تأخذك إلى أعماق الفكر

“عزيزي ثيو” رسائل فنسنت فان جوخ لأخيه ثيو

فنسنت فان جوغ (Vincent Van Gogh) إنه الرسام الهولندي الشهير الغني عن التعريف فان جوخ! و لكن ماذا تعرفون عن أخيه ثيودر فان جوغ (Theodore Van Gogh) ؟ البطل المجهول الذي ساعد في تغيير وجه الفن للأبد.

فنسنت فان جوخ (Vincent Van Gogh)، الرَّسام الهولندي الشّهير الغنيّ عن التعريف؛إنّه فان جوخ! ولكن، ماذا تعرفون عن أخيه ثيودور فان جوغ (Theodore Van Gogh)؟

البطل المجهول، الفرد الآخر من عائلة فنسنت، إنه أخو فنسنت الصّغير ثيودر فان جوغ ويصغره بـ4 سنوات. كان فنسنت فنانًا ذو موهبةٍ رائعةٍ بالرسم، بينما أخوه الصغير “ثيو” كان تاجرًا للّوحات ومنظمًا للمعارض الفنية؛ وبسبب ذلك استطاع ثيو امتلاكَ ثروةٍ كبيرة.

فنسنت فان جوخ

 فنسنت فان جوغ في عمر الـ19 سنة

 

 ثيودر فان جوغ في عمر الـ21 سنة

وكان بين الأخوين علاقة حبٍ واحترامٍ رائعةٍ لم يُرى لها مثيل؛ فقد كان “ثيو” الأخُ الأصغر الداعم الأول لأخيه فان جوخ في مسيرته الفنية، فهو أوّل من قام بتشجيعه على الرَّسم والتقدّم فيه ودخولِ كليّة الفنون، كما أنّه كان يدعمه ماديًّا و معنويًّا باستمرار؛ فقد كان يشتري له كلّ معدات الرّسم اللّازمة.

إعلان

ولكنَّ الجزءَ الأجمل في هذا كُلّه هي الرّسائل العديدة التي كانت تتناقل بينهما، فلقد عاشت أكثر من 700 رسالة تمَّ تناقُلها بينهما، وفحوى هذه الرسائل تشعُّ حبًّا والتحامًا بين الأخوين معنويًّا وماديًا

فنسنت لأخيه ثيو : (أنا حقًّا لا أمتلك أيّ أصدقاء سواك، وعندما أمرض أنت دائمًا في أفكاري).

سأعْرض بعضَ هذه الرسائل بالتسلسل مع أحداثها. فبعد وفاتهما قامت زوجة ثيو  يوهانا (Johanna Van Gogh) بجمع هذه الرسائل ووضعها في كتابٍ واحدٍ اسمه (عزيزي ثيو)-(Dear Theo).

*ملاحظة: إن الرّسائل المذكورة في المقال نُقِلَتْ من الكتاب المذكور أعلاه، وتَرْجمتُ بعضها للعربيّة، وأحببت إرفاق نسخةٍ أصليّةٍ من الرسائل.

فنسنت فان جوخ

غلاف كتاب “عزيزي ثيو”، صورة من إحدى الرسائل بينهما

 

تفاصيلٌ من حياتهما معاً:

بدأ كلاهما العمل في مؤسسة جوبل وساي للفن (International art firm Goupil & Cie)، بدأ فان جوخ العمل فيها بمدينة لاهاي في هولندا عام 1869، بينما بدأ ثيو العمل فيها  بمدينة بروكسل في بلجيكا عام 1873، وبدأت الرّسائل تتناقل بينهما منذُ ذلك الحين.

أرسل فان جوخ رسالةً لأخيه يخبره فيها: (أنا سعيدٌ أنَّ كلينا يعمل لنفس الشركة الآن، يجب عليك الذهاب للمتحف باستمرار للإلمام بالفنّ القديم واللّوحات القديمة أيضًا، وإذا أتتك فرصةٌ لدراسة الفن والقراءة عنه أكثر وقراءة مجلّاتِ الفنّ سيكونُ هذا أفضل).

وبينما كان ثيو الدّاعم المادي والمعنويّ لأخيه الكبير فنسنت، كان أيضًا فنسنت الحكيم والنّاصحُ الأوّل لأخيه الصغير ثيو.

