تأخذك إلى أعماق الفكر

لماذا تمكث الضحايا؟

عندما يكون هذا الخيار قابلاً للتطبيق، فمن الأفضل أن يبذل الضحايا ما بوسعهم للهرب من المعتدّين عليهم. ومع ذلك، فهذا لا ينطبق على جميع الحالات. إذ يحاول المعتدّون مرارًا وتكرارًا منع الضحية من الرحيل. وفي الواقع، يُعتبر الرحيل عن المعتدّي وتركه مِن أكثر الأوقات خطورة بالنسبة لضحية العنف المنزلي. وقد أثبتت إحدى الدراسات في مقابلات أُجريت مع رجال قتلوا زوجاتهم أنّ تهديد الزوجة لزوجها بالانفصال عنه أو الانفصال الفعلي  كانا في أغلب الأحيان الأحداث المُحفّزة التي أدت إلى القتل.

فالأسباب التي تدفع الضحايا للبقاء مع المعتدّي عليهم بالغةُ التعقيد، وتستند في معظم الحالات  إلى حقيقة مفادها أنّ المعتدّي سيُنفذ التهديدات التي اعتاد استخدامها لإبقائهم محتجزين؛ كأن يهددهم بأنه سوف يؤذيهم أو يؤذي الأطفال أو يقتلهم جميعاً، أو أنّه سيأخذ حضانة الأطفال، أو أنّه سوف يؤذي أو يقتل الحيوانات الأليفة أو أشخاصاً من معارفهم، أو أنّه سيدمر الضحية ماديّا… والقائمة تطول. فضحايا العلاقات العنيفة يعرفون المعتدّي حقّ المعرفة، ويعرفون تمامًا ماذا يمكن أن يفعل لكي يُحكم قبضته عليهم ويُبقيهم تحت سيطرته. وقد لا يتمكن الضحايا إطلاقاً من الهرب بأمان أو حماية أحبائِهم. إذ توصلت دراسة حديثة أُجرِيت على جرائم القتل التي وقعت بين شركاء حميمين إلى أن 20% من ضحايا جرائم القتل لم يكونوا ضحايا العنف المنزلي، بل كانوا من أفراد الأسرة أو الأصدقاء أو الجيران أو الأشخاص الذين تدخلوا أو المستجيبين من فرق إنفاذ القانون أو مٍن المارة.

تشتمل العوائق الأخرى التي تحول أمام هروب الضحية من علاقة العنف -على سبيل المثال لا الحصر– على ما يلي:

  1. الخوف من أن تصبح تصرفات المعتدّي أكثر عنفًا وقد تصبح قاتلة إذا حاول الضحايا المغادرة.
  2. تخلّي الأصدقاء والعائلة عنهم وعدم تقديم الدعم لهم.
  3. معرفة الصعوبات التي تواجه المرء عندما يشرع بتربية الطفل بمفرده والظروف الماديّة التي ستسوء بعد الانفصال.
  4. شعور الضحية أن العلاقة هي مزيج من الأوقات الطيبة والحب والأمل من جهة، والتلاعب النفسيّ والترهيب والخوف من جهة أخرى.
  5. افتقار الضحية للمعرفة لمصادر الأمان والدعم  أو عدم القدرة على تحصيلهما.
  6. الخوف من فقدان حضانة أحد الأطفال إذا تم الطلاق، أو الخشية من أن يؤدي ذلك الى إلحاق المعتدّي الأذى بالأطفال أو حتى قتلَهم.
  7. الافتقار إلى الوسائل اللازمة لدعم أنفسهم وأطفالهم ماديّاً، أو افتقارهم للوصول إلى الأموال النقدية أو الحسابات المصرفية أو الممتلكات.
  8. عدم وجود مكان يلتجؤون إليه (على سبيل المثال، لا يوجد أصدقاء أو عائلة للمساعدة، أو لا يوجد مال للفندق، أو أنّ برامج الإيواء ممتلئة أو محدّدة بطول الإقامة)
  9. الخوف من أن يكون التشرُّد هو خيارهم الوحيد إذا غادروا.
  10. قد لا تدعم المعتقدات والممارسات الدينيّة أو الثقافيّة الطلاق، أو قد تفرض عليهم الأدوار التي حددها المجتمع للجنسين والتي عفا عليها الزمن إبقاء الضحية عالقة في العلاقة.
  11. الاعتقاد بأن وجود أب وأم أفضل للأطفال رغم من سوء المعاملة.

