تأخذك إلى أعماق الفكر

صناعة العدو وديمومة المؤامرة

في العام 1989 إبان بداية انهيار سور برلين وانهيار الاتحاد السوفيتي من خلفه؛ قال ألكسندر أرباتوف المستشار الدبلوماسي للرئيس غورباتشوف، لأحد الساسة الأوروبيين “سنقدم لكم أسوأ خدمة، سنحرمكم من العدو”

هذه العبارة البليغة دائما أتذكرها وأنا أستمع إلى خطب ولقاءات الزعامات العربية من طنجة وحتى كردستان العراق وكذلك تستطيع أن تضيف عليهم ما يُعرف بدول الحزام الإسلامى -تركيا وباكستان وإيران- كل زعماء تلك الدول أتذكر معهم تلك المقولة آنفة الذكر كلما سمعتهم يتحدثون عن تحديات بناء الوطن وعقبات تنمية البلاد. ولكن، مهلًا….

كيف يكون اختفاء عدوي بمثابة خدمة سيئة؟
أليس اختفاء العدو أو القضاء عليه هو أعظم خدمة وأجمل بشارة، وأسعد اللحظات؟

بلى، ولكن حينما يكون ذلك العدو عدوًا حقيقيًا يفترض على مواجهته وواجب علي محاربته، وليس عدوًا من صنعي وتأليفي ومن خلقي أنا.

إذًا ما هي القصة وما هو الموضوع ومن هو ذلك العدو (الصناعي) ومن هو هذا العدو (التفصيل)؟

الحبل السري لحياة ووجود أي نظام سلطوى أو شمولي هو “المواجهة مع العدو” ومجابهة المؤامرة التي تحاك ضد الوطن وإجهاض محاولات تركيع الأمة ومقاومة الغزو الثقافى ومكافحة تغلل العدو داخل النسيج الوطني ومطاردة أهل الشر الذين يسعون إلى استلاب مقدرات الوطن واختطاف حرية المواطنين، إلى آخر تلك التوصيفات والتعبيرات التي نشأنا وترعرعنا عليها منذ نعومة أظفارنا وحتى كهولتنا ومماتنا وكذلك من سبقنا من أجيال وأجيال لا نستثنى منهم أحدًا.

يقسم إبراهام ماسلو عالم الاجتماع الشهير، هرم الاحتياجات الإنسانية إلى (هيراركية) تصاعدية تبدأ من قاعدة الهرم مع الاحتياجات الفيسيولوجية كالمأكل والمشرب والنوم والعلاقات الحميمية، وتليها الاحتياجات الأمنية كالسلامة الجسدية والأمن الوظيفي والأسري والصحي وتأتي بعدها الاحتياجات الاجتماعية كتكوين الأسرة والصداقة؛ ثم الاحتياج للتقدير، تقدير الذات واحترام الآخرين وكذلك الاحترام من الآخرين ثم يختتم الاحتياجات الإنسانية بالحاجة لتحقيق الذات كالابتكار وحل المشكلات وتقبل الحقائق وهي تمثل أعلى قمة هرم الاحتياجات الإنسانية في ترتيب تصاعدي له مغزاه، حيث إن أغلب البشر لا يمكن لهم الوصول مثلًا لمرحلة الحاجة لتقدير الذات دون أن يكونوا قد أشبعوا حاجتههم للطعام والشراب والأمن والسلامة الشخصية ولا يمكن لهم كذلك أن يسعىوا لتحقيق ذواتهم وهم يفتقرون لمأوى أو يخافون على حياتهم وحياة أبناءهم، وهكذا.

إعلان

لذلك تجد دائمًا وأبدًا من طنجة وحتى المنامة، كل احتياجات أبناء المسرح العربي لا تتعدى فى أفضل حالاتها المرحلة أو العتبة الثالثة “الحاجة الاجتماعية”، بينما الحالة الرابعة والخامسة محظور عليه مجرد الحلم بها فضلًا عن المطالبة بها والسعي إليها والنضال من أجلها، ولكن كيف يمكن منع تلك الشعوب من التطلع إلى احتياجاتها الأساسية إذا هي أشبعت حاجتها للطعام والشراب والأمن؟

أولًا تلك الاحتياجات الأساسية فى عموم البلدان العربية وغالبية الأوقات غير متوفرة بالشكل الآمن الذي يكفى الفرد العربى مؤنة النضال والجهاد من أجل توفيره.
ثانيًا تحاصره ظروف اقتصادية سيئة وتزداد سوءًا يومًا بعد يوم رغم كل الوعود التي يظل يسمعها المواطن العربي منذ ولادته وحتى دخوله القبر دون أن يرى منها أى وعد على أرض الواقع، هذا غير حالة الاستنفار في غالب رقعة العرب بسبب الحروب الأهلية والصراعات الخارجية ومكافحة الإرهاب الذي ينمو ويترعرع كلما أعلنا الحرب عليه وأضف إلى ذلك بيروقراطية شديدة الوطأة على كاهل المواطن مع تغول الفساد بشكل غير مسبوق ومع كل ذلك لا ننسى حالة تغييب دينى متعمد وتجهيل عام مقصود وإسفاف إعلامي رخيص وفن هابط لا يرقى لفن الغوازى بالموالد.