كان العمل يسير مع ثيو بسلاسة، ويحقق نجاحاتٍ كبيرةً، وثروةً جيّدة في مجال عمله كتاجرٍ ومنظمٍ للمعارض الفنية، بينما لم يحالف الحظ فنسنت في هذا المجال وفشل فيه وترك العمل هناك عام 1876، ومن ثم بدأ بالعمل في عِدّة مجالاتٍ أخرى؛ معلمُ لغاتٍ للأطفال أولاً،  ثم عمل في الحقل ثم في شركاتِ التعدين وعمل بائعًا للكتب حتى تركها كلها وبدأ في تركيز حياته على الرّسم والفنّ.

وفي عام 1877، أرسل فنسنت رسالةً من هولندا لأخيه يقول له فيها: (لنستمرّ بدعم بعضنا البعض ونحافظ على الحبِّ الأخويّ بيننا).

 

وأخبره عامَ 1878: (لقد وصلتُ لنتيجةٍ مفادها أنَّ هدفنا في الحياة يجبُ أن يكون في إيجاد مجالِ عملٍ نستطيعُ بذلَ كل حياتنا في سبيله).

وكانت هذه اللّحظة التي قرَّر فيها فنسنت تركَ أيّ عمل آخرَ في حياته، والتركيز على الفن والرّسم مع دعم أخيه ثيو.

وفي عام 1880، بدأت مسيرة فنسنت الفنيّة الحقيقيّة حينما بدأ بالتركيزِ كليًّا على الرَّسم.

بعثَ لأخيه رسالةً من بلجيكا يطلب منه نصيحةً: (أشعر أنني بحاجةٍ لتعلُّم الرّسم التشكيليّ للشخصيات _ Figure Drawing_ ما رأيك أنْ أبدأ في الرّسم الأوليّ-Croquis؟ هل هذه فكرة جيّدة؟).

فنسنت فان جوخ

 

من فنسنت فان جوخ لأخيه ثيو عام 1881: (سمعتُ من Pa (والدنا) أنّك كنتَ تُرسل لي المال من دون علمي، وهذا ساعدني كثيرًا في المُضِيّ قُدُمًا، أرجوك اقبل خالص امتناني وشكري).

في عام 1886 طلب ثيو من أخيه فنسنت أنْ يأتيه إلى باريس ليبدأ بالرسم هناك ويتعرّف على اللّوحات الفرنسيّة المعاصرة، وأراد استئجار شقةٍ كبيرةٍ وواسعة يتخلَّلُها الضوء وتوفيرُ كل معدات الرسم اللازمة له، لكنه لم ينتظر وأتى سريعًا قبل توفير هذه الشقة.

 فبعث فنسنت رسالةً لثيو يخبره فيها: (عزيزي ثيو، لا تغضب مني لأنني جئتُ بشكل مفاجئٍ وسريع، فكرت بذلك كثيرًا ولكن بهذه الطريقة سنوفّر الكثير من الوقت، سأكون في متحفِ اللّوفر وقت الظهيرة أو قبلها بقليل، وأرجو أن تُعلمني متى بإمكانك المجيء لصالة كاري _Salle Carree_).

ولكن اتضح لثيو أنّ العيش مع أخيه لم يكن سهلًا البتة، فكان في فنسنت شخصين؛ شخصٌ لطيفٌ وموهوبٌ وحكيم، وآخرٌ أنانيٌّ ولا يراعي الآخرين. مع ذلك وتجاوبًا مع بعضهما البعض وتعايشًا مع الواقع كان فنسنت يرى في ثيو تاجرًا للّوحات، موهوبٌ وذكيّ. وكان ثيو يرى في فنسنت فنانًا صاعدًا يتطوّر باستمرار.

لوحةٌ رسمها فنسنت تمثّل الإطلالة من شقة ثيو (الشقة التي كان يعيشُفيها فنسنت في باريس)

وفي عام 1888 غادرَ فنسنت باريس نحو جنوب فرنسا، وأرسل لثيو رسالةً يقول له فيها: (فكّرت بك خلال الرّحلة بقدر المُدُنِ العديدة التي مررتُ بها). فنسنت فان جوخ

 

 وأرسل ثيو رسالةً لأخته “ويليميان” عام 1888، يقول لها فيها: (عندما وصل فنسنت قبل سنتين، لم أعتقد أبدًا أننا سنصبحُ مقرَّبين من بعضنا هكذا؛ لأنني أشعر بفراغٍ كبيرٍ من حولي. والآن أنا أعيش مجددًا وحدي في شقتي).

