مستعدة بعد لهضم أعمال درويش.

قال درويش “لا يريد الإسرائيليون تعليم الطلاب أن هناك علاقة تربط بين شاعر عربي وهذه الأرض، لكني أتمنى لو يقرأوا شعري يومًا، لا باعتباري عدوًا بل ليستمتعوا به”.

لجأ درويش وهو ابن فلاح من الطبقة الوسطى مع عائلته إلى لبنان خلال الحرب العربية الإسرائيلية عام 1948، بحلول الوقت الذي تمكنت فيه الأسرة من رؤية البلاد بعد عام كانت قريتهم قد دُمرت، قال: “تم تعريفنا ومحاربتنا كلاجئين، ما أصابني هذا بمرارة شديدة، لكني في قريتي تحررت من ذلك”.

كمواطن فلسطيني في الأراضي المحتلة مُنع من السفر من قريته دون إذن عسكري، كان عضوًا في الحزب الشيوعي من سن 19 عامًا، وسُجن مرارًا وتكرارًا ووُضع تحت الإقامة الجبرية من عام 1968 إلى عام 1971، استفاد درويش من تلك التجارب في شعره المقاوم للشباب، في الثانية والعشرين من عمره أشعل العالم العربي بـ “بطاقة هوية/ سجل أنا عربي”، وهي قصيدة جريئة تستند إلى لقاء مع ضابط شرطة إسرائيلي أوقفه بسبب أوراقه.

كان يمكن لدرويش أن يصنع لنفسه بسهولة مهنةً من خلال كتابة قصائد احتجاجية، لكنه اختار عدم القيام بذلك، كان يتحدث العبرية بطلاقة وامتلك نوافذ عدة على عوالم الكتاب المقدس والشعر العالمي، كما قال: كان سجاني في أرضي يهوديًا، لكن كذلك كان العديد من أقرب أصدقائه، قائلًا “لدي صور متعددة للآخر الإسرائيلي”، ومضمنًا الفرق بين الدين والأيديولجيا.

تُقدم بعض قصائد محمود درويش التي لا تُنسى صورًا دقيقة لـ “الآخر الإسرائيلي” في “جندي يحلم بالزنابق البيضاء” التي كُتبت بعد حرب 1967 مباشرةً، وتتحدث عن إسرائيلي قرر مغادرة البلاد بعد عودته من الجبهة.

“أريد قلبًا طيبًا، لا حشو بندقية
أريد يومًا مشمسًا، لا لحظة انتصار
مجنونةً فاشيّة
أُريد طفلًا باسمًا يضحك للنهار
لا قطعةً في الآلة الحربيهْ
جئت لأحيا مطلع الشموس
لا مغربها”.

أثارت القصيدة ردود فعل شديدة من الطرفين، قال الأمين العام للحزب الشيوعي الإسرائيلي: كيف يكتب درويش مثل هذه القصيدة؟ هل يطلب منا مغادرة البلاد لنصبح عشاق السلام؟ وقال العرب: كيف يجرؤ على أنسنة الجندي الإسرائيلي؟

في السنوات الأخيرة أصبح شعر درويش حالمًا ورمزيًا أكثر، مستعيرًا بإسهاب من الأساطير اليونانية والفارسية والرومانية والإنجيلية، وقال: “أهمية الشعر لا تُقاس أخيرًا بما يقوله الشاعر، بل بكيفية قوله، أعتقد أن الشاعر اليوم يجب أن يكتب الغيب”.

“عندما أقترب أكثر من الشعر المباشر يخبرني الفلسطينيون بالعودة إلى ما كنت عليه، لكنني تعلمت من التجربة أنه يمكنني اصطحاب القارئ معي إذا وثق بي، ويمكنني أن أصنع حداثتي، ويمكنني أن أصنع أحاجيي طالما كنتُ مخلصًا”.

على الرغم من أنه كان يعيش في ظل السلطة الفلسطينية إلا أن درويش قال إنه لا يزال يعتبر نفسه منفيًا، قال: “لم أزر الضفة الغربية من قبل، هذا ليس وطني الخاص، بدون ذكريات ليس لديك علاقة حقيقية بمكانٍ ما”، لكن بعد ذلك قال “لقد بنيتُ وطني، حتى أنني أسست دولتي، بلغتي”.

قال إنه زار الأراضي الفلسطينية المحتلة مرة واحدة فقط منذ عام 1971، قبل خمس سنوات حصل الكاتب الفلسطيني إميل حبيبي على تصريح له لزيارة منزله الذي هُجّر منه في حيفا، وخطط طاقم إعلامي لتصوير محادثة بين الرجلين، الشخص الذي نُفي والآخر الذي بقي، لكن في الليلة التي سبقت وصول درويش توفي إميل حبيبي.

قال درويش في تأبين الراحل حبيبي “لقد غادر إميل المسرح مطلقًا نكاته الأخيرة، ربما لا يوجد مكان لكلينا هنا، لكن غيابه منحني إمكانية التواجد، لكن من الغائب حقًا الآن، أنا أم هو؟”.

على مر السنين قال درويش إنه كان ينظر إلى المنفى من منظور فلسفي، قال: “المنفى أكثر من مجرد مفهوم جغرافي”، يمكنك أن تكون منفيًا في وطنك في منزلك في غرفتك، “هل يمكنني القول إنني مدمن على المنفى؟ يمكن”.

لقد وصف محمود درويش المنفى بأنه قاسيًا ولطيفًا، فقد حرمه وطنه لكنه غذّى فنّه، مضيفًا: “أليس المنفى من مصادر الإبداع الأدبي عبر التاريخ؟ الرجل الذي ينغمس في مجتمعه وثقافته ومع نفسه لا يمكن أن يكون خلاقًا”، مضيفًا: “هذه هي الحقيقة، حتى لو كانت بلادنا عدن الأسطورية نفسها”.

مصدر الترجمة

إعلان

فريق الإعداد

ترجمة: افنان ابو يحيى

تدقيق لغوي: سلمى الحبشي

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.