كل ذلك من أجل ماذا؟

من أجل أن تظل في المربع الأول والثاني فقط ولا تتطلع لما أبعد من ذلك.
لكل ما سبق يسعى أى نظام حكم سلطوي أو شمولي أن يحصرك ماديًا ومعنويًا داخل هاتين الدرجتين ” الفيسيولوجية والأمنية ” فيسعى دائمًا لشغلك بالصراع الذي تحياه الأمة والمؤامرات التي يواجهها الوطن والدسائس التي تحاك للدولة، وخطاب مكثف من إعلام هابط على رأس مواطن مسطح الفكر يفى بالغرض وزيادة مع ندوات وحلقات دينية تحض على الرضا والقبول بما قسم الله لك وأن الدنيا زائلة زائفة وأن الحياة الحقيقية هي الحياة هناك فى الدار الآخرة وأن الدنيا ” سجن المؤمن “… لاحظ اللفظ وتأثيره فى وعي المتلقي، مع التحذير المتكرر من مصير الدول التي انهارت وأن الأعور أفضل من الأعمى والأعرج أحسن من الكسيح.

ماذا بقي لك لتفكر وتعمل عقلك لتتطلع لاحترام ذاتك وتقديرها ومن ثم تحقيقها؟

هنا يأتي دور صناعة العدو، لتظل رهينًا لذلك القائد والزعيم الذي يحميك وينشر عليك الأمان، فتستسلم وتقنع بما أنت عليه بل وتنتحل الأسباب والمبررات لما تراه وتعيشه من تهميش ومهانة وإهانة وربما اضطهاد، كل ذلك تحت عنوان ” تعيش فقيرًا مهانًا في بلدك أو تصبح لاجئًا مشردًا خارج الوطن؟”

لذلك يعتبر العدو (المفترض) والمؤامرة المزعومة بمثابة الحبل السري لبقاء الديكتاتور، وليس أدل على ذلك من النموذج السوداني وتعامل الديكتاتور البشير مع احتجاجات الشعب السوداني على أنها مؤامرة خارجية ضد السودان ومقدراته، ولماذا؟؛ لأن السودان متمسك بدينه وعزته!

أي غباء هذا وأي فكر ضحل ساقط ومع ذلك قد يربح هذا الفكر ويفوز ذلك الخطاب ويبقى الديكتاتور أعوامًا أخرى جاثمًا على صدور السودانيين بحجة حماية البلاد من المؤامرات الخارجية التي تريد أن تختطف مقدرات الشعب السودانى الذي خرج أساسًا لأنه لم يعد يجد ما يكفيه ليسد رمقه.

يسمى هذا التكنيك بسيكولوجيا تحويل الأهداف والحيل الدفاعية وتحميل العدو المفترض مسؤولية معاناة الشعب المستمرة.
ولكي يظل الديكتاتور في السلطة عليه أن يبقي (أعداءه) على قيد الحياة، حتى يستمر سبب بقاءه على كرسي الحكم.

والعدو المصنوع ينقسم إلى:

– عدو له حدود مشتركة معك (الهند وباكستان)
– عدو حميمي (الحروب الداخلية الأهلية)
– عدو عالمي (الصين وأمريكا أو روسيا وأمريكا سابقًا)
– عدو محجوب (نظرية المؤامرة)
ولا مانع من أن يكون العدو عدوين أو عدة أعداء في وقت واحد.

يقول أفلاطون في جمهوريته متحدثًا عن الطاغية “فى مبدأ الأمر لا يلقى كل من يصادفه إلا بالابتسام والتحية ويستنكر كل طغيان، ويجزل الوعود الخاصة والعامة ويعفي من الديون ويوزع الأرض على الشعب وعلى مؤيديه ويتصنع الطيبة والود مع الجميع وفى الوقت ذاته يبدأ في تكوين حرس قوي حوله بحجة المحافظة على مطالب الشعب ثم يبدأ في إشعال الحرب تلو الأخرى حتى يشعر الشعب بحاجته إلى قائد وكذلك حتى يضطر المواطنون الذين أفقرتهم الضرائب إلى الانشغال بكسب رزقهم اليومى بدلًا من أن يتآمروا عليه”
ما أشبه الليلة بالبارحة!

شعوب ترتع في جهل مكدس ومقدس وتجهيل متعمد، تعليم بائس وإعلام منحط وخطاب دينى تغييبي معادٍ للعقل والمنطق والحداثة، وفساد صار سلوكًا يوميًا يمارسه أبسط المواطنين، وتعصب ديني واستقطاب طائفي وغياب كامل للسياسة في كامل تراب ناطقي الحرف العربى.
فأين المفر؟

قد يعجبك أيضًا: السادية والمازوخيَّة … عودٌ على بدء

إعلان

فريق الإعداد

إعداد: محمد محمود

تدقيق لغوي: ندى حمدي

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن سياسة المحطة.