بعيدًا عن ثيو:

 وصل فنسنت إلى جنوب فرنسا ليبدأ العيشَ في مسكنِ الفنانين الذي أسّسه في آرل (Arles) بدعمٍ من أخيه ثيو وقد سمَّاه البيت الأصفر (Yellow house)، فانضم إليه فنانٌ اسمه (Paul Gauguin)، وكان الوحيد الذي انضم.

فأرسل ثيو رسالةً لأخيه يقول: (لقد أتى جوجين إلى مسكنك، هذا سيُشكّل تغييرًا كبيرًا في حياتك، أتمنى أنْ تنجح جهودك في تحويل مسكنك إلى مسكنٍ للفنانين يعيشون ويرسمون معًا كأنّهم في منازلهم).

فنسنت فان جوخ

لوحةٌ رسمها فنسنت للبيت الأصفر الذي أسسه في آرل

 

فنسنت فان جوخ

لوحةٌ رسمها فنسنت لزميله جوجين في البيت الأصفر

وفي نفس السنة أرسل فنسنت رسالةً لأخيه ثيو يخبره فيها: (أشعر أنني محطّمٌ نفسيًّا وعقليًّا وأننَّي أخسر صحّتي الجسديّة، أحتاج لأنْ أُنتج الآن، أنا أؤمنُ أيضًا أن اليوم الذي سأبيع فيه لوحاتي سيأتي، ولكنني متأخّر جدًا عنك أخي، حيث أنني أُنفق المال باستمرار ولكن لا أنتجُ شيئًا بالمقابل، و هذا يشعرني بالحزن).

في عام 1888، أصيب فنسنت بنوبةِ صرعٍ أدّت إلى قطع جزءٍ من أذنه اليُسرى أثناء الحلاقة عندما انزلقت الشفرة من يده، فبدأ العِلاج في مستشفًى للأمراض العقليّة في سانت ريمي لمدة سنتين (Saint-Remy).

وفي عام 1889، أرسل ثيو رسالة لأخيه يقول: (يؤلمني أنْ أعلم أنك ما تزال في صحّةٍ غير جيّدة، على الرغم أن لا شيء في رسالتك ينمُّ عن ضعفٍ في العقل، ولكن حقيقةُ أنك قضيت بضرورةِ الدخول للمستشفى هو أمرٌ مهم وجديٌّ بحدِ ذاته).

 

فنسنت فان جوخ

لوحةٌ رسمها فنسنت لنفسه بعد نوبة الصرع التي أدت لقطع جزء من أذنه اليسرى

 

لوحةٌ رسمها فنسنت  لفناء مستشفى الأمراض العقلية التي كان يتعالج فيها

 

في عام 1890، أقيم معرضٌ فنيٌّ في باريس، اسمه (the Salon des Indépendants)، عرض فيه ثيو عشر لوحاتٍ لأخيه فنسنت.

فأرسل ثيو لفنسنت رسالةً تقول: (كنتُ لأكون سعيدًا جدًا لو كنتَ معنا في المعرض، كانت لوحاتك معروضةُ بشكلٍ رائعٍ ومنسق، وأتى إليَّ الكثير من الأشخاص يطلبون مني إيصال إطراءهم وإعجابهم الشديد بلوحاتك، لك).

 

 فهرس معرض باريس الذي عرضت فيه لوحات فنسنت – بإمكانكم رؤية اسم فنسنت فان جوغ ثم اسم لوحاته في نهاية الصفحة التي على اليمين , رقمها 41

 

عام 1890، رُزِق ثيو بابن من زوجته يوهانا سمّاه فنسنت نسبةً الى أخيه فنسنت، فأرسل رسالةً لفنسنت يخبره فيها أنّه قد رُزِق بابن وسمّاه باسمه كما أراد، فرسم فنسنت لوحةَ لأزهارِ اللّوز وأهداها لفنسنت الصغير.