العوائق المجتمعية التي تحوُل دون الإفلات من العلاقة العنيفة

بالإضافة إلى العقبات الفردية التي يواجهها الضحايا عند الهروب من العلاقات العنيفة، فالمجتمع بشكل عام يشكِّل عقباتٍ أخرى، ويشمل ذلك:

  • خوف الضحية من اتهام المحكمة لها بهجر الأطفال أو من فقدان حضانة الأطفال أو من وجود ممتلكات مشتركة بين طرفي العلاقة.
  • القلق من انخفاض مستوى المعيشة بالنسبة للضحايا وأبنائهم.
  • تعزيز رجال الدين والمستشارين المعنيين بالأمور الدنيوية فقط دون الدينية “لإنقاذ” علاقة الزوجين بأي ثمن، بدلاُ من السعي لوقف العنف.
  • عدم تلقي الدعم من قِبل ضباط الشرطة ومنفذّي القانون الذين قد يتعاملون مع العنف على أنه “نزاع منزلي”، بدلاً من جريمة يهاجم فيها شخصٌ ما شخصًا آخر بدنيًّا. وكثيرًا ما يتم اعتقال ضحايا العنف وتوجيه الاتهامات إليهم من قِبَل سلطات إنفاذ القانون حتى ولو كانوا يدافعون عن أنفسهم ضد المُعتدي.
  • توجيه الشرطة النصح للضحايا بالعدول عن توجيه الاتهامات. ويصرف  البعض النظر عن إساءة المعاملة ويقلل من خطورتها، أو يقف بصفّ المعتدّي، أو لا يتعامل بجديّة مع سرد الضحايا للإساءة والاعتداء.
  • إحجام المدّعي العام عن ملاحقة القضايا. وقد يقنع البعض منهم المعتدّي بالإرضاء بتهمة أقل، مما يعرض الضحايا للمزيد من الخطر. وبالإضافة إلى ذلك، نادرًا ما يفرض القضاة أقصى عقوبة على مرتكبي الجرائم المُدانين، فالإدانة مع وقف العقوبة أو الغرامة من العقوبات الأكثر شيوعًا.
  • رغم إصدار قرار تقييدي، لا يوجد إلا القليل من الروادع التي تمنع المعتدّي المفرج عنه من العودة إلى التعنيف وتكرار سلوكيات الاعتداء.
  • وعلى الرغم من زيادة الوعي العام وزيادة توافر المساكن للضحايا الفارّين من شركاء عنيفين، لا توجد ملاجئ كافية للحفاظ على سلامة الضحايا.
  • بعض الممارسات الدينية والثقافية التي تؤكد أن الطلاق مُحرّم.
  • التنشئة الاجتماعية التي تدفع البعض للاعتقاد بأنهم المسؤولون عن إنجاح علاقتهم وبأنّ الفشل في الحفاظ على العلاقة يعني أنّ المرء فاشل.
  • الانعزال عن الأصدقاء والعائلة؛ إما بسبب المعتدي الغيور والمتملك، أو لأنّ الضحايا يشعرون “بالخجل” من سوء المعاملة ويحاولون إخفاء علامات العنف التي تظهر عليهم عن العالم. وتساهم العزلة في الشعور بأنه لا يوجد مكان يمكن اللجوء إليه.
  • تبرير الضحية لسلوك المعتدّي أنه يعود إلى شعور المعتدي الضغط النفسي أو إلى شربه الكحول أو معاناته من مشاكل في العمل أو البطالة أو عوامل أخرى.
  • العوامل الاجتماعية التي تُعلِّم المرأة أن تؤمن بأنّ هويتها وشعورها بقيمة ذاتها  تتوقف على الحصول على رجل والاحتفاظ به.
  • التّقلّب في الإساءة؛ فأثناء المراحل غير العنيفة، قد يحقق المعتدّي حلم الضحية بالحب الرومانسي. وقد تبرر الضحية أيضًا أن المعتدّي شخص جيد، وإنْ قام بفعل شيء سيء فهو يقوم به للتنفيس عن غضبه.

مصدر الترجمة

نرشح لك: 7 خطوات لصناعة عقلية الضحية وجعل العنف المنزلي مقبولًا

إعلان

إعلان

مصدر المصدر
فريق الإعداد

ترجمة: فرح أحمد سلمان

تحرير/تنسيق: نهال أسامة

تدقيق لغوي: أحمد المسيري

تدقيق علمي: راما ياسين المقوسي

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.