لوحةٌ رسمها فنسنت لأزهار اللّوز هديةٌ لفنسنت الصغير ابن أخيه ثيو فان جوغ.

 

وفي نفس السّنة عاد فنسنت إلى باريس، وكان يمر ثيو ببعض المَشاكل في عمله؛ مما تسبب في ضائقةٍ ماليةٍ له.

كتب فنسنت لأخيه ثيو يقول له فيها: (في كلِّ مرةٍ أعود فيها إلى هنا (باريس) أشعر بحزنٍ عميقٍ في داخلي، حيث أنني أشعر بالعاصفة الشديدة التي تعصف بكَ الآن وهي كما تعصف بك تعصف بي. وما يثقلك يثقلني ايضًا، وبدأت أشعر بالخوف لكوني خطرٌ و عبءٌ عليك بالعيش على مساعداتك المالية، لكنَّ رسالةَ زوجتك يوهانا لي أثبتت فعلًا أنّك تشعر بي وتراعيني وتراعي مخاوفي، وتعلم أنَّني أقاتل وأتألم كما تفعل أنت أيضًا).

وفي عام 1890، في أوفر (Auvers) إحدى ضواحي باريس، أطلق فنسنت النار على نفسه وتوفّي بعد يومين بسبب النّزيف.

فكتب ثيو رسالةً لزوجته يوهانا (Johanna van gogh): (انتهى، كلُّ شيء قد انتهى، أنا أشتاق له، كل شيء من حولي يذكرني به).

وبسبب ذلك ساءت حالة ثيو النفسيّة بشدّة مما أثّر على حالته الصحيّة فساءت أيضًا (علمًا أن ثيو كان يعاني من أزمات صحيّة مُسبقاً لكنها لم تكن ظاهرة). توفي بعد 6 أشهر من وفاة أخيه، فدفنوهما بجانب بعضهم البعض في حقلِ القمح في أوفر (Auvers).

توفي فنسنت بعمر الـ37 سنة، بينما توفي ثيو في عمر الـ33 سنة.

فكتبت زوجة ثيو يوهانا: (أنهم يرقدون بجانبِ بعضهم البعض في حقل القمح في أوفر).

 

فنسنت فان جوخ

قبرا فنسنت وثيو فان جوغ في أوفر في فرنسا.

فنسنت لأخيه ثيو: (ليس لي أي أصدقاءٍ سواك، وعندما أمرضُ أنت دائمًا في أفكاري).

تعتبر قصة ثيو وفينست فان جوخ وعلاقتهما اللّطيفة من أجملِ القصص، وأكثرها تأثيرًا.

السببّ الذي دفعني لكتابة المقال هي مانجا (قصصٌ مصورةٌ يابانيّة) اسمها وداعًا أيها الساحر (Sayonara Sorcier)، تناولت القصّة شخصيّة فنسنت وأخيه ثيو وقد ركزت القصة على شخصية ثيو، أظهرت القصة العلاقة الأخويّة الجميلة التي كانت تجمعُ الأخوين والذكاء والحنكة الكبيرة التي كان يتمتع بها ثيو. في الواقع أحداث القصة خيالية وغير صحيحة من ناحية حياة الأخوين أو مسيرتهما الحياتيّة والعمليّة، وإنما كتب الكاتب جانبًا جديدًا خياليًّا من حياتهما ليس موجودًا في الواقع، ولكن العلاقة الأخوية الرائعة التي ظهرت في القصة هي ما دفعني للبحث بشكل حقيقي عن حياة فنسنت وثيو ومسيرتهما العملية والفنيّة! فوجدت هذا الجمال غير المتوقع  في قصة حياتهما، وعلاقتهما الحقيقية، وكانت فوق تصوري، وتغلبت بأضعاف على علاقتهما المذكورة في القصة، فكانت أحداث علاقتهما وكلماتهما في الواقع أجمل بكثير من النسخة المذكورة في القصة الخيالية.

نرشح لك: لماذا يُبدع المكتئبون؟

إعلان

مصدر 1 2
فريق الإعداد

إعداد: أريج أبوهنية

ترجمة: أريج أبوهنية

تحرير/تنسيق: نهال أسامة

تدقيق لغوي: رنا داود

تدقيق علمي: دينا سعد